الرئيسية / الأعداد / تطوان نفحات الأندلس: سبتة السليبة (الجزء الثاني) – الحسن الگامَح

تطوان نفحات الأندلس: سبتة السليبة (الجزء الثاني) – الحسن الگامَح

تطوان نفحات الأندلس: سبتة السليبة (الجزء الثاني)

الحسن الگامَح*

 

لماذا الشعر…؟

(على خطوات من سبتة أقف

أقف الآن حزينا،

لا أكتب أي شيء

لكن الرؤية على مقربة من فنجاني

تكتبني خاوي الوفاض بلا فتنِ

بلا زاد ولا معدات ولا زمنِ

أقف الآن شريدا…

أحاول أن أطل على مدينة من وطني

لكنها لا ترفرف عالية فيها راية الوطنِ)

لا يمكن الكتابة عن مدينة تطوان دون أن تتجه الكلمات نحو أفق بعيد، وتلامس حنيناً قديماً لمدينة قريبة جداً من القلب في نبضه، وقريبة من الحدود في عشقها. إنها المدينة التي تظهر ملامحها بوضوح من قمم جبال تطوان، حيث تتلألأ أضواؤها ليلاً كأنها نجمة هبطت من السماء لتستقر على مرمى البصر، ومع كل نظرة يختلط الإعجاب بمرارة الفقد.

إنها قطعة منا، وكأننا جزء لا يتجزأ منها، لكن الفراق قد رسم حدوداً لا تغيب عن الذاكرة. لم تعد فيها رايتنا الحمراء ذات النجمة الخضراء ترفرف عالياً، بل باتت ذكرى ترويها الأجيال عن أرضٍ يطلق عليها “السليبة”. هذا المصطلح يحمل في طياته أكثر من مجرد معنى الاستلاب، إنه سؤال تاريخي يطرح نفسه: هل هي أرضٌ سُلبت منا قسراً؟ أم أننا فرّطنا في جزء غالٍ من الوطن خلال قرن مضى، وتركنا التاريخ يكتب فصولاً من الوداع القاسي على صفحاته؟

إن هذا الانفصال الجغرافي ليس مجرد خط على الخريطة، بل هو جرح غائر في الوجدان المشترك، حيث لا تزال الروابط الإنسانية والثقافية تعبر الحدود يومياً، في حركة دؤوبة من الأشخاص والذكريات. وهكذا، تبقى سبتة في وعي تطوان وأهلها ليس مجرد مدينة مجاورة، بل هي قطعة من الذاكرة، حكاية من الماضي، وحاضرٌ يعيش حالة من الترقب والأمل.

(هي سبتة قبلتي

لكني بلا جواز لن أدخلها آمنا سالما

هي سبتة قبلتي

لكني أكتبها غصة في القلب

إذ تمتد في سلاسة التاريخ كالبدنِ

وأهيج خلفها كأني في حالة سكر

أحاول أن أفهم التاريخ

كي لا أبقى على هامش المدنِ

لا أفرق بين ما لي وما لغيري في المحنِ)

إنها سبتة، المدينة التي تحمل في طياتها تناقضات التاريخ والجغرافيا؛ فهي، كما وصفت، مدينة مغربية تحت سيادة إسبانية، تتمتع بحكم ذاتي يمنحها خصوصية فريدة. موقعها ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل هو شبه جزيرة استراتيجية تتلألأ على شواطئ مضيق جبل طارق، وكأنها بوابة بين عالمين. تحيط بها المياه من جهاتها الثلاث: الشمال، والشرق، والجنوب، لتعانق البحر، بينما يحيط بها المغرب من الغرب والجنوب الغربي، في عناق لا يكتمل. هكذا تُعرّف في الكتب والوثائق، لكن في وجدان أهلها، هي أكثر من مجرد تعريف سياسي؛ إنها مدينة مغربية تابعة لإقليم تطوان، مدينة كانت جزءاً لا يتجزأ من النبض الثقافي والاجتماعي، قبل أن تُفصل عنها بحدودٍ لا يراها القلب. هذه ليست لنا الآن، لكن في أعماق كل من ينظر إليها من بعيد، يسكن يقين راسخ بأنها ستعود يوماً إلى أحضان الوطن.

تمتد هذه المدينة على مساحة صغيرة، ما يقارب 22 كيلومتراً مربعاً، لكنها غنية بالتاريخ، وتحتضن بين جنباتها كنوزاً أثرية مثل الحمامات العربية التي تروي قصصاً من العصور الوسطى. ومع ذلك، تبقى الحدود هي الفصل الحاسم الذي يثير في النفس شعوراً مركباً. فلكي أرتشف فنجان قهوة في مقهى من مقاهيها، أو أخط قصيدة على أرضها، لا بد من تأشيرة مرور، وثيقة رسمية تجيز لي الدخول إلى ما هو ملك للروح. هنا يكمن المفارقة: القصيدة لا تعرف التأشيرات، ولا تحتاج إلى إذن من سلطة، فهي لا تتطلب سوى نبضٍ مهتز، قلبٍ نابض بالحنين، ورغبة في الكتابة تتجاوز كل السياجات الوهمية. هكذا حدثت نفسي، وأنا أقف على مقربة منها، أفصل بيني وبينها بحدودٍ من الأسلاك والشعور. القصيدة هي جواز السفر الذي لا يمكن لأحد أن يمنعه.

(هي في القلب نبضا

وهي بعض من بعضنا

وهي المحتلة والسليبهْ

وهي القصيدة التي لا تكتب إلا دمعات

تذرفها العيون الحبيبهْ

آه يا سبتة القوافي

ومعاني الجرح النازف

والقلبُ محترقا بالنيران الكئيبهْ )

 أكادير: 22 يوليوز 2025

شاعر من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً