أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / سيميائية الكرامة في قصيدة (قيامة فدغم: مطرح الكرامة) لأبي غالب الحميري – معاذ غالب الجحافي

سيميائية الكرامة في قصيدة (قيامة فدغم: مطرح الكرامة) لأبي غالب الحميري – معاذ غالب الجحافي

سيميائية الكرامة في قصيدة (قيامة فدغم: مطرح الكرامة) لأبي غالب الحميري

معاذ غالب الجحافي*

 

الملخص

تقدم هذه القراءة مقاربة سيميائية لقصيدة «قيامة فدغم: مطرح الكرامة» لأبي غالب الحميري، للكشف عن العلامات التي أسهمت في بناء قيمة الكرامة بوصفها المركز الدلالي للنص. وتتوقف عند العنوان والمطلع وتمثيلات الشخصيات الرئيسة؛ فتكشف عن حضور الذات البطولية، والمرأة المستجيرة، والخصم بوصفها علامات تتفاعل لإبراز قيم الوفاء والنصرة ومواجهة انتهاك الحرمات. وتخلص إلى أن الكرامة في القصيدة تتحول إلى نسق قيمي تنتظم حوله حركة الخطاب الشعري.

المقدمة:

تُعدّ القصيدة الشعرية فضاءً تتفاعل فيه العلامات لتشكيل المعنى وإنتاج الدلالة، ولا يقتصر حضورها على المستوى اللغوي المباشر، بل يمتد إلى ما تختزنه من رموز وقيم ورؤى ثقافية. ومن هذا المنطلق تأتي قصيدة «قيامة فدغم: مطرح الكرامة» لأبي غالب الحميري بوصفها نصًا تتجاور فيه علامات البطولة والوفاء والنصرة، لتتأسس حول قيمة مركزية هي الكرامة.

وتسعى هذه القراءة السيميائية إلى الكشف عن آليات تشكل هذه القيمة من خلال تحليل العنوان والمطلع، ورصد العلامات المرتبطة بالذات البطولية، والمرأة المستجيرة، والخصم، بما يبرز البنية الرمزية التي يقوم عليها النص، ويكشف انتقال القصيدة من تسجيل حدث خاص إلى خطاب قيمي يتصل بالإنسان والجماعة.

أولًا: سيمياء العنوان

يتكوّن عنوان القصيدة: (قيامة فدغم: مطرح الكرامة) من وحدتين دلاليتين متكاملتين، ترتبطان بعلاقة تفسيرية؛ تمثل الوحدة الأولى (قيامة فدغم) مركز الفاعل والحركة، بينما تمثل الوحدة الثانية (مطرح الكرامة) الفضاء القيمي الذي تتجسد فيه تلك الحركة.

تأتي مفردة (قيامة) بوصفها علامة على الانبعاث والحركة والتحول، فهي، هنا، لا تُحيل إلى معناها المباشر المرتبط بالبعث والحساب، وإنما تستثمر طاقتها الدلالية لتصوير لحظة النهوض الجماعي وانطلاق القوة الكامنة من حالة السكون إلى حالة الفعل، واستعادة حضور الذات بعد تعرض منظومة القيم للانتهاك. وبهذا تنتقل الكلمة من معناها المعجمي إلى معنى رمزي يعلن بدء فعل المقاومة واستعادة الكرامة.

أما (فدغم) فهو اسم علم، لكنه يتجاوز وظيفته الإحالية إلى وظيفة رمزية، إذ يتحول إلى علامة على الذات البطولية التي تتجمع حولها الجماعة، وتلتف حولها قيم النصرة والوفاء والنجدة. ومن ثم فإن العنوان لا يتحدث عن شخص بقدر ما يؤسس لنموذج ثقافي يمثل القيادة الأخلاقية. وبهذا يتحول (فدغم) إلى مركز تتجمع حوله قيم الجماعة، وهو ما تؤكده بنية القصيدة حين يصبح مصدر الفعل ومحور الاستجابة:

دعا (فدغمٌ) بالأمس دهماً لنصرةٍ

فلباه منهم كلُّ ليثٍ وضيغمِ

ومن ثم فإن تركيب «قيامة فدغم» يحمل دلالة قيام الذات البطولية واستعادة دورها الأخلاقي في مواجهة الخلل الذي أصاب نظام القيم.

وتأتي الوحدة الثانية (مطرح الكرامة) لتحدد الفضاء القيمي الذي تتحرك فيه أحداث القصيدة،

فـ(المطرح) هنا يتحول من موضع مادي إلى مجال رمزي تُختبر فيه معاني الشرف والوفاء والحماية.

أما(الكرامة) بوصفها العلامة المركزية في العنوان؛ فهي القيمة التي تمنح بقية عناصر القصيدة معناها، ومنها العهد، والجوار، والنصرة، والدفاع عن العرض. ولهذا يقترن المكان بها، فيغدو (مطرح الكرامة) فضاءً لاكتساب القيمة وترسيخها، لا مجرد مسرح للأحداث. ويؤكد النص الارتباط بين المكان والكرامة بقوله:

ففي مطرح الريان عهدٌ وموثقٌ

يُخطُّ به مهرُ الكرامة بالدمِ

إذ يتحول المكان إلى شاهد على العهد، وتغدو الكرامة قيمة موثقة بالفعل والتضحية.

وتتجلى قوة العنوان في العلاقة القائمة بين وحدتيه:

قيامة فدغم ← الفاعل والحركة

مطرح الكرامة ← القيمة والفضاء

فالعنوان يجمع بين الفاعل (فدغم)، والحدث (القيامة)، والقيمة (الكرامة)؛ إذ لا معنى لقيامة فدغم إلا بوجود قيمة يسعى إلى استعادتها، ولا معنى لمطرح الكرامة إلا بوجود فعل بطولي يحميها ويجسدها.

وهكذا يكشف العنوان عن البرنامج الدلالي للقصيدة قبل الولوج إلى تفاصيلها النصية؛ إذ يؤسس لمسار حكائي قوامه فعل بطولي تنهض به الذات الفاعلة، غايته استعادة قيمة مركزية هي الكرامة. فالعنوان لا يكتفي بالإخبار عن موضوع القصيدة، بل يختزل حركتها العميقة القائمة على الانتقال من حالة الاختلال والانتهاك إلى حالة الترميم واسترداد القيمة.

ثانيًا: المطلع وعلاقته بإنتاج أفق التلقي

يُعدّ المطلع الشعري من أبرز العتبات النصية التي تسهم في توجيه عملية القراءة، وتؤسس لعلاقة النص بالمتلقي،، فضلًا عن أنه يختزن إشارات دلالية وجمالية تمهد لمسار التأويل، وتنتج لدى المتلقي أفقًا من التوقعات حول القيم والأحداث والشخصيات التي سيكشف عنها النص…،

وقد افتتح الشاعر القصيدة بقوله:

سلي إن جهلتِ الحال يا حرة الدمِ

بني العرب طرًّا عن قيامة فدغمِ

فجاء المطلع في صيغة إنشائية قائمة على فعل الأمر (سلي)، الذي تجاوز وظيفته الطلبية المباشرة إلى وظيفة مجازية استهلالية تستثير انتباه المتلقي، وتدفعه إلى البحث عن حقيقة «الحال» المجهولة. فالشاعر لا يقدم الحدث ابتداءً، وإنما يؤسس لحالة من الترقب والانتظار، وبذلك يشرك المتلقي في عملية بناء المعنى، ويجعله طرفًا فاعلًا في استكشاف الدلالات الكامنة في النص.

بينما جاء النداء في قوله:(يا حُرَّةَ الدمِ) بما يحمل من كثافة رمزية، تتصل بالعزة والشرف والإباء…؛ لتهيئة المتلقي لاستقبال خطاب يتجاوز حدود الحكاية الخاصة إلى فضاء أوسع تتصارع فيه قيم الكرامة والانتهاك.

أما قوله: (بني العرب طرًّا) فينقل الخطاب من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة، فيجعل الحدث موضوعًا عامًا يستدعي الشهادة والاعتراف؛ فتتحول الأمة العربية، هنا، إلى طرف متلقٍّ للخبر، وإلى إطار ثقافي تُقاس من خلاله قيمة الفعل البطولي ومكانته.

وتتجلى القوة الدلالية للمطلع بحضور مفردة (قيامة)، بما تستدعيه منذ البداية من معاني التحول والانبعاث، إذ تفتح أمام المتلقي أفق انتظار لحدث استثنائي يقوم على الانتقال من حالة السكون والاختلال إلى حالة الفعل واستعادة الحضور. . وهنا يتكامل المطلع مع العنوان؛ إذ يعلن عن حركة نهوض تقودها شخصية بطولية غايتها استعادة قيمة مركزية هي الكرامة. ثم ينتقل الشاعر إلى بيان طبيعة الصراع في قوله:

وعن دهمِ الحمراء لا هان جارُها

ولا عاش إلا خصمُها في جهنمِ

حيث تتشكل منذ الاستهلال ثنائية ضدية بين الكرامة والعدوان، والوفاء والخيانة، وهي الثنائية التي ستقود حركة الدلالة في القصيدة كلها.

وعلى هذا الأساس، ينجح المطلع في بناء أفق التلقي؛ إذ يوجه القارئ إلى قراءة النص بوصفه خطابًا عن استعادة الكرامة ونصرة المظلوم، لا بوصفه تسجيلًا لحادثة عابرة، وهو ما يجعل المطلع جزءًا من البنية السيميائية المنتجة للمعنى، لا مجرد مدخل بلاغي للقصيدة.

ثالثًا: سيمياء الكرامة

تمثل الكرامة في القصيدة نسقًا سيميائيًا تنتظم حوله جميع العلامات والأفعال والشخصيات. فهي القيمة العليا التي تُحرِّك البنية السردية للنص، ومنها تنبثق بقية القيم كالوفاء، والنصرة، وحماية الجوار، وصيانة العرض. ولذلك لا يُنتج النص دلالة الكرامة من خلال التصريح بها فحسب، بل من خلال شبكة من العلامات المتضافرة التي تجعلها محورًا دلاليًا للقصيدة.

وتبرز الكرامة منذ الأبيات الأولى في قوله:

تجيبك مجاميع الكرامة والإبى

وحلفٌ به شدّت عرى كل مسلم

فإسناد الإجابة إلى (مجاميع الكرامة) يمنح الكرامة بعدًا جماعيًا، إذ تتحول من صفة فردية إلى هوية مشتركة تتجسد في الجماعة المستجيبة للنداء. كما يستدعي الشاعر حلف الفضول بوصفه رمزًا ثقافيًا للعدل ونصرة المظلوم، فيربط الحدث الراهن بإرث أخلاقي راسخ، فتغدو الكرامة امتدادًا لذاكرة ثقافية لا موقفًا عابرًا.

وتتجسد الكرامة كذلك في صورة العهد، كما في قوله:

ففي مطرح الريان عهدٌ وموثقٌ

يخط به مهر الكرامة بالدم

فالدم، هنا، يتحول إلى علامة توثيق، إذ يصبح وسيلة لإبرام العهد وترسيخ الالتزام الأخلاقي. ومن ثم تغدو الكرامة قيمة لا تُنال إلا بالتضحية، ويتحول الدم إلى وسيط دلالي يربط بين القول والفعل. ثم يربط الشاعر الكرامة بحماية العرض:

وتحمى به الأعراض من كل فاجر

ويحيا به حلف الفضول المكرم

هنا تتحول الكرامة من مفهوم مجرد إلى ممارسة أخلاقية تتجسد في النصرة والوفاء والالتزام.

وتنتقل من المجال الفردي إلى المجال الاجتماعي، وتغدو حماية العرض وصيانة الجوار مظهرين من مظاهرها.

ومن خلال هذا النسق تتشكل شبكة من العلامات المساندة للكرامة، مثل: العهد، والذمة، والجوار، والراية، والدم، والنصرة، في مقابل شبكة مضادة يمثلها الغدر، ونقض العهد، وسلب الدار، وانتهاك الحرمات. ومن تفاعل هذين النسقين تتولد الحركة الدلالية للقصيدة، حيث تغدو الكرامة القيمة المركزية التي تمنح بقية العلامات معناها ووظيفتها.

وبذلك تتجلى قدرة الشاعر في بناء الكرامة بوصفها علامة ثقافية عليا، تتجاوز مدلولها المعجمي إلى نسق قيمي يحكم العلاقات بين الشخصيات، ويوجه مسار الأحداث، ويؤسس للرؤية الأخلاقية التي تقوم عليها القصيدة بأكملها.

رابعًا: سيمياء الذات البطولية (فدغم)

يشكل فدغم المركز السيميائي للشخصيات في القصيدة، ما يجعل منه علامة ثقافية تتكثف فيها قيم القيادة والنجدة والوفاء. ومنذ لحظة ورود اسمه في العنوان، تجاوز دلالته المرجعية إلى دلالة رمزية، ليغدو محورًا تنتظم حوله حركة النص، وتتحدد من خلاله مواقف الشخصيات الأخرى.

ويتجلى ذلك في قوله:

دعا (فدغمٌ) بالأمس دهماً لنصرةٍ

فلباه منهم كلُّ ليثٍ وضيغمِ

تتأسس دلالة فدغم هنا على الفعل؛ فهو لا يوصف بصفات مباشرة، وإنما يُعرَّف من خلال قدرته على المبادرة وإطلاق النداء. ويقابل فعل (دعا) فعل (لبّاه)، فتتشكل علاقة دلالية بين القائد والجماعة، تؤكد أن شرعية القيادة في النص تنبع من الاستجابة الحرة والالتفاف الجماعي، لا من سلطة مفروضة. ويواصل الشاعر بناء هذه الصورة بقوله:

وأصغى له سمع الأباة ولم يزل

بنو سبأ يأتون من كل مهجم

فالاستجابة لا تقتصر على أفراد معدودين، بل تمتد إلى جماعة واسعة توصف بـ(الأباة)، وهي صفة أخلاقية قبل أن تكون وصفًا اجتماعيًا. وهكذا تصبح شخصية فدغم قطبًا جاذبًا، تستدعي حضوره قيم الإباء والشجاعة والانتماء.

وتبلغ الذات البطولية ذروة حضورها في مشهد الاستجارة، حين تلجأ المرأة المظلومة إلى دار ابن فدغم، إذ لم يعد البيت مجرد مسكن، بل أصبح فضاءً للحماية والإنصاف. ومن ثم فإن اللجوء إليه يمثل اعترافًا ضمنيًا بمكانته الأخلاقية في الوعي الجمعي، ويجعل شخصيته تؤدي وظيفة (المنقذ) في البرنامج السردي للقصيدة.

وتختتم القصيدة بتأكيد هذه المكانة في قول الشاعر:

وقولي لمن صان الكرامة واعتزا

إليها؛ أبيت الضيم يا نجل فدغم

فالخطاب هنا لا يتوجه إلى فدغم بصفته الفردية، بل إلى الامتداد الرمزي الذي يمثله (نجل فدغم)، وهو ما يدل على أن البطولة في النص ليست فعلًا عابرًا، وإنما قيمة قابلة للاستمرار والامتداد عبر الأجيال.

وبذلك تتحول شخصية فدغم إلى علامة سيميائية تتجاوز حدود الفرد، لتصبح رمزًا للقيادة الأخلاقية، والوفاء بالعهد، ونصرة المظلوم، وحماية الكرامة. وهذه الرمزية هي التي تمنح الشخصية مركزيتها في البنية الدلالية للقصيدة، وتجعلها المحور الذي تنتظم حوله بقية العلامات والقيم.

خامسًا: سيمياء المرأة المستجيرة

تؤدي المرأة المستجيرة في القصيدة وظيفة سيميائية تتجاوز حدود الشخصية الفردية، إذ تتحول إلى علامة تختزل منظومة من القيم المرتبطة بالعرض، والجوار، والكرامة. فلا يأتي وحضورها يمثل الدافع الذي يحرك الفعل البطولي، ويكشف عن البعد الأخلاقي الذي تنهض عليه القصيدة.

وقبل الحديث عن مشهد الاستجارة، يؤسس للقيمة التي ستقود فعل النصرة بقوله:

ولو لم تكن إلا العزائم وحدها

سلاحًا لأغنت عن رماحٍ وأسهمِ

إذ تتحول العزائم إلى علامة سيميائية تدل على القوة المعنوية، فأصبحت سلاحًا رمزيًا يسبق السلاح المادي، ويمنحه مشروعيته. فالبطولة في النص لا تنبع من امتلاك الرماح والأسهم، وإنما من الإرادة والالتزام الأخلاقي. وبهذا يمهد الشاعر لمشهد الاستجارة، ليؤكد أن النصرة تنطلق أولًا من عزيمة صادقة قبل أن تتحقق بالفعل. وذلك كما في قوله:

بهنَّ استجارتْ من ذوي البغي حرَّةٌ

وماجدةٌ من دوحة المجد تنتمي

حيث جعل الاستجارة بالعزائم الصادقة، التي تغذت بالعزة والكرامة والشرف وأصالة الانتماء، بينما وصف المرأة بوصفين، (حرّة) و(ماجدة)، تجاوزا وظيفة التعريف بالشخصية إلى وظيفة رمزية؛ إذ تحيل الحرية إلى العزة والإباء، بينما يحيل المجد إلى الشرف وأصالة الانتماء، فتغدو المرأة علامة على الكرامة التي تعرضت للانتهاك، لا مجرد شخصية تعرضت لظلم فردي.

ثم يصور الشاعر لحظة لجوئها إلى قبيلة دهم بقوله:

أتت دهماً من ناكثي العهد تشتكي

بعينٍ قروحٍ بل بقلبٍ محطمِ

فالفعل (أتت) يدل على الانتقال من فضاء الظلم إلى فضاء يُنتظر منه الإنصاف، بينما تحيل دهم إلى الجماعة الحاملة لقيم النصرة والجوار، لا إلى مجرد اسم قبيلة. ومن ثم تتحول القبيلة إلى علامة سيميائية على الملاذ الآمن الذي تستعاد فيه الكرامة.

أما (العين القروح والقلب المحطم) فهما علامتان على الأثر النفسي والاجتماعي الذي خلفه الاعتداء، وتكثفان حجم الانتهاك الذي تعرضت له المرأة.

غير أن الشكوى لا تُقدَّم بوصفها ضعفًا، بل بوصفها فعلًا يستدعي منظومة القيم الكامنة في المجتمع. فالاستجارة هنا ليست مجرد طلب حماية، وإنما اختبار أخلاقي لمن يحملون مسؤولية النصرة.

ويبلغ البناء الرمزي ذروته في قوله:

وليس لها إلا ضفيرة شعرِها

لتُلقي بها في وسطِ دارِ ابنِ فدغمِ

في هذا البيت تتحول ضفيرة الشعر من عنصر وصفي إلى علامة ثقافية ذات حمولة رمزية، إذ تحيل في الثقافة العربية إلى الأنوثة والعفة وصيانة العرض. ومن ثم فإن إلقاءها في دار ابن فدغم لا يُفهم بوصفه فعلًا ماديًا فحسب، بل بوصفه فعلًا رمزيًا للاستجارة، تعلن من خلاله المرأة

بلوغها أقصى درجات المظلومية بعد أن سُلبت حقوقها، فلم يبق لها سوى رمز كرامتها تستنهض به قيم النصرة والوفاء.

وفي المقابل، تتجاوز دار ابن فدغم وظيفتها المكانية لتغدو علامة على الحماية والعدل والوفاء بالعهد؛ فهي ليست مجرد موضع تلجأ إليه المرأة، وإنما فضاء رمزي تستعاد فيه الكرامة، ويُنتظر منه ردُّ الاعتبار وإنصاف المظلوم. وبذلك تقيم القصيدة تقابلًا دلاليًا بين فضاءين متعارضين: فضاءٍ انتهكت فيه الحقوق، وفضاءٍ تُصان فيه القيم.

ومن خلال هذا البناء الرمزي تتحول المرأة من شخصية متضررة إلى باعثة للفعل البطولي؛ إذ تصبح استغاثتها المحرك الذي يستنهض الجماعة للدفاع عن الكرامة واستعادة التوازن الأخلاقي. وبذلك تؤدي المرأة وظيفة رمزية مزدوجة؛ فهي تمثل الكرامة المنتهكة من جهة، والدافع إلى استعادتها من جهة أخرى، الأمر الذي يرفع الحدث من واقعة فردية إلى خطاب أخلاقي يحتفي بقيم الوفاء والجوار ونصرة المظلوم.

سادسًا: سيمياء الخصم

يمثل الخصم في القصيدة القطب المضاد للذات البطولية؛ حيث تتجسد فيه منظومة القيم المضادة التي تقوم على الغدر، ونقض العهود، وانتهاك الحرمات. وإذا كانت شخصية فدغم تمثل رمزًا للوفاء والنصرة وصيانة الكرامة، فإن الخصم يغدو علامة سيميائية على اختلال النظام الأخلاقي، وانهيار القيم التي تحفظ تماسك الجماعة.

غير أن الشاعر لا يرسم صورة الخصم من خلال أوصافه الخارجية، وإنما عبر أفعاله التي تكشف عن جوهره القيمي، كما في قوله:

وقد سُلِبتْ دارًا ومالًا وحُرمةً

وصادرها منها اللئيمُ ابنُ علقمِ

في هذا البيت تتجلى الصورة القبيحة للخصم، من خلال أفعاله الإجرامية، التي تدل عليها علامات الانتهاك( السلب، والمصادرة، وانتهاك الحرمة). فضلًا عن أن إسناد جريمة الانتهاك إلى (اللئيم ابن علقم)،يستحضر في الذهن سخصية الوزير بن العلقمي، الذي يعد رمزًا للخيانة والتآمر على الأمة، ويكشف عن الصلة الوثيقة بين علقمي الأمس وعلقمي اليوم، وتفوق الأخير في الخيانة ونكث العهود والمواثيق، وهو ما يتجلى في قول الشاعر:

فأخفرها من لا يفون بذمةٍ

ولا يرقبون الله في عرض مسلمِ

في هذا البيت يتحول الخصم أو (علقمي اليوم) إلى نقيض كامل لقيم الأمة والجماعة،  فهو لا عهد له، ولا وفاء، ولا حرمة عنده. وهذا يمثل أخطر أشكال الانحراف؛ لأن الذمة في الثقافة العربية والإسلامية تمثل عهدًا أخلاقيًا واجتماعيًا، والإخلال بها يعني سقوط الرابطة التي تحفظ تماسك المجتمع،  وهو بهذا الانحراف يقود المجتمع والأمة إلى السقوط. وهذا ما يؤكده قول الشاعر:

وكم سُلبت من قبل ميراء حرةٌ

ومن بعدها والشعب عنهن كالعمي

أي: أن الانحراف الذي يمارسه (علقمي اليوم) لا يمثل حادثة فردية، بل يغدو علامة على نسق من البغي والطغيان والظلم المتكرر.  وتتأكد صورة هذا الانحراف في قوله:

تواصوا على نهب الديار كأنها

أتت منحةً من صيد فيءٍ ومغنمِ

فالفعل (تواصوا) يدل على أن العدوان لم يعد سلوكًا فرديًا عارضًا، بل تحول إلى ممارسة جماعية تقوم على التواطؤ والتنظيم. أما تشبيه الديار بالغنيمة، فيكشف عن انقلاب المنظومة القيمية لدى المعتدين، إذ تُستباح حقوق الآخرين، ويُنظر إليها كما لو كانت غنيمة مشروعة. ومن ثم يرتقي الصراع من مستوى المواجهة بين أفراد إلى مستوى الصراع بين منظومتين قيميّتين متعارضتين: منظومة تقوم على الكرامة والوفاء وصيانة الحقوق، وأخرى تقوم على الظلم والاستباحة ونقض العهود.

وبذلك تتشكل صورة الخصم عبر شبكة من العلامات السلبية، مثل: الغدر، ونقض العهد، والسلب، والظلم، وانتهاك الحرمات، لتغدو هذه العلامات مرآةً عكسية تُبرز قيمة الكرامة، وتكشف مكانتها بوصفها المركز الدلالي الذي تنتظم حوله رؤية القصيدة وبنيتها القيمية

وبهذا، فإن صورة الخصم في القصيدة تُبنى عبر شبكة من العلامات السلبية: الغدر، والسلب، ونقض العهد، والظلم، وانتهاك الحرمات، لتكون مرآة عكسية تكشف قيمة ما تدافع عنه القصيدة: الكرامة بوصفها نظامًا أخلاقيًا يحفظ الإنسان والجماعة.

وفي ختام هذه القراءة يتبين أن الكرامة تمثل المركز الدلالي الذي تنتظم حوله مختلف العلامات والشخصيات والأحداث. فقد أسهم العنوان والمطلع في توجيه أفق التلقي نحو خطاب يقوم على النهوض واستعادة القيمة، بينما جسدت شخصية فدغم الذات البطولية الحاملة لقيم النصرة والوفاء، ومثلت المرأة المستجيرة صورة للكرامة المنتهكة، في حين ظهر الخصم بوصفه علامة على الغدر وانتهاك القيم.

وبذلك تتحول القصيدة من حكاية عن واقعة محددة إلى خطاب رمزي يجعل من الكرامة قيمة عليا ومحورًا للصراع بين منظومتين: منظومة الوفاء والحماية، ومنظومة البغي والاستباحة.

قـيَـامـة فـدغـم: مـطرح الكـرامة!!!

سلـي إن جَهِلتِ الـحَـالَ يـا حُـرَّةَ الـدَّمِ

بـني الـعرْبِ طُـرًا عـن قـيَامـةِ (فدغمِ)

وعــن دَهَــمِ الـحَـمراءِ لا هَـانَ جـارُها

ولا عـــاشَ إلا خـصـمُـها فــي جـهـنَّمِ

تُـجـبـكِ مـجـامـيعُ الـكـرامـةِ والإبــىٰ

وحِـلـفٌ بــه شُــدَّتْ عُـرى كـلِّ مُـسلمِ

فـفــي مـطـرحِ الـرَّيـانِ عـهـدٌ ومـوثقٌ

يُــخَــطُّ بـــه مَــهـرُ الـكـرامَـةِ بــالـدَّمِ

وتُـحمَـىٰ بـه الأعـراضُ مـن كـلِّ فاجـرٍ

ويـحـيا بــه حِـلـفُ الـفُـضُولِ الـمُكرَّمِ

دعــا (فـدغمٌ) بـالأمسِ دهْـمًا لـنصـرةٍ

فـلـبـاهُ مـنـهـم كــلُّ لــيـثٍ وضَـيـغـمِ

وأصَـغـى لــه سـمـعُ الأبــاةِ ولـم يـزلْ

بـنـوا سَـبـأٍ يـأتُـونَ مــن كــلِّ مـهـجَمِ

سِـراعًـا إلــى داعـيـهِ مــن كـلِّ فَـدفَـدٍ

كــأنَّـهـم سِــربُ الــجــراد ِ الـمُـخـيِّمِ

يَـجولونَ فـي الـهيجَـاءِ مـن كلِّ أصيَـدٍ

جــسُــورٍ وحـــرٍ يــافِـعٍ أو مُـخـضـرمِ

وفــوقَ الـمَـطايا الـسـابحاتِ قَـواذفٌ

مـتـى نَـطقتْ أصـغى لـها كـلُّ مُـجرمِ

وفــي كـفِّـهم مــن قـادحِ الـنَّار والـفَنا

حُـتـوفُ الـمـنايا والـحَصادُ الـجهنَّمـي

تـخـالهمُ مــن زحـفـهمْ حـيـن أقـبـلوا

كـإعـصـارِ رَمْــلٍ أو كـسـيـلٍ عَــرمــرَمِ

ومـا هَـرعُـوا فـي شـدة الـحَـرِّ واللظـى

لـغـنْـمٌ وحَــاشَـا بـــل لــثَـأرٍ ومَــغـرمِ

لــهـم رايـــةٌ مَــوتُـورةٌ مــن عـدُوهـمْ

تــلــوحُ وتُــنـبـي بــالــزَّوالِ الـمـحـتَّمِ

تُـنـاطـحُ هـامـاتِ الـنـجـومِ ونـصـلُـها

يــنـوءُ عــلـى زنـــدٍ وكـــفٍّ ومِـعـصمِ

ولــو لـــم تَـكـنْ إلا الـعَـزائمُ وحـدَهـا

سـلاحًـا لاغـنـتْ عــن رمــاحٍ وأسـهـمِ

بـهنَّ اسـتجارتْ مـن ذوي البغي حـرَّةٌ

ومـاجِـدةٌ مــن دوحـةِ الـمجدِ تَـنتَمي

أتَـتْ دهَـمًا مـن نـاكثي الـعهدِ تشتكي

بـعـيـنٍ قَـرُوحٍ بـل بـقــلـبٍ مُـحـطَّـمِ

ولـيــس لــهــا إلا ظَـفِـيـرةُ شَـعـرِهـا

لـتُلقـي بها فـي وسْطِ دارِ (ابنِ فدغَمِ)

فـما خَـاب فـي الـشيخِ الـمظفرِ ظـنُها

كـما خـاب فـي زيـدٍ وعـمروٍ وحُصـرُم

وكـان لـهـا نـعـمَ الـنـصيـرُ ولــم يــزلْ

لـنـجـدتِـها بـالـمـالِ والــرُّوحِ والـــدَّمِ

عــزيـزةُ قــومٍ غَـاب عـنـها مُـجـيـرُها

وأسـلـمَـها صِــرفُ الــزمـانِ الـمُـصَرَّمِ

وقـــد سُـلِـبَـتْ دارًا ومـــالًا وحُــرمَـةً

وصَـادرَهـا مـنـها الـلئيمُ (ابـنُ عَـلقَمِ)

وكـــان لــهــا مــنَّــا جِـــوارٌ وذمــــةٌ

مــؤكـدةٌ مـــن كــلِّ عـــادٍ وتـحـتَمي

فــأخـفَـرهـا مَــن لا يَــفُــون بــذمــةٍ

ولا يَـرقُـبونَ الـلَّـهَ فـي عـرضِ مُـسلـمِ

ومـا كـانَ سـلـبُ الـدارِ عـن غـيـرِ عادةٍ

ولـكـنـه نـهــجٌ الـفُسـوقِ الـمُــعـمَّـمِ

فـكـم سُـلـبتْ مِــن قـبلِ مِـيراءِ حــرةٌ

ومـن بـعدِها والـشعبُ عـنهنَّ كالعَمِي

وكـم رضـعُـوا خـفـرَ الـذمـامِ وأوغَـلُوا

بـعـدوانِهم فـــي كــلِّ فــعـلٍ مـحـرَّمِ

تَــواصَـوا عـلـى نَـهــبِ الـدِّيـارِ كـأنَّـها

أتَــتْ مِـنحَةً مـن صـيدِ فـيءٍ ومَـغنـمِ

ومـــا بَـقِـيـتْ دارُ الـسـعيدةِ كـاسـمِها

ولـكـن غــدَتْ فـي عـهدِهِم دارَ مـأتمِ

ومــدَّوا لـهـا مــن حـقـدِهِم كـفَّ آبـقٍ

جَـحُـودٍ وقــد مــدّتْ لـهُم كـفَّ مُـنعمِ

وكـم رسَـمُوا فـي كـلِّ وجـهٍ من العَـنَـا

كُـلُـوحًا مــن الــلأوَىٰ مـكـانَ الـتَّـبسُّمِ

وأضحى كـريمُ القومِ فـي ظلِّ حكمِهمْ

مُـهَـانًـا وربُّ الـجـهـلِ فـوقَ الـمُـعـلمِ

جَــزَوهــا جَـــزاءَ الـسِّـنِـمَّـارِ ويـلَـهـمْ

وسـحقًا لـهم مـن مـوجِ بحـرٍ غَطَمطَمِ

وغَـضـبَةِ شَـعـبٍ مُـشـرئبٍ لـسـحقِهم

ويـــومِ نِــزالٍ عَـابـسِ الـوجـهِ مُـقـتِـمِ

ولا بــدَّ مــن ذاك الـمـصيـرِ لـيـشربـوا

مـن الـموتِ كـأسًا مُـرةَ الـطعمِ عَـلقمِ

وتُـسرجُ خـيلُ الـنصرِ مـن بـعدِ حقـبةٍ

مــن الـظلمِ والليلِ الـبهيمِ الـمُطلسمِ

فـشـدّي ركــابَ الـعـزمِ يـا رايـةَ الإبـىٰ

إلى دارِ سَـامٍ واجمعـي الرأيَ واحـزمي

وقُـولـي لـمـن صَـانَ الـكرامة واعـتَـزا

إلـيها؛ أبَـيْـتَ الـضَّيمَ يـا (نَجلَ فَدغمِ)

 

كاتب من

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً