
شذرات عن الفارس الراكب صهوة المجد
إلى حكم حمدان، احتفاءً بتجربته الإبداعية
عبد الله الطني*
أولا وقبل كل شيء، أهنيء مجلة “مدارات الثقافية” الغَرَّاء على حسها الجمالي والإبداعي والإنساني الرفيع، وهي تحتفي، من حين لآخر، برمز من رموز الثقافة المغربية، بكل مكوناتها وحساسياتها الثقافية والإبداعية، سواء بإنتاج ونشر كتب عنهم أو لهم، أو تخصيص احتفائيات بهم.
وفي هذا الإطار بالذات، يتم الاحتفاء في هذا العدد، برمز من رموز الإبداع في تارودانت وكل رحاب سوس العالِمة، بل وفي المغرب والعالم العربي ككل: إنه الشاعر والمسرحي حكم حمدان، بكل حروف الكواكب والبروق، أو وروار تارودانت ونهر سوس، كما راق لي أن أسميه، ونحن على أبواب هذا الصيف، بعد الاطلاع على سيرته المشرقة والمركبة. ويجمع بينه وبين الوروار رشاقته، وخصوبة ألوانه، وتعدد مواهبه وكفاياته الإبداعية، وميله للدفء والعسل، وهما رمزان من رموز الحياة.
إنه احتفاء في مكانه وزمانه، كما يقال؛ ذلك أن شاعرنا هذا، على مستوى الكينونة، كائن أصيل في ذاته، لارتباطه الوثيق، من حيث المرجع، بثقافته الوطنية. ويكفي أن يكون من الأعضاء المؤسسين الأوائل لمنتدى الأدب لمبدعي الجنوب، الذين كان لي شرف الالتحام بهم بتارودانت، أواخر سنة 2023، بعد أن خصصت لرموز منهم قصيدة تكريمية في ديواني الموسوم ب “معلقة تارودانت”، مثل فارس الملحون الشاعر عمر بوري رحمه الله، ، وكذا المبدع والعاشق الكوني لتارودانت كلاوديو برافو… الخ
والشاعر حكم حمدان، هو أيضا اسم متوج على رأس كوكبة من الشعراء المغاربة الشباب، بجائزة محمد الوديع الأسفي، دورة رائد الحداثة الشعرية بالمغرب، الشاعر عبد الكريم الطبال.
وهو، من ناحية أخرى، كائن كوني في امتداداته، نظرا لتواجده ضمن سرب أمراء الشعر العربي المميزين، حيث كان له حضور في الشارقة لعدة دورات من هذه الاحتفائة العكاضية العربية فضلا عن تتويجه بجائزة الشارقة للنقد المسرحي.
إضافة إلى كل ذلك، فهو على مستوى التعدد الإبداعي، من الذين استطاعوا تكسير الحدود بين الأجناس الأدبية في تجربته الإبداعية، بحيث تمكن من تأليفها في عقد بديع، يفيض بالبوح والمعنى، يجمع بين ألق الشعر المتكون من أربعة جواهر، هي على التوالي: “على صهوة المجد”، “نوتات عاشقة”، “غيوم تقتفي أثر النهر”، وجوهرة أخرى آتية تحمل عنوان “حنين ليس يأتي”، وبين شعرية الرواية في روايته الآتية التي أعطاها عنوان “بنت الفقيه”، وتجليات المسرح ابداعا ونقدا.
ومثل هذا التعدد الآن هو ما بات يُعتبر مظهرا من مظهر الحداثة الفكرية والإبداعية، التي تقوم على توظيف مختلف أشكال التعبير الثقافية والفنية، من أجل الإمساك بجوهر الكينونة المركبة.
وإذ نحتفي بهذا الشاعر المائز فإننا نحتفي بتجربة تجمع بين كل أطياف وجغرافيات الوطن، وبقَبَس إلهي بيننا، وصوت شفوف يبعث فينا قيم الرحمانية والتعايش الإنساني. ولعل رائد شعرية الكينونة عباس محمود العقاد كان يقصد أمثاله عندما قال:
“الشعر من نَفَس الرحمان مقتبسٌ
والشاعر الفذ بين الناس رحمانُ
تفضي الحياة بها
إلى الحياة بما يطويه كتمانُ
مادام في الكون ركنٌ في الحياة يُرى
ففي صحائفه للشعر ديوانُ”
ولأنه بيننا شاعر “مسافر في القصيد”، وكاتب يدون بمداد الشعر والحكي، “اسم من مروا من هنا”، ولأن كلماته نَصْلٌ ووصلٌ، ومقاومة للانقراض واشتهاء للحياة.
وأقول لحمدان الأعالى: دمت بيننا بهيا مشرقا في مجرات الإبداع، و”مدارات” الامتاع، أيها الروداني العاشق المعشوق في كل الجهات بكل الجهات.
وإن كان لي ما أهديه لك، في هذه الاحتفالية المداراتية بصوتك، وبيننا كل هذه المسافات، فلن يكون أحسن من ذلك المقطع الأخير، أو بالأصح الكوكب الأخير من “معلقة تارودانت”، والذي كتبته في الباب الأخير من أبوابها:
“لرودانة بايعْ
-قال البابُ الأخيرُ-
بقدر ما تسطيع بقدر ما تشاء
بايعْ لكل سور وطوب وترب وماء
وقَبِّل كلَّ عُشب بها
ففيه دواءٌ
وفيه شفاء
بايع لكل من صادفت من روادنها
ففي رودانة العليا
اِجتمع الظاهر بالباطنِ
واليقينُ باليقينِ
والقلب بالقلب
والعين بالعين
والتاريخ بالتاريخِ
والشعراء بالشعراء
دائريةٌ
هي المدائنُ والكواكبُ يا ولدي
مزهرةٌ هي السماء
بايعْ لكل من صادفتَه وسَلِّم
فالتسليمُ بها عز ورواء
فالماء بها زمزمٌ
وبها الترب مسكٌ وعنبر
والحجارةُ ماساتٌ
والأسوار آياتٌ
والمنازل القانتاتُ زوايا
والناس بها إما أولياءٌ
أو خدامٌ لزواياها
أو شعراء مثلك ملهمون فائضون من الماء إلى الماء”
شاعر ومفكر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي