الرئيسية / الأعداد / قراءة نقديّة في ديوان فيروز مخّول: “المرأة التي أسكنها” – دورين نصر

قراءة نقديّة في ديوان فيروز مخّول: “المرأة التي أسكنها” – دورين نصر

قراءة نقديّة في ديوان فيروز مخّول: “المرأة التي أسكنها”
دورين نصر*

خَرْقُ الحدود وكَسْرُ القيود

تسعى فيروز مخّول في ديوانها “المرأة التي أسكنها” إلى خرق الحدود وكسر القيود. تجعل المتلقّي متفلّتًا من الرّتابة، تائهًا في رحاب المعنى، تُسكِره القصيدة، فينتشي بما تقدّمه على مائدتها. يلتقيها في عتمة غامضة تجمعه بخفايا إنسانيّته كما بالآخرين. إنّه “لقاء مَن يجدّد اللّغة إذ يستعملها، لا مَن يكتفي بأن تستعمله اللّغة، في نماذجها وصيغها المستقرّة، فيما يظنّ أنّه يكتبها”( ).
شغف الحياة يظهر في الكتابة، قلق الوجود يتنفّس في النّصّ، جرح الوطن ينزف متخفّيًا في مواكب الجمل، في ديوان تنطوي قصائده على تجربة تستغرق الحلم، والوعي العميق للذّات بذاتها وبالآخر، كما أنّها تقيم علاقة بنيويّة بين الذّات الشّاعرة وقوانين البنية والتّشكيل الشّعريّ، فتتصارع الرّؤى داخل عوالم وفضاءات جماليّة ترسمها اللّغة وتزيّنها الصّورة الشّعريّة.
الأفق الجماليّ يؤطّر المخيّلة الشّعريّة للكاتبة ويجعلها في مراقبة مستمرّة لما تكتب، وفي مساءلة نقديّة عن الأسباب الدّافعة لفعل الكتابة، والأثر النّاتج من ورائها، تقول في المقدّمة: “قالت ذات يوم أكتب كي أحرّر نفسي من اللّغة وأنطلق نحو الشّعر، الآن أكتب كي أبرهن على وجودي في هذا العالم، أكتب كي أجبر الزّمن على التّسرّب من كلّ الجهات”.
في الواقع، القصيدة ليست أكثر من محاولة تبلور مثاليّ لتجربة ما، تمثّل حياة مضنية شاقّة، وتتطلّب سنوات من التّفكير والمران.
والأمر في الواقع قائم على الاختيار والاختبار، يضعهما الشّاعر-النّاقد في مخياله الشّعريّ وأفقه الجماليّ، عبر تشكيل رمزيّ وبناء لغويّ متماسك تتكامل فيه الرّؤية الفنّيّة مع المرايا النّقديّة التي يرى من خلالها الشّاعر مآل تجربته، وأهمّ العتبات والمحطّات التي ينبغي له أن يتدرّج عليها داخل متنه الشّعريّ، وفتح فرص جديدة للتّجريب الشّعريّ، وجعل النّصّ الشّعريّ متعدّد الخطابات.
ولو أحصينا الضّمائر الموظّفة في نصوص فيروز مخّول الشّعريّة لتبيّن لنا أنّها تمتاز بالحضور البارز لضمير المتكلّم “أنا”. ويُعدّ هذا الضّمير ضميرًا حيًّا يتحرّك ويتكلّم في النّصّ. وقد تجلّت هذه الأنا من خلال مؤشّرات مشتركة داخل كلّ قصيدة تدلّ على شخص المتلفّظ كضمير المتكلّم وما يحيل عليه.
تقول فيروز في قصيدة “المرأة التي أسكنها”:
“حينما أكتب عنك يتحوّل الحبرُ إلى سماء
وتنام في الغزل القصيدة”.
“أرمي للبحر أشرعتي
أتحوّل موجة تعانق المدّ والجزرَ
لا أشبه كلَّ النّساء
المرأة التي تسكُنني
حوريّة
تقيم في أعالي البحار”.

 

يشير هذا النّصّ إلى انفتاح نوعيّ على مكامن النّفس الإنسانيّة، ويقدّم فرصًا للائتلاف في توليفة متميّزة، فتتحوّل المرأة المقيمة في أعماقها إلى حوريّة تَسكن في أعالي البحار. تسعى الشّاعرة من خلال هذا المقطع إلى إحداث صدمة عند المتلقّي جاعلة من قصيدتها نصًّا قابلًا للتّذوّق والتّجاوب اللّحظيّ.
والجدير بالذّكر أنّ استخدام فيروز مخّول لهذا الضّمير بوفرة يدلّ على أنّه يمثّل جزءًا من التّواصل الدّاخليّ للنّصّ. وتتوزّع الأدوار بين مختلف الضّمائر، فهناك مَن يتكلّم، وهناك مَن يتلقّى، وهناك مَن تتكلّم عنه. فيمثّل بالتّالي استخدام الضّمائر في النّصّ عنصرًا أساسيًّا من مكوّنات البناء النّصّيّ. والأصوات الثّلاثة (أنا، أنتَ، هو) لا تمثّل قيمة تعبيريّة أو جماليّة تظلّ ملازمة للضّمير في كلّ مرّة يُستخدم فيها، وإنّما تتّحد الوظيفتان التّعبيريّة والجماليّة لاستخدام أيّ صوت من هذه الأصوات الثّلاثة، وفقًا للموضوع الذي تَرِدُ فيه.
وعليه، تكون فاعليّة ضمير المتكلّم وثيقة الصّلة بفاعليّة الأنا الشّعريّة، كون النّصوص المسرودة بضمير المتكلّم تتّخذ طابعًا شخصيًّا، وفي بعض الأحيان تحليليًّا. لاحظوا معي كيف يتواتر هذا الضّمير في مختلف القصائد، ويتكرّر بشكله المنفصل (الأنا) وبهيئته المستترة.
لقد استلَلت بعض المقتطفات من القصائد، على سبيل المثال ورد في قصيدة “تبّت يد اغترابي”:
“أنا المفتونة بالتقاط البهجة
من ذاكرة الفصول
أغمز للرّبيع…
متى شاءت فراشاتي
يلبّي النّداء رعشة البنفسج
أنا الشّغوفة…
أنا الغانِمة من كلّ حبٍّ إكليلَ غار…
وطوقَ ياسمين”.
وجاء في قصيدة “حالة حرجة”:
“وأنا أشعر بحرقةٍ في قدمَي الإنسانيّة
أصابعي تحبو بقلقٍ تبحث عن يد دافئة
كم أكره البقاء طويلًا في انتظار فكرةٍ
أو رجلٍ
أو نصّ نثريّ مثير”.
وفي قصيدة “أنا بخير يا أبتِ” تقول:
“جلستُ وقلبي
نرتشف الأخبارَ بفنجان قهوةٍ”…
وجاء في قصيدة “علّمني كيف أغنّي”:
“بين أضلعي تغفو مدينةٌ
تتساقطُ الشّرفات الحزينةُ
لماذا أغنيتي خرساء؟
مدينتي بلا أسوار؟
بيتي يبكي… واللّيلُ زوابعُ”.
وفي قصيدة “ثقب في الرّوح”، تقول:
“وأنا أغازلُ صهيلَ الانتظار
كلّما لاحَت بارقةُ قرار
أغادر شوارع لا تعرفني
أترقّب اغتسالَ النّهر
من ضجيج الأمنيات”.
في الواقع، لا تكاد تخلو قصيدة من حضور ضمير المتكلّم، فأنا المتكلّم تتحوّل إلى أنا النّصّ، وهي أنا جديدة تكتسب هويّتَها في بنية تشكّلها وتكوينها داخل النّصّ. فهذه الذّات صنعتها الشّاعرة لتعبّر عن تجربة حياتيّة تحكيها الكلمات، أو هي ذات أخرى لفيروز مخّول لا تستطيع أن تكشف عن نفسها إلّا بواسطة اللّغة ومضمونها. ما يدفعنا إلى التّساؤل: كيف تستطيع هذه الذّات أن تحافظ على حضورها، وليس لديها أيّة وسيلة لتحقيق وجودها سوى اللّجوء إلى اللّغة؟ وذلك بغية خلق واقع مغاير يوازي الواقع الرّاهن الذي تعيش فيه، سوى استخدامها لضمير “أنا” وتكراره بشكل ملحوظ في محاولة من أجل الخروج من المأزق النّفسيّ الدّاخليّ، وتخفيف الضّغط الخارجيّ.
هذه الأنا الفيروزيّة هي النّفس التّوّاقة إلى ماضيها وطفولتها، هي الأنا القلقة التي تشعر بالغربة. هي الحبّ والشّوق والرّغبة والموت. هي نفسها، وأهلها، ومجتمعها، ووطنها المجروح. هي الضّعيفة، والمتألّمة، والحزينة، والثّائرة. فسيطرت بالتّالي الرّؤية الدّاخليّة للشّاعرة على الصّورة الشّعريّة، فبدت الصّور ذات وجود نفسيّ داخليّ تحرص على الدّاخل أكثر من حرصها على العلاقات الخارجيّة. بالتّالي، يتشكّل فعل الكتابة بما يُحدث من انقلاب داخل الأنا التي تتحاور مع ذاتها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأنا في النّصّ ترسل قولًا صوب المخاطب كون لغة الخطاب الأدبيّ الشّعريّ تسعى إلى خلق لغة خاصّة داخل اللّغة، بحيث تصبح الكلمة إشارة حرّة تنتقل في خيال المتلقّي من دون قيود دلاليّة مسبقة، لأنّ هدفها إثارة انفعال لا تقرير وقائع.
ويتمثّل حضور المخاطب في ضمير الاتّصال الكاف المنتشر أحيانًا بالتّوازي مع ضمير المتكلّم (إليكَ، رائحتكَ، عطركَ، عنكَ، أنفاسكَ، صوتكَ، وجهكَ، كفّيكَ، صباحكَ، قصيدتكَ، تناديكَ، فداكَ، عينيكَ، أخبركَ، غيابكَ، ملامحكَ، وغيرها…).
النّصوص لا تذكر اسم المخاطب الذي يظهر بعدّة صور (الحبيب، الوطن، الكاهن). وهذا الحبيب، على الرّغم من حضوره على المستوى النّصّيّ عبر ضمير المخاطب، يبدو غائبًا على مستوى واقع التّكلّم، أمّا هويّة الاسم فتبقى غير محدّدة وتحتاج إلى توضيح.
والمتتبّع لخطاب فيروز الشّعريّ يجد أنّ التّلفّظ تتوجّه فيه الذّات المتكلّمة إلى غيرها، فلا تكاد قصيدة تخلو من ضمير المخاطب، لأنّ هذه الذّات تعاني الشّعور بالوحدة والبؤس إلى درجة الضّياع، لذا تبحث عن شريك تتقاسم معه همومها وأحزانها.
تقول في قصيدة “تبّت يدُ اغترابي”:
“من أنا حين يغادرني وجهك؟
قلاعٌ من غبار
تمضغ خضرة أيّامي”.
وتردف قائلة في قصيدة “أنا بخير يا أبتِ” ما يلي:
“فهل لا زلتَ تصدّق يا أبتِ!… أنّني لستُ بخيرٍ؟”.
وجاء في قصيدة “خارج أجسادنا”:
“لا تبلّل عطشي بصمتكَ”.
وتتوسّل الذّات المتكلّمة إلى أمّها في قصيدة “لا تخافي يا أمّي”:
“أنا هنا يا أمّي… أنتظرك وأعرف أنّك لن تأتي
أنتظرك وأعرف أنّكِ معي
أنا ابنتك… يا أمّي…”.
وتتحوّل الأمّ في نهاية النّصّ إلى بلاد، فتقول:
“أحبّك يا بلادي القاسية،
أنا ابنتك يا بلادي…”.
وفي قصيدة “لا بكاء بعد الآن” تقول:
“يا أمّي
ارقصي واكتبي فوق النّافذة…
قولي للشيّطان أن يمزّق قلبي”.
على الرّغم من تعيين الأمّ والبلاد، يبقى الحضور القويّ للذّات. فالأمّ غائبة إذ تقول الشّاعرة: “أعرف أنّك لن تأتي”.
إذا قمنا بمعاينة الأمثلة المنتقاة من القصائد في ما يخصّ المخاطب غير الإنسانيّ، نلاحظ أنّ الذّات المتكلّمة تتوجّه إلى الوطن، وإلى الطّفولة (ناداني صوتُ طفولتي: عودي).
فتحشد الذّات المتكلّمة صورًا مختلفة متعلّقة بالوطن، أذكر على سبيل المثال: “في مسالك الصّباح… المُثقل بآهات الوطن… أريد وطنًا/ وأنت تعبر خلف حدودك، تأكّد أنّ المسافة ستخنقك/ تذكّر، ما فاتك من بؤس، تسيء الظّنّ في هذا الوطن المنكوب وتمضي، هذا الوطن الذي اسودّت شرفاته ونبتت في أمكنته مقابر…).
من خلال صيغة المتكلّم التّخاطبيّة، تتفجّر لدى الذّات مشاعر الغضب والقهر والسّخط والحزن، فيعلو الصّوت الأنثويّ الصّارخ ضدّ الظّلم، فيكون تارة على شكل نبرة تمرّديّة، وطورًا على شكل استجداء من الذّات المتكلّمة إلى المتلقّي.
في الواقع، إنّ مساءلة النّصّ الشّعريّ لأركانه الأساسيّة (اللّغة والصّورة والإيقاع) كفيلة بتحديد النّسق الخفيّ في عمليّة الإبداع في نصوص المجموعة الشّعريّة، وكفيلة بفتح آفاق جديدة للكتابة الحداثيّة، إذ من الممكن فتح المجال وترك العنان لمجازات القصيدة في إحداث حالات الانتظام الدّاخليّ في القصيدة ذاتها، وتقريب الصّور والاستعارات بعضها إلى بعض. هذا الانفتاح هو شرط المتعة الجماليّة وشرط تشييد المعنى. تقول الشّاعرة في قصيدة “ما من صرخة”:
“ما من صرخة…
تُقرئك مشاعلَ حنيني
قبل أن تجرح كفّي القصيدةُ
وتقوّسني أصابعُ الزّمن
قبل أن يجزّ اللّيل
آخر خصلة لأحلام القمر”.
كما تتحدّث الشّاعرة عن قصيدة لم تكتب وكأنّها تحيلنا إلى قضيّة تلقّي الشّعر وتدبّر القصيدة، وكيفيّة إنتاج قراءة واصفة لها، عبر ملامسة خيوطها الدّقيقة ومساراتها الرّفيعة، ما يستوجب عدّة معرفيّة ونقديّة تكون قادرة على فهم معانيها، وإظهار العلاقة الجدليّة بين النّصّ (القصيدة) والمتلقّي.
وعليه، فإنّ قصائد المجموعة تجسّد الطّموح الحداثيّ والتّجريبيّ في عالم القصيدة. كما تتجلّى أحيانًا الرّؤية النّقديّة للكتابة الميتاشعريّة في القصيدة العربيّة. وقد بدت اللّغة الشّعريّة في المقام الأوّل لغة شخصيّة تستدعي العالم الخارجيّ إلى داخلها. وقد نسج الحزن الخيوط المتناثرة من المشاعر والأحاسيس. فترافق هذا الشّعور مع مختلف المضامين إذ رأينا الذّات المتكلّمة حزينة في علاقتها مع الحبيب والأمّ والوطن. فازدحمت الأفكار وهي بصدد بلوغ المقاصد في مفارقة استطاعت أن تنتزع من المتلقّي صرخة الدّهشة الممزوجة بالألم العميق.

 

كاتبة من لبنان

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً