
أحمد أكومي
التاجر المكناسي الذي أصبح مرجعا وطنيا في فن الملحون
مـحمد بشار
لا يمكن التطرق أو الخوض في ثنايا وخبايا طرب الملحون بمكناسة الزيتون دون استحضار الأدوار الملفتة للنظر التي قامت بها ثلة من كبار شيوخ هذا الفن (نظام – منشدون – عازفون – أساتذة …)، في سبيل إشعاعه محليا ووطنيا، وتكريس ديمومته كفن مغربي خالص، وتثبيته كأحد مكونات هوية المدينة، وكذلك اشتغالهم على تكوين جيل من الشباب، ذكورا وإناثا، والأمل يغمرهم بأن يشكل هذا الجيل خير خلف لهم، ويتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الأصيل ، وتطويره وتحبيبه لعموم المغاربة، وإيصاله إلى أقصى ما يمكن من مناطق الوطن.
من هؤلاء الشيوخ الأفذاذ والذي يعتبر، أحد أهم معالم المدينة وركائزها الفنية في “فن القول”، المرحوم الشيخ الأستاذ أحمد أكومي (الأستاذ أكومي لاحقا) الذي شكلت وفاته، خسارة فنية وطنية كبيرة بالنظر للمكانة الكبيرة التي كان يحتلها بين الشيوخ، ولما أسداه من خدمات لفن الملحون ورجالاته ومحبيه.
رأى الاستاذ أكومي النور سنة 1937 بالعاصمة الإسماعلية مكناس بداخل أسوارها التاريخية بالمدينة القديمة، وبالضبط بحي تيزيمي الكبيرة. نشأ في أحضان أسرة محافظة سليلة الدوحة النبوبة الشريفة، وتربى على مبادئ الكتاب والسنة. في سن الثالثة من عمره، أ ألحقته الأسرة بالمسيـد (الجامع) حيث حفظ وختم القرآن الكريم على يد الفقيه العلامة المرحوم الحاج المختار الصنهاجي.
بموازاة مع تعلمه للقرآن بدأ الأستاذ أكومي، في سن مبكرة، الاهتمام بفن الملحون وكان ذلك تحت تأثير والده الشيخ عبد السلام أكومي- الملقب بالشيخ سلام- الذي كان، رحمه الله، من المحبين والمولعين ومن كبار شيوخ هذا الفن الراقي.
إلى جانب ما كان يستقيه من الوالد، من معلومات ومعارف وتوجيهات تخص هذا الفن المغربي الخالص، “ديوان المغاربة” كما يسميه البعض، كان الأستاذ أكومي يقبل على حضور الحلقات الفرجوية الخاصة بالملحون “لحلاقي” للاستمتاع بالقصائد التي كانت تلقى وتنشد فيها، وهو ما زاد في ولعه بهذا الفن. للإشارة، الحلقات الفرجوية المتنوعة المواضيع كانت منتشرة بقوة آنذاك بالعاصمة الإسماعلية. وكانت تعقد في عدة مواقع وساحات في العديد من أحياء المدينة العتيقة وغيرها، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: باب الجد يد، ساحة لهديم، ساحة لالة عودة، باب البرادعيين (قرب مسقط رأس علمنا). هذه الحلقات كانت محط إقبال من طرف مختلف أطياف المجتمع. وقتها لم تكن هناك وسائل ترفيه بالشكل الذي هي عليه اليوم.
باستثناء تردده على لمسيد، لم يلج الأستاذ أكومي أية مدرسة، كما أنه لم تتح له فرصة الاستفادة من أي تكوين أكاديمي. وقد عوض هذا القصور بعصاميته المتفردة وفضوله المعرفي العارم، الشيء الذي مهد له الطريق لأن يحقق رغبته الكبيرة في تكوين معمق ومتعدد (العلوم الفقهية، العزف على عدة آلات موسيقية، الملحون بكل روافده …).
حين اشتد عوده بدأ يرافق أباه إلى متجره الكائن بساحة الهديم الشهيرة، حيث كان يساعده في عمله المتمثل في زخرفة وبيع الأواني الخزفية، وهناك، تحت إشراف الوالد، أتقن هذه الحرفة التي أصبحت فيما بعد مهنته الرئيسية لفترة مهمة من حياته. بوفاة الوالد تكفل الأستاذ أكومي بتدبير المتجر العائلي، وأصبح هو معيل الأسرة والمسؤول عنها. وقد كان خير خلف للحاج عبد السلام. تحمل باقتدار تربية وتأطير إخوته السبعة حتى شق كل واحد منهم مساره في الحياة بنجاح. منهم من ولج سلك الوظيفة العمومية ومنهم من تقلد مناصب سامية في مؤسسات خاصة كبري…
في نهاية الخمسينات انتقلت عائلة الأستاذ أكومي من تيزيمي، الحي الذي ترعرع فيه، إلى حي سيدي عمر. في هذا الحي كون الأستاذ أكومي أسرته الصغيرة. وكما أفلح في توجيه إخوته، أفلح مع أبنائه. لقد كان لأسلوب تربيته، ذي المرجعية الإسلامية المحافظة، الأثر الكبير عليهم. فقد زرع فيهم حب العلم والمثابرة والاجتهاد لتحقيق الذات. ونتيجة لذلك ورثوا استقامته وجديته وتفوقوا في دراستهم وتمكنوا من ولوج مناصب مهنية متميزة. ورغم أنهم، بحكم الظروف الأسرية، نشأوا على حب الملحون وصاروا من المولعين به والمتتبعين له، فلا أحد منهم استهوته فكرة احترافه. أضف إلى ذلك، ثقل المسؤوليات والوظائف التي تقلدوها. عن أبيه يقول الأستاذ عبد السلام أكومي: “سيدي أحمد أكومي، وحتى يوم وفاته، كان هو رب أسرة أكومي الكبيرة. لقد كان كل أفرادها، من مكناس ومن خارجها، يلجؤون إليه لأخذ المشورة والنصيحة نظرا لحكمته وورعه وزهده في الحياة. كان عطوفا حنونا على الجميع. ورغم انشغاله بأحوال أسرته الصغيرة، فإنه ظل متشبثا بإخوته وبتكتلهم حوله إلى آخر نفس”.

اشتغاله بالتجارة منذ الصغر، لم ينل من شغفه الجارف بطرب الملحون. بل حفزه على تطوير هوايته به وصقلها. وقد تم له ذلك على مراحل. نهل في بداياته، كما سبق الذكر، من معين الوالد، وبعده تتلمذ على يد الشيخ الكبير بنعيسى الدراز الذي كان شيخه الأبرز وأهم أساتذته. زيادة على ذلك، كان من المتتبعين لمسار وإبداعات مجموعة من شيوخ الملحون الكبار الذين عاصرهم في شبابه. نذكر من هؤلاء، مولاي على العلوي، مولاي العباس والشيخ الرحيوي الفاسي رحمهم الله جميعا.
رويدا رويدا بدأ اسم الفنان الشاب أحمد أكومي يبرز في أوساط أهل الملحون بالمدينة وينال تقدير شيوخه الكبار. منهم با عربي الزهراني، بن عبد الله (المعروف بوفائه لنهج الولي الصالح سيدي قدور العلمي) وشيخه الفد بنعيسى الدراز. خلال فترات تتلمذه على يد هذا الشيخ، ربط علاقات إنسانية وفنية متينة مع مجموعة من زملائه كمولاي عبد العزيز العبدلاوي ومحمد لعناية ومولاي أحمد الدلال.
لأن عشق علمنا لطرب الملحون وإصراره على الانغماس والتبحر فيه كان بلا ضفاف، ولأن علمنا كان ملزما بالتواجد المتواصل بدكانه من أجل تسيير تجارته وصونها، وفي ظل عدم التوفر على محل خاص لاجتماعات أهل الميدان، فإنه جعل من متجره “صالونا فنيا ملحونيا ” كان يجتمع فيه أهل فن الملحون من داخل مدينة مكناس وحتى من خارجها، خاصة من مدن فاس وسلا ومراكش. كانت اللقاءات المتعددة التي تلتئم فيه عبارة عن ندوات يتداول فيها في كل ما له علاقة بطرب الملحون: التاريخ، الأقطاب، القصائد، المواضيع، الإنشاد، العزف، تقاسم المعارف بين الأفراد، الإعداد للأعمال الجديدة … لقد كان لهذه الجلسات الفنية الأثر الكبير في الرفع من المستوى الطربي والمعرفي للمشاركين، وضمنهم الأستاذ أكومي الذي أصبح مع الوقت أحد أعمدة ومراجع هذا الموروث الثقافي وأحد شيوخه المرموقين محليا ووطنيا.
حضي متجر علمنا بشهرة كبيرة لدرجة أن ناس الملحون القادمين من خارج مكناس كانوا أول ما يقومون به هو زيارته. وقد ساعد على ذلك موقعه الاستراتيجي بساحة الهديم التي كانت تحط بها رحال المسافرين. في هذا المتجر النادي تعلم الأستاذ أكومي أصول العزف على آلتي السويسن والعود بالطريقة التقليدية، وبرع فيه. ونتيجة لذلك أصبح مطلب العديد من المجموعات الفنية بالمدينة. ولأن صيته كعازف ماهر ذاع، تمت المناداة عليه للانضمام الى جوق الإذاعة الوطنية بالرباط، لكنه اعتذر عن القبول، وذلك لرغبته بالبقاء بجانب أسرته وتجارته ومدينته التي كان يعشقها بشكل كبير. عن مصير هذا المتجر الفني، يروي الأستاذ عبد السلام أكومي بأن ظروف اشتغال أبناء الفقيد وعمل أغلبهم خارج حاضرة مكناس لم تسمح لهم بالاحتفاظ به، فتم بيعه. ويذكر ذلك بأسف كبير. كان من المفروض، اعتبارا لرمزيته التاريخية، ودوره في نسج علاقات فنية وإنسانية وثيقة بين ناس الملحون من مكناس وخارجها، ألا يتم التفريط فيه من طرف الأسرة. لقد شكل المحل ورشة فنية تم الاشتغال فيها لسنوات طوال، ونهل من رحيقها الكثير من أهل الملحون، وساهمت اللقاءات التي كانت تعقد فيها في التأثير الإيجابي على طرب الملحون والمساهمة في إشعاعه.
انخراط الأستاذ أكومي الاحترافي القوي في المجال الفسيح للملحون، وما ترتب عنه من التزامات متعددة ومختلفة (حفلات، لقاءات، أسفار، تدريس …) كان من الحتمي أن يؤثر على وتيرة إشرافه الشخصي على تجارته. نتيجة لذلك أصبح من المستحيل عليه أن يوفق بنجاح بين متطلبات تجارته وإكراهات مسؤولياته الفنية. لهذا وجد نفسه مضطرا للتخلي المباشر عن تسيير المتجر، وعهد بذلك الى أحد أعوانه. بعد هذا التغيير، لقاءات أهل الملحون التي كانت ينظمها بالمتجر، انتقلت إلى المنازل. كعينة لهذه الاجتماعات المنزلية ، يروي المرحوم الحاج أحمد سهوم ،الإعلامي والشاعر والباحث في الملحون، في شهادة موثقة على اليوتوب، بأنه هو وخمسة من كبار شيوخ الملحون بمكناس، مع ذكر أبرز اختصاصهم باختصار، [محمد الحمري (التصوف في قصائد الملحون)– مولاي عبد العزيز (الشعر والإنشاد) – محمد لعناية (الإنشاد) – محمد المربوح (العزف على العود) – أحمد أكومي (العزف والشعر ومواضيع الفقه والعبادات) – احمد سهوم (تقنيات شعر الملحون)] كانوا يعقدون لقاءات متعددة، غالبا بمنزل الأستاذ أكومي، يتناولون خلالها بالنقاش والدرس قصائد وطرب الملحون كل من الزاوية التي يهتم بها أكثر ويبرع فيها. ولم يكن لهم من هدف من لقاءاتهم الفنية هذه سوى تقاسم وتعميق معارفهم وتجاربهم والارتقاء بفن يعشقونه بدون حدود. المال والشهرة لم يكونا أبدا من انشغالاتهم. بالطبع، ونظرا للعدد المرتفع للمولعين بالملحون بالمدينة، كانت تعقد لقاءات متفرقة بأماكن أخرى: مقاهي، فنادق …
في سنة 1968، وعلى هامش انعقاد مهرجان للملحون بمدينة مراكش، تم أول لقاء بين علمنا الأستاذ أكومي والمرحوم الحاج الحسين التولالي (ضمن الصور، بطائق المشاركة في المهرجان المذكور المتعلقة بالشيخين من أرشيف الفنان عبد الله الرمضاني رفيق الشيخين). الفنان العصامي التولالي، وكما صرح بذلك أكثر من مرة، كان في بداياته أميا. وكان يعتمد على السمع في حفظ القصائد. لما لاحظ الأستاذ أكومي بأن صديقه يمتلك موهبة في الإنشاد قل نظيرها بين أقرانه، وذاكرة قوية، وقدرة فائقة على الحفظ بالسماع، تطوع لتعليمه مبادئ القراءة والكتابة، وذلك بهدف إخراجه من ظلمة الأمية وتمكينه من حفظ القصائد دون اعتماد على الآخر. مصدر آخر أخبرنا بأن أول من بدأ تلقين المرحوم التولالي مبادئ القراءة والكتابة هو شيخه الأول سيدي محمد الخياطي اليوسفي رحمه الله. وأن الأستاذ أكومي أتم رحمه ما بدأه الشيخ الخياطي.
وجد المرحوم التولالي ضالته في صديقه أكومي، الذي أصبح بمثابة شيخ ثان له، فأخذ عنه الشيء الكثير في الميدان الفني الفسيح الذي جمعهما، والذي كان سببا في ربط وتوطيد علاقة مهنية وإنسانية بينهما، قوامها الاحترام والتقدير المتبادل. علاقة لم تنطفئ الا برحيل الحاج التولالي الى دار البقاء سنة 1998.
بخصوص مهرجان الملحون بمراكش سنة 1968، تجدر الإشارة الى أن مدينة مكناس كانت مشاركة فيه بأربعة من كبار شيوخها. يتعلق الأمر بالحسين التولالي، أحمد أكومي، محمد لعناية ومحمد المربوح. بعد هذا المؤتمر بدأ التعاون الفني بين أكومي والتولالي. وهكذا التحق الأستاذ أكومي بالحاج التولالي بجوق الملحون لمدينة مكناس كعازف لآلة السويسن. بموازاة مع ذلك كان الأستاذ أكومي، الذي كان الحاج التولالي معجبا بجمالية خطه، يقوم بنسخ القصائد التي يبرمج التولالي حفظها وإعدادها للإنشاد المناسباتي أو للتسجيل بالإذاعة الوطنية أو لدى الشركات الخاصة. لازم الأستاذ أكومي الحاج التولالي طيلة مسيرته الفنية الغنية، وشارك معه في حفلات وملتقيات ومهرجانات عديدة داخل المغرب وخارجه. وكان من أبرز المساهمين في النجاح والشهرة الكبيرين اللذين اكتسبهما التولالي.
في سنة 1978 قدم الحاج التولالي صديقه أكومي لمولاي أحمد المدغري، مدير المعهد الموسيقي الكائن بقاع وردة، والتابع لوزارة الثقافة، شاهدا له بالكفاءة في ميدانه. وعليه تم إلحاقه بالمؤسسة كأستاذ لتلقين الملحون للراغبين فيه. في نهاية الثمانينات انضم الأستاذ أكومي إلى هيئة التدريس بالمعهد البلدي بحمرية. بعد وفاة الحاج التولالي سنة 1998 تم إسناد الحصص التي كان يتولاها إلى الأستاذ أكومي. عن الأستاذية بمعاهد الموسيقى آنذاك، يمكن القول بأنها كانت، إلى حد ما، فعلا نضاليا. ذاك أن الأستاذ لم يكن له أي إطار إداري ولم يكن يستفيد من أية امتيازات تحفيزية خارج التعويض المادي عن ساعات التدريس. زيادة على تلقينه لمواد الإنشاد، والقواعد والنظريات المتعلقة ببحور وأوزان الملحون والقياسات، وشرح المصطلحات، وتعليم آلة السويسن … كان الأستاذ أكومي من أبرز المشاركين في إعداد المقررات لمختلف سنوات التكوين في فن الملحون وفي تجويد تدريس هذا الموروث الثقافي الأصيل. عرف عن الأستاذ أكومي أنه، في التداريب الإنشادية لطلبته بمعهد حمرية، لم يكن يكتفي بقصائد الغير، قديمة كانت أو حديثة، بل كان يدمج فيها قصائد من تأليفه. الفترات التي قضاها الأستاذ أكومي في التدريس الفني بالمعهدين الموسقيين المكناسيين، كانت محط تقدير وتنويه من طرف الجميع (إدارة، طلبة، مهتمين …)، وكانت جد مثمرة. وكان من بين نتائجها مساهمته الواضحة في تكوين كوكبة من الشباب المولع بالملحون. نذكر منهم على سبيل المثال:
+ زهور الإسماعلي: وهي من أجمل الأصوات في فن الملحون.
+ سعيد المفتاحي : فنان رئيس جوق للملحون مقيم بفرنسا.
+ خالد إدريس : فنان مقيم بفرنسا .
والمغرب. + عبد العالي الأجراوي (أمير على) : فنان مقيم بين الولايات المتحدة الأميركية
+ ماجدة اليحياوي : إعلامية ومنشدة لفن الملحون.
+ سعيد نجاح : فنان مقيم ببلجيكا
+ سعيد الإدريسي : فنان ذو صوت جميل غادر الساحة الفنية، ويأمل أصدقاؤه أن يعود إليها مجددا.
+ المرحومة حياة العسري : منشدة لفن الملحون كانت مقيمة بأمريكا.
+ رشيد الحكيم : (شافاه الله) أستاذ بالمعهد البلدي للموسيقي بمكناس، وأستاذ لمادة الملحون بأحد معاهد الرباط، ورئيس جوق الأصالة للملحون والموسيقى الأندلسية بمكناس
+ ليلى لمريني: أستاذة لمادة الملحون بالمعهد التابع لوزارة الثقافة بمدينة الرباط
+ نعيمة الطاهري: منشدة لفن الملحون، وأستاذة لنفس المادة بأحد المعاهد بمدينة الدار البيضاء …
في ارتباط بميدان التعليم، يحسب للأستاذ أكومي إسهاماته في إعداد الكثير من الدراسات والأبحاث والأطروحات الجامعية في مجال الأدب الشعبي، وتعاونه مع أصحابها من طلبة وأساتذة وباحثين. حري بالذكر أنه بمرض الحاج التولالي سنة 1996، كف شيخنا عن العزف وعن المشاركة في الحفلات الفنية للملحون، وحصر نشاطه في التدريس.
حضي الأستاذ أكومي، قيد حياته وفي فترات متفرقة، بالعديد من التكريمات من طرف مؤسسات وجمعيات مهتمة بتراث الملحون اعترافا بما بدله من جهد في سبيل الرقي بهذا الموروث الثقافي المغربي وتفانيه في ترسيخه في أذهان المغاربة وتقريبه إليهم. نذكر منها:
-جمعيتا سيدي التهامي المدغري وعبد الكريم كنون بفاس.
-جمعيتا فضاء مكناس ورحاب الإسماعيلية بمكناس.
-الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة سنة 2009.
-الملتقى السادس عشر لفن الملحون: سجلماسة 2010
عرف عن الأستاذ أكومي، وهو الإنسان المحافظ الحامل لكتاب الله، أنه كان شديد الاحتياط في تعاملاته وتصرفاته بسبب خشيته من الوقوع في الحرام. كان يكره الخمر، وفي أسفاره إلى أوربا، كان يمتنع عن أكل اللحم مخافة أن يكون لحما حراما. لم يكن يثق في اللحوم المعدة من طرف الأوربيين، كما كان يقول لزملائه. وكان يستعيض عن ذلك بأكل السمك. بالنسبة للباس، كان لا يرتدي إلا الزي التقليدي المغربي (جلابة + طربوش أو طاقية) في المغرب أو خارجه. لقد كان يعتبر هذا الزي جزءا من أصالته وهويته المغربية. هذا اللباس، كما يروي ابنه عبد السلام، كان وراء واقعة طريفة حدثت له بقرطاج بمناسبة إحدى دورات مهرجانها السنوي. غادر الأستاذ أكومي الفندق الذي كان يقيم فيه، رفقة زملائه فناني الملحون، للبحث عن صانع لإصلاح عطل مفاجئ أصاب ساعته اليدوية. حين وصوله إلى المحل المطلوب كان رجل، بلباس تقليدي تونسي، يجلس أمام بابه. بمجرد ما وقعت عينا الرجل على الأستاذ أكومي، وقف، بادره بالسلام وخاطبه: الأخ مغربي بدون شك. وأردف: من أية مدينة؟ حين أجابه الأستاذ أكومي بأنه من مكناس، انفرجت أساريره (التونسي كان هو صاحب المحل) وصاح: شي الله أسيدي بن عيسى، نفعنا الله ببركاته. التونسي كان عيساويا، وقد أبهجه كثيرا أن يلتقي بمغربي من مدينة شيخ طريقته العيساوية. بمناسبة هذه الصدفة السعيدة أصر التونسي على استضافة علمنا المكناسي بمنزله في ذلك اليوم. وأقسم على ذلك. للإشارة، الطريقة العيساوية لها، إضافة لتونس، مريدون كثر بكل من ليبيا والجزائر.
عن صفات والده، يقول الأستاذ عبد السلام أكومي: “تميز الوالد بالرصانة ونكران الذات. كان ورعا وعفيفا. لم تستهوه يوما ما الشهرة ولا الأضواء التي اختار أن يعيش بعيدا عنها. كان قليل الكلام، وإن تكلم فبلسان حكيم. لكنه كان يجيد الإنصات وبشكل راق. ويضيف: “بأنه كان دائم الاستحضار لكتاب الله في كل تعاملاته”. أما عن النظم فيقول: ” في طريقة نظمه لقصائد الملحون سلك منهج السهل الممتنع، وقد نظم في كل الأغراض الشعرية لكنه، بكل أسف، لم يكن حريصا على توثيق قصائده. والنتيجة أن العديد منها تعذر الوصول إليه. ومما لا شك فيه أنها موجودة حاليا بحوزة من ساقتهم الظروف للاستيلاء عليها، أو لدى من سلمهم إياها لغرض معين ولم يرجعوها إليه قبل وفاته، ويبقي الهاجس أن ينسب البعض هذه الأعمال إلى نفسه”. تخوف الأستاذ عبد السلام هذا، يبقى مشروعا ما دام أن حالات عديدة من السطو على قصائد الغير سبق وأن سجلت. هذا السلوك المشين أثار حفيظة فناني الملحون والمهتمين به وانتقاداتهم. لإثارة انتباه المسؤولين لهذه الآفة ومطالبتهم بوضع حد لها، قام الفنانان عبد المجيد فنيش من سلا، وسعيد المفتاحي من مكناس بإصدار بلاغ إدانة واستنكار وشجب لما وصفاها بأنها عملية تطاول تمس بعض قصائد الملحون المغربي، وتتمثل في نشرها بغير أسماء أصحابها الحقيقيين. هذا البلاغ لقي تجاوبا ومساندة كبيرين من طرف العديد من الفنانين والمثقفين والإعلاميين الذين بادروا لتوقيعه. ويبدو أن هذه الحركة ما زالت مستمرة.
في ارتباط بضياع قصائد الأستاذ أحمد أكومي، أخبرنا المنشد الفنان عبد الله الرمضاني (الذي رافق مطولا الفقيدين أكومي والتولالي في مسيرتهما الفنية الموفقة)، بأنه كان شاهدا على أن الأستاذ أكومي سلم لباحث في فن الملحون والتراث الشعبي، وهو مثقف مكناسي معروف (نستنكف عن ذكر اسمه)، 12 قصيدة من تأليفه، وذلك في إطار التواصل والمساعدة التي لم يكن يبخل بها على الدارسين والطلبة والمهتمين بمجال الملحون والفنون الشعبية. كما سلف الذكر. هذه القصائد لم يتم إرجاعها الى الأستاذ أكومي قيد حياته، أو إلى الأسرة بعد الوفاة. ومن شبه المستحيل أن يظهر لها أثر مجددا، ما دام الباحث المذكور اختاره الله إلى جواره. قامت الأسرة ببعض المحاولات لاسترجاع ما أمكن من كتابات الفقيد لكن لم يحالفها الحظ لحد الآن.
نتيجة لهذه الظروف لم نتمكن من الوصول أو التحقق من وجود إلا عدد قليل من قصائد الفقيد:
+ من أرشيف الأستاذ عبد السلام أكومي:
-قصيدة لوبـبـا، التي يقول في لازمتها:
يا هلي رغبو فيا من هويت مصباح الألباب//عار فمن نهوى روح لسيار ولفي لوبـبــا
-قصيدة في مدح الرسول”ص”، تقول لازمتها:
جيت مزاوك فحماك يا طه//لله جيرني من هم الدنيا والاخرة يا رسول الله
-قصيدة صباح ولازمتها:
يا هلال الدار صيل الكرام يا ضي لماحي//يا لي طيبك فاح على لدواح يا ولفي صباح
-قصيدة وطنية، مطلعها: يا بشرى لنا بعيد عرش المجد الحسن صاحب الصولجان
+ من أرشيف الفنان عبد الله الرمضاني: قصيدتان، وهما على التوالي بعنوان مريم ونعيمة. أسفله نورد بعض المقاطع منهما:
من قصيدة مريم:
اللازمة:
يالعذرا يا تاج الباهيات يا ولفي مريم +++ الله ينصر حسن بهاك يا غزالي مَريا
+القسم 4
يا لعذرا شفت القد الظريف فارس متكلضم +++ والسوالف زنجية والجبين نحكيه ثريا
يا لعذرا فقتي جميع الريام بالشفر لمنيم +++ والعيون الحجلية والخدود وردة مسقيا
يا لعذرا أكداك الثغر لمرتب ولمبسم +++ كخويتم والريق امصال والشفايف عكريا
يا لعذرا والجيد جيد غزال فالصحرا هايم +++ والصدر نهودو فوق الرخام زادتني كيا
يا لعذرا هذا حد لوصاف والباقي نكتم +++ ما نطيق نوصفو محجوب في ثياب حريريا
+القسم 5
يا لعذرا نهيت قصيدتي وشعاري نختم +++ والقبول نراجي منك يا لريم العذريا
يا لعذرا هبت سلامي بطيبة الطيب الناسم +++ ليك يا مولاتي وعلى لشياخ ألف تحيا
يا لعذرا ليهم راسي صغير والله العالم +++ أياما فقلبي للدهاة الأتقيا
يا لعذرا نذكر اسمي أحمد بن عبد السلام +++ حق أكومي زكري من سلالة خير البريا
يا لعذرا طالب نعم الكريم عني يتكرم +++ بجاه سيدي رسول الله والحليم السعديا
من قصيدة نعيمة:
اللازمة:
يا روح الذات زينة التـبـسيـما أعنايتي نعيمة
يا لعذرا يا ذات الزين ولمحاسن، عطفي يا باشت الريام ورحمي هاد لغلام
+ القسم 1
نوصيك أللايم حالي، كف لملام
وهل الغرام مثلي ما يلامو، طايعين أمرو وحكامو، والهوى جرد صمصامو مع سهامو
وطعني فلدخال دون جريما، نارو كدات ضريما
فحشايا وانا جسمي نحيل ناحل، باغي بدواك نترحم
+مقتطف من القسم 8-
والجيد من جمالو تاهو ناس الغرام
ورخامة الصدر ما رفقت بيا، والنهيدات زلغو بيا، كواوني كيا عن كيا بلا خفيا
………………………….
حد وصفي هذا يا حرة لغوالي والباقي مكتوم فالنظام
………………………….
قلوبنا تتـناجا وحنا فطيب لهوى لا ريح يهب لا غيام
………………………..
وسمي ربعة من لحروف وسيمة، مشرفة وسليمة
أحمد أكومي زكري فمكناس قاطن، من صلة شافع لـِسْـلام.
…
هاتان القصيدتان كانتا ضمن القصائد التي ألفها خلال فترة تدريسه بمعهد حمرية، وكانتا تنشدان بنفس المعهد في إطار تداريب طلبة الملحون، وكذلك في بعض المناسبات، كالحفلات والمهرجانات، ولم يسبق أن سجلا بصوت أي منشد للإذاعة أو التلفزيون. قصيدة نعيمة مثلا، سبق وأن تم تقديمها من طرف جمعية الأصالة في إطار “مهرجان فاس لفن الملحون” في دورته السابعة، وقد أداها ابن قصبة هدراش المنشد المتميز ادريس الزعروري.
علمنا أن الفقيد ألف كذلك قصيدة بعنوان “الحلقة” ولكننا لم نتمكن من الحصول عليها.
رغم أن الأستاذ أكومي نظم العديد من القصائد في مواضع مختلفة، فاسمه لم يرد في الجزء الثاني من كتاب “معلمة الملحون” الذي خصصه العلامة محمد الفاسي رحمه الله ل “تراجم شعراء الملحون” وأورد فيه أسماء 588 شاعرا ما بين القدماء والمعاصرين. فزهده واشتغاله في الظل دون اكتراث بالشهرة والمادة والتوثيق، كما سبق الذكر، لم يكن ليساهم في تسليط الأضواء عليه من طرف وسائل الإعلام المختلفة وإبرازه للعموم بالشكل الذي يستحقه. لكن ما أثار الانتباه هو أن وفاته شكلت حدثا إعلاميا مؤلما، إذ أن جل وسائل الإعلام الوطنية (سمعية، بصرية، مكتوبة، مواقع إلكترونية) اهتمت بها وأخبرت بها. والكثير منها أرفق النعي بالتذكير بسيرة الفقيد ومناقبه وعطاءه الفني الغزير وبشهادات لأشخاص جاوروه.
توفي الأستاذ أكومي صباح يوم الإثنين 5 مارس 2012 على الساعة التاسعة صباحا، ودفن في مقبرة سيدي عمر، تاركا وراءه كنزا لا يفنى من محبة أهل فن الملحون على طول الخريطة الوطنية، وبينهم تلامذته الذين لا يزالون يستحضرون مناقبه وفضله على جيل بأكمله من المولعين بهذا الفن.
+++++
+++++
ملحوظة:
+ لم يكن من الممكن إعداد ورقتنا هذه، عن أحد أهرامات الملحون بالمغرب الشيخ المكناسـي الزاهد أحمد أكومي، لولا المساعدة القيمة التي تلقيناها من نجله الكريم الأستاذ عبد السلام، ومن فنان الملحون الجميل عبد الله الرمضاني. هذه المساعدة عوضتنا عن شح المعلومات الموثقة الخاصة بعلمنا. لهما منا كامل الشكر والتقدير.
+ نرحب بأي معلومة أو معطى من شأنه إغناء هذه الورقة، تنقيحها وحتى تصحيحها إن اقتضى الحال. كما نطلب من كل من يحوز نصا من تأليف الفقيد أن يرجعه لأسرته.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي