الثقافة المعارفتية … الخطأ القاتل
يوسف بخوثة*
راودنا السؤال منذ البداية: ما هو حال الثقافة بالبلد؟ تريثنا في الجواب والحكم، فتأملنا الواقع وحال الملتقيات والندوات والمهرجانات والجلسات الثقافية. زرنا المكتبات، وحملنا الأشرطة الموسيقية والأفلام والمسرحيات وكتب PDF من الانترنيت مجانا، فلاحظنا وخلصنا بأن واقع الثقافة هو فراغ ونفاق وتحابي وعهر وبداية أمل جديد.
خلصنا أيضا بعد كل هذا بأن الأمر يبدأ بالكتاب، الذي هو بداية كل الطرق، فما حال هذا الكائن في واقعنا اليوم؟
وجدناه هو الآخر يصارع من أجل البقاء وفي اتجاهات ونواحي عدة، يتجول بين أيادي المعارف والأقارب والأصدقاء وحفلات التوقيع، في حين يختفي من رفوف المكتبات مكانه الأصلي، يتبرع به صاحبه لجمعيات الادعاء الثقافي، أو يهديه طواعية وإحراجا للمعارف والأقارب مجانا. يضيع فيه بين أصابع النسيان ورفوف النفاق. فكان لزاما أن نطرح سؤالين اثنين في هذه الظاهرة الجديدة على الحقل الثقافي بالبلد.
هل إهداء الكتب من طرف أصاحبها للقراء والمعارف أمرا صحيا؟ أم أنه يضر بالكاتب والكتاب؟ وهل حفلات التوقيع تقوم بدوها المنوط، وهو التعريف بالكتاب والحث على القراءة؟ أم أنها أصبحت محطات للبهرجة والنفاق الثقافي؟
طرحنا السؤالين على كتاب ومثقفين وقراء لعلها تكتمل الصورة لدينا ونزيل اللبس عن الموضوع.
الثقافة والتفاهة بالبلد
في زمن العبث والتفاهة والتشجيع على الميوعة، غدا البحث عن كل ما هو ثقافي، فني، إبداعي داخل هذا العفن أمرا مستعصيا وشبه مستحيلا، في وسط يغلب عليه الفوضى التامة، ويتداخل كل ما هو ثقافي وما هو سياسي اقتصادي وإعلامي، فيعطينا صورة مشروخة للاثقافة ولافن ولاإبداع، يشبهه البعض بعصر الانحطاط الذي ساد الوسط الأدبي العربي في القرن التاسع عشر. والمغرب لا يتجزأ من المنظومة العربية طبعا. ففي هذا الشأن يقول الدكتور والشاعر أحمد الصمدي ضمن حوار أجريناه معه سالفا: “صحيح قد يحس المتابع للمشهد الثقافي العربي وللمشهد الأدبي خاصة أن هناك تراجعا هنا وضمورا هناك.. وإسفافا في غير قليل من الأحيان، وهذا يتصل بالقيمة الاعتبارية للثقافة والأدب، كما يتصل بالصورة التي يقدمها المثقف نفسه عن الثقافة..”
رغم أن الشاعر أحمد الصمدي لم يصل إلى حد الاعتراف بأن العصر عصر انحطاط لأسباب علمية وأكاديمية تقتضي البحث والتمحيص، جاعلا الأمل في الجيل الصاعد الغيور على الثقافة والأدب لحمل المشعل من جديد، وبعث قيم وأسس منظومة ثقافية جديدة.
عكس ذلك يرى الفنان طارق باطما أن الوضع الثقافي بالبلد أشبه ببيوت الدعارة، حيث يعني بالمظهر ويتجاهل الجوهر، ففي حوار مطول أجريانه معه يرجئ هذا لثقافة الاستهلاك الفني والثقافي للمتلقي، مقارنا هذا بثقافة السندويش: “يكفي أن الكتاب والألبوم وكل الإبداع تستهلك من فئة قليلة جدا، أود القول في هذا الصدد أن ألبوم بـ 18 درهم مثله مثل وجبة سريعة (بانيني)، هذا يعني أن المشكل المطروح هو الفرق الثقافي وحب الاستهلاك الفني بشتى أنواعه، وخير دليل على ذلك سياسة المهرجانات في المغرب وهذا هو المقصد”.

في حين ترى القارئة وفاء الحنكاري أن مشكل القراءة والثقافة بصفة عامة يعود أساسا لارتفاع ثمن المنتوج الثقافي مقارنة بالدخل اليومي للمواطن المغربي، إذ تجيب على سؤالنا: هل إهداء الكتاب من طرف أصاحبها أمر صحي؟ ” أظن أن ما يمكن أن يشجع القراءة هو وضع ثمن مناسب وليس الإهداء”
مثقفون، كتاب وقراء يشخصون حالة الثقافة بالبلد والقراءة، هذه الأخيرة التي ترتبط بعدة عوامل تساهم بالسلب أو الإيجاب في انتشارها وتوسعها.
الناشر في واد والمنشور في واد آخر
علاقة الكتاب والناشرين هي علاقة ربحية محضة، في غياب المؤسسات الراعية الداعمة للشأن الثقافي بالبلد، باستثناء بعض العناوين التي تدعمها وزارة الثقافة من سنة إلى أخرى، تبقى دور النشر في مواجهة مباشرة مع الكتاب الذين يريدون نشر أعمالهم، إذ تتعامل معهم بمنطق الربح المادي فقط، إذ يكون الكاتب ملزما أن يدفع مستحقات الطبع من ماله الخاص، أو يبحث عن راعي وداعم لمنتوجه الثقافي، على أن يتحمل مصاريف كل من النشر والتوزيع أيضا، لأن هذا القطاع غير مهيكل بالكامل، في غياب تنسيق وسياسة ثقافية بالبلد -باستثناء بعض دور النشر التي تحترم العمل الذي تقوم به- وبالتالي هي ليست مسؤولة لا على المحتوى، ولا على التوزيع ولا على الربح أو الخسارة، ولا على أزمة القراءة حتى. فهي تطبع وتأخذ مستحقاتها من جيب الكاتب، كل ما تفعله سوى إدراج اسم المطبعة وعنوانها في غلاف المنشور. والكاتب هو من يتحمل توزيع ونشر كتابه الجديد. وبالتالي لا تعطي بالا لا لإهداء الكتاب من طرف صاحبه مجانا للقراء والمعارف، ولا لحفلات التوقيع التي تعرف بالمنشور وبدار النشر هذه. ليس كدور النشر في البلدان المتقدمة التي تحترم عملها، حيث تقوم دار النشر هذه باستقطاب العمل وتعمل على طبعة في أحسن صورة، وكذا تسويقه مقابل نسبة مئوية من المنتوج الإبداعي أو العلمي، مع حصة خالصة منه (المنتوج) للكاتب يتصرف فيها كيفما يشاء، تكون محترمة للعقد المبرم مع دار النشر هذه، وما حفلات التوقيع إلا في خدمة لهذا المنتوج والتعريف به.

إهداء الكتب من طرف أصحابها.. البحث عن النفاق الثقافي
في هذا الصدد يقول الدكتور والصحفي المهني محمد الزوهري: “بالنسبة لإهداء الكتاب من طرف مؤلفه لبعض قرائه، يعتبر من التقاليد الأدبية والفكرية المتعارف عليها بالمغرب، قبل أن تنتقل إلى العالم العربي. وفي اعتقادي ليس هناك أي عيب في هذا الأمر، أو تأثير على مبيعات الكتاب، ما دام أن الكتب المهداة من طرف الكاتب تكون معدودة، وفي الاحتفاء العام بالإصدار الجديد… لكن ما يدعو للخجل أحيانا في هذا السياق، أن بعض القراء، ومنهم من لا علاقة له بالقراءة، يلح على الحصول على نسخة الكتاب إلى حد الإسفاف والميوعة، ما يضع المؤلف في موقف محرج…”.
نفس الطرح ذهب فيه الدكتور والشاعر أحمد الصمدي: “تبقى مسألة الإهداء مرتبطة بحرية المؤلف، وبطبيعة التعاقد الموجود بينه وبين الناشر، إن لم يكن المؤلف هو الناشر نفسه، والمتحمل لسائر النفقات. لكن أهم ما يشغل أي مؤلف – في رأيي على الأقل – هو أن يصل كتابه إلى أوسع جمهور من القراء، ليتواصلوا معه ويتفاعلوا. وبعد ذلك مرحبا بالرأي والنقد.”
عكس هذا كتب الخضر التهامي الورياشي الكاتب والكتبي في مقال له على صفحته على الفيسبوك تحت عنوان “حفلات توقيع كتب عارية”: ” اليوم صرْنا نسمع ونشاهدُ حفلات توقيع كتب عاريةً.. وإهداءَات كتب فارغةً.. ولا نقرأ نقداً أو سجالاً أو محاورة أو مساورةً أو رأيا مضاداً.. فقط صُورٌ في (الفيسبوك)!”
إلى أبعد من هذا قال الكاريكاتوريست عبد الغني الدهدوه في هذا الصدد: “هناك مقولة تدور على الألسن في الوسط الثقافي مفادها أن الكتاب الذي يهدى لا يقرأ (غالبا)! ونحن عموما في مجتمع لا يقرأ سوى المعوذتين حين نكون في مكان مقفر أو مظلم ونخاف فيه من خروج لعفريت محتمل…! لذلك أنا مع طرح الكتاب في السوق ونبذه من الذاكرة، تماما مثلما تفعل السلحفاة مع بيضها فهي تضعهم في حفرة وتهيل التراب تم تنسى الأمر…! الكتاب سيجد قارئه اللبيب والجاد بهذه الطريقة أفضل من أن نستعطف شخصا ونطلب منه بذل مجهود القراءة في كتاب لم يختره، بل فرضناه عليه بحكم رابط الصداقة أو القرابة.. هذه العملية لا جدوى منها..”.
كما أن القارئة وفاء الحنكاري تقول هنا ردا على سؤال إهداء الكتب وحفلات التوقيع: “لا أظنها صحية، على الأقل ليس حين صدور الكتاب مباشرة، لأنه لو علم أنه سيهدي الكتب مجانا، لن يشتري أحد كتابه وسينتظرون الإهداء.. ربما بعد أن تشتهر الرواية نعم.. أن يقوم الكاتب بشئ من هذا النوع ففي الغرب يقومون بذلك ويسمى (giveaway) وتكون نسخ محدودة جدا.”
رأيين مختلفين في الأمر إذن، فهناك من يعتبر إهداء الكتاب من طرف صاحبها أمرا مستحبا إن كان ذلك لا يضر بالكتاب والكاتب، وهنا نقصد من يطبع في دور نشر محترمة تحترم وتقدر الأمر، وتعطي الكاتب حصته الخالصة من المنتوج الثقافي، يتصرف فيها بحرية وفي إطار محترم. لكن هناك دور لا يهمها إلا الربح المادي من كل عملية نشر جديدة، فهي تساومك (الكاتب) عن القيمة المادية للبضاعة التي ترجوها، أو بالأحرى الكتاب الذي ستطبعه لك، بدون قراءة أو حتى تصفيف مهني. فهي ستقوم بخدمة الطبع وإعطائك الحصة كاملة تتصرف فيها كما تشاء، لتجد نفسك أمام بضاعة مكدسة في ركن ما، مما يضطرك إلى إخراجها كي لا تفسد. ومن هنا تأتي ظاهرة حفلات التوقيع وعملية إهداء الكتب، واستعطاف القراءات والتحليلات من قراء مبتدئين وصحفيين مرتزقين في منتوج يرفضه الكل.
الظاهرة التي تقول عنها الكاتبة سلمى: “أنها ثقافة إتكالية لا تخدم الكتاب ولا الكاتب ولا القراءة من قريب أو بعيد.”
حفلات التوقع عند جمعيات ومجمعات الإدعاء الثقافي
أفصحت لي صديقة كاتبة يوما أنها تعرضت للنصب ولأمور غريبة في ما يمسى بحفلات التوقيع، إذ أنها طلبت منها يوما جمعية أن توقع كتابها الجديد في إحدى المقرات التي اعتمدتها الجمعية، على أساس أن تتبرع هي (الكاتبة) بقدر محترم نسخا من إصدراها الجديد، والذي تحملت فيه تكلفة جميع مراحل النشر، من طبع وتوزيع ذاتي، ومع ذلك وافقت تقول الكاتبة في سبيل تشجيع القراءة. وفعلا أعطت الكمية المتفق عليها للجمعية المذكورة، لكن لم تتلقى أية دعوة أو إخبار بتاريخ النشاط الذي سيتضمن حفل توقيع الكتاب -الذي هو كتابها الجديد- إلى حد الآن، رغم مرور أكثر من سنتين على الواقعة، رغم الاتصالات والمبررات الواهية، لتخلص في الأخير أنها تعرضت لعملية نصب (ثقافي).
تضيف لحديثها حادثة أخرى أكثر غرابة من الأولى، حيث اتصل بها شخص مدعيا نشاطه في جمعية تعنى بالشأن الثقافي تقول الكاتبة، ويود تنظيم حفل توقيع يهم نفس الإصدار.. وحين التقته مارس نفس النوع من الادعاء الثقافي، طلب بإلحاح أن تتبرع بنسخ من الكتاب دون مقابل.. والأخطر من هذا، طالبها بثمن التوصيل والتنقل.. فقررت أن تدخل مستشفى الأمراض العقلية –مجازا- على أن تثق بمثل هذه الجمعيات، أو تدخل إحدى مقراتها كي لا تتعرض لمكروه آخر غير الذي رأته، تقول صديقتي الكاتبة.
أصل حفلات التوقيع جاء من طرف دور نشر غربية كانت تهدف إلى الترويج للمنتوج (الثقافي/ العلمي)، كما تخصص نسبة خالصة من المنتوج تهديه لشخصيات مؤثرة ثقافيا وعلميا تنشر قراءات ومقالات حول المنتوج، ويكون هذا كشكل دعائي له.
كما يوضح ذلك الكاتب والكتبي الخضر التهامي الورياشي في مقاله في هذا الشأن متسائلا:
“هل كان “طه حسين” و”عباس محمود العقاد” و”توفيق الحكيم” و”سيد قطب” و”نجيب محفوظ” و”يوسف إدريس”، يحتاجون إلى حفلات توقيع، لكي يقبل القراء على كتبهم؟
أم أن مجرد علْم القراء بصدور مُؤلِّف لواحدٍ من هؤلاء كان كفيلاً بأن يجعلهم يبحثون عنه في المكتبات والشوارع، فيقتنونه، ويعكفون على قراءته آناء الليل وأطراف النهار؟”
عكس هذا شدد متدخلين آخرين في هذا الموضوع على أهمية حفلات التوقيع في نشر ثقافة القراءة والتشجيع عليها والتعريف بالكاتب والكتاب، فالدكتور والشاعر أحمد الصمدي يقول بهذا الشأن: “إن صدور الكتاب وتوصلك بأول نسخة منه يشبه عيدا كبيرا يستحق الاحتفال. ودون ذلك تهون كثير من الصعاب والتحديات. ومثل كل احتفال، نحب أن يشاركنا فيه المعارف والأقارب والأصدقاء. وهكذا يكون حفل التوقيع إعلانا عن المولود الجديد، وتقديما له، وتعريفا به وإعلانا عنه. وهذا أمر إيجابي، بل ومطلوب، وفيه تثمين للثقافة والمعرفة ولو في الحد الأدنى.”
يضيف إليه الكاركاتوريست عبد الغني الدهدوه: “حفلات توقيع الكتب مستحبة ومقبولة لأنها عبارة عن نشاط ثقافي يتم فيه مناقشة الكتب وتضيء جوانب هامة قد تكون أهملت في الكتاب نفسه، ثم هناك تفاعل القارء أو الجمهور الحاضر وهذا شيء مهم للغاية ومفيد..”
رغم هذا يشددون على أن تكون هذه حفلات التوقيع محترمة تخدم القراءة وليس شيئا آخر، غير متفقين فيما نراه الآن من بهرجة ونفاق ثقافي.
هذه الظاهرة التي ستدفع بالعديد من الغيورين على الشأن الثقافي بالبلد أن يبحثوا عن سبل أخرى لنشر ثقافة القراءة والكتابة، فجاءت حملات القراءة للجميع، وانتشرت الكتابات الالكترونية هروبا من كل مظاهر النفاق الثقافي هذه.
الكتابة والقراءة الالكترونية.. الهروب الملغوم
هنا تقول المدونة الالكترونية نوال غازي: “في ظل هذه الثورة المعلوماتية واكتساح التكنولوجيا لجميع المجالات، لم تسلم الكتابة والتأليف من ذلك، بحيث اتخذت منحى جديدا يتوافق مع كل هذا. فالكتابة أو النشر على المواقع الالكترونية أصبحت تنافس وبشراسة الكتب أو النشر الورقي أو المطبعي، هذه المنافسة صنعتها إدمان الشباب اليوم على القراءة السريعة والغير مكلفة وقتا ومالا، فبنقرة واحدة يمكنه أن يقرأ في أي موضوع شاء دون تكبد عناء البحث التقليدي، هذا بالنسبة للقارئ.
أما بالنسبة للكاتب أو المؤلف فالنشر الالكتروني مكنه من ولوج عالم الشهرة في وقت زمني قصير وذلك عن طريق الانتشار السريع لمنشوراته وتداولها عبر الكثير من المواقع. زد على ذلك أن للكاتب حرية نشر ما يكتبه من وجهة نظره دون رقابة أو تضيق من مساحة حريته كما هو الحال بالنسبة للنشر الورقي.”
نوال غازي كغيرها من الشباب الذين يكتبون ويقرؤون إلكترونيا، هاربة كل الهروب من كل ما هو بهرجة، فهي إن أرادت كتابا تبحث عنه بالمكتبة ولا تنتظر إهداء أو حفلة توقيع لتحصل عليه. تماما كما القارئة وفاء الحنكري التي تقول: “أنا كقارئة عندي ارتباط عاطفي بمكتبتي. أشري الكتاب وأحتفظ بيه لنفسي”. لكن لا تجد حرجا في الكتابة إليكترونيا والقراءة كذلك. كما أنها تتهيئ لنشر كتابها الأول إليكترونيا هروبا من ما سردناه.
هذا النشر (الإلكتروني) ساعد آخرين من الانتقال من عالم الإنترنيت إلى العالم الورقي، وهنا أستحضر تجربة عبد الواحد استيتو الكاتب الطنجاوي الذي بدأ كتابة رواية تفاعلية على صفحته في الفيسبوك تحت عنوان “على بعد ميلميتر واحد فقط”، ولاقت متابعة كبيرة غير متوقعة، هو ما شجعه على إخراجها في نسخة ورقية سرعان ما اختفت من المكتبات لكثرة الطلب عليها، لأن القارئ ساهم في كتابتها وكل من ساهم في ذلك ظن أنه صاحبها، بعدها سينزلها على الانترنيت متاحة للجميع.
تجربة سيعيدها الكاتب مع رواية أخرى تفاعلية بعنوان “المتشرد”، نشرها أيضا ورقيا، وهو الآن بصدد كتابة رواية تفاعلية أخرى.
يقول عبد الواحد استيتو عن التجربة:
“فكرة الرواية “الفيسبوكية” التفاعلية، جاءت عندما كتبت يوما قصة قصيرة على صفحتي الشخصية على فيسبوك، لكنني لم أكملها، وأخبرت القراء آنذاك أنني سأتمها فيما بعد. ما حدث هو أنني تلقيت رسائل لا بأس بها تنتظر نهاية القصة، حيث يبدو أن عنصر التشويق لعب دوره بشدة في العملية عموما. في تلك اللحظة فكرت أن الأمر سيكون أكثر متعة وتشويقا لو أن نفس الشيء حدث مع رواية تكتب فصلا بعد فصل، وفي كل فصل يحدث التفاعل والتعليق. وذلك ما كان.. حيث كتبت الفصل الأول من رواية “على بعد ملمتر واحد فقط ” في وقت لم تكن فيه حتى الخطوط العريضة لأحداث الرواية قد تجلّت في ذهني. لكن مع تتابع الفصول وتفاعل القراء بدأت أجد من الحماسة ودوافع الكتابة ما جعل الرواية تحظى بالمتابعة التي تعرفون. بالنسبة للإضافة التي قدمتها لي التجربة، هي أنها دفعتني أولا لكتابة رواية لأول مرة، وقد كنت حبيس القصة القصيرة لأنها تتماشى مع كسلي الإبداعي، كما أنها كما ذكرتم حمّستني لخوض تجربة ثانية، بعد تلقي طلبات عديدة من قراء الرواية الأولى.”
هذا النجاح لا يعني أن الكتابة الإلكترونية تخلو مما هو نفاق ثقافي، والكتابة الفيسبوكية خير دليل على ذلك، فعدد الإعجابات (اللايكات) لا تعني أساسا عدد القراءة، وإنما هي نوع آخر من النفاق الثقافي لا يمكن أن نسميه إلا ثقافة معارفتية لا أقل ولا أكثر.
الموضوع مجرد سؤال طرحناه عبثا ونحن نتجادل أطراف الحديث في الموقع حول أزمة القراءة بالبلد وحال الثقافة بشكل، لكن بمرورنا على بعض المظاهر شدنا الفضول لنعرف رأي المهتمين بهذا الموضوع.
إن مشكل القراءة والثقافة هو مسالة متداخلة، فلا قراءة بدون ثقافة ولا ثقافة بدون قراءة. والثقافة مسألة شمولية لا يمكن أن نحصرها في معارف ومقربين أو بعدد الإعجابات وتصفيقات الجمهور المدفوع دفعا ليقوم بهذا الدور.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
