تزاحم الخيال داخل عمليات التثاقف والتقاطع والتناص“

حسن إمامي*
قد نتحدث عن الضمير الجمعي المشترك. قد نتداول اللاشعور الجمعي. هذه عبارات وغيرها ستسعفنا في الإبحار وفي تدوين ملاحظات مناسبة حول ما نريد تداوله هنا.
تداول النقاد والباحثون موضوع التناص، وداعب رواد اللغة العربية التماهي بين الألفاظ. فتحدثوا عن التلاص نسبة إلى نوع من اللصوصية، رغم أن الكلمة غريبة في مقامها، إلا أنها معبرة عن غرابة تحقق الكلام والكتابة. كتابة اختلست من أخرى، وادعت، ونسبت لها ما هو تعبير عند ذات أخرى. وهلم نسخا.
ولعل منظومة القيم المتزعزعة داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية تجعلنا مستعدين لإلقاء التهم فيما يخص السرقة والخيانة والادعاء والنصب والاحتيال والكذب. ما يجعل التخوين، مبطنا في التعامل، مستهدفا في الاتهام، منتقصا من كل تجديد مستقل.
ربما قدسية مرجعياتنا لا تسمح لنا بهذا التجني. لكنها الحقيقة في شخصياتنا ومسؤولينا. اسألوا واقع السياسة والاقتصاد والإدارة والسلطة والنفوذ.
يا للهول. أراد التحليل تناول موضوع أدبي، وظاهرة سيكو ثقافية، فانجرف إلى ويلات السياسة، المائدة المشتعلة لصناعة الحدث والتاريخ.
فعلا، سيبدو التداخل والتلازم، بين الحقول والمجالات. ولأنها هي الحياة، وهو الوجود، فضاءان للعيش والتفاعل بين مكونات ناعمة وأخرى صلبة، ظاهرة وخفية. حينما تلاحظ إصدار صوت عصفور في تغريده وصفيره، فاعلم أنك قد استوحيته حسيا وذهنيا، تخزينا في الذاكرة وشحنة في السلوك. من أين جلبته للذهن؟ متى سيصدر كسلوك؟ ولماذا؟ ذلك سر القدر.
وسأعود بهدوء التحليل لصلب الموضوع الناعم المرتبط بالخيال:
تزاحم الخيال والتخييل. سأسجل منطلقات المادة المفكر فيها. ربما لم تكن، أو لم تتوقع هول الأفكار التي انجرفت معها. لكنها ربما هي المشاهدة الموازية التي رافقت لحظات هذه الكتابة والانكتاب، أمام شاشة التلفاز، في الساعة المقتربة فجرا. كان شريطا سينمائيا ظاهره الجمال والنعومة، وعموده الفقري القتل والجريمة. أكيد سيكون هناك تأثير قدري لا أفهمه إكلينيكيا.
يا هذا التزاحم في الخيال والتخييل، المتزاحم معي في التحليل! امنحني فرصة التعبير عن الفكرة المنطلق! ومحاولة البيان، الذي ربما سيقول لي إن المهمة كانت بسيطة، لكنك عقدتها وجعلتها مركبة ومعقدة.
في تجربة الكتابة، استفادة متجددة ومتراكمة، وعي اختبر واختزن وعبّر. كم من مرة بدأت مشروع كتابة، فوجدتني بالحديث مستنفرا الحواس والمواد، المقروء والمخزون في الذاكرة والوعي. وسوف أدرك بأن المشروع قد انتهى في تخييله وبنائه مع ما سبقه عند آخرين، لأدرك بأنه يجب علي أن أسلك طريقا آخر، أو أنتظر صفاء الذهن لكي أبتكر سبيلا جديدا خالصا في استقلاليته. نسبيا طبعا.
لكن هذه العملية استوقفتني طبعا وجوديا في الحديث عن العلاقة بين اللغة والواقع، بين التخيل والوصف الموضوعي المترجم لهذا الواقع والمحيط والبيئة، الزمن المتسلسل والمنصهر مع لحظة الكتابة والانكتاب. هل يمكنني الفصل بين ذاتي وكل هذه العناصر وأنا أحاول الخط بالقلم أو الرقن بحروف رقمية معروضة أمام شاشة إلكترونية؟
يبقى الجواب منفتحا لكي ينفلت من كل تسييج محتمل.
حينما يكون المرء بعيدا عن المرحلة التي يكتب عنها، تستحضره المواد التي استفاد منها في اطلاعه عليها. وإذا كانت المواد قليلة ونادرة، أصبح من الصعب جعل الابتكار منفردا وجديدا، خالصا لكاتبه وصاحبه. وجب عليه التأني في التأمل والصياغة، في المراجعة والصناعة.
حينما يكون مشروعا روائيا حول حقبة زمنية بعيدة في الماضي، وجب جعل مسافة بين المقروء من تجارب إبداعية مرتبطة بها كحقبة. ربما سيحتاج الكاتب إلى أدوات قياس وتفكيك وتمييز لكي يباين بين درجات إبداعه الخاص، عن غيره من المنتوج السابق أو المعاصر. وكم من كاتب أو شاعر ملحمي اتهم بالأخذ أو نهج منوال آخرين، لمجرد تشابه المواضيع وتشكيل الكتابة. كم منهم أنكر أو أخفى المادة المستوحاة في العملية الإبداعية، ليبقى إنجاز الساحر مبهرا للمتلقي، خادعا في صورة تحققه، مدهشا في كماله الناقص والنسبي.
وطبعا، سيكون هنا القوس مفتوحا لدائرة اشتغال مشتركة، أو لمائدة مستديرة وتفاعل، بحث بالملاحظة في البدائل المقترحة. وسأبدأ بمحاولة اقتراحية.
تذكيرا بدروس السابقين الذين لهم الفضل فيما نحن فيه منتعمون: ألم يطلب المعلم خلف الأحمر من تلميذه أبا نواس أن يحفظ ألف بيت شعري، ثم بعدها طلب منه نسيانه، حتى يصقل عنده موهبة الشعر وحتى يبني أسلوبه الخاص بما تفاعلت معه ذاته وفكره وذوقه. يعني هذا أن هناك تغذية راجعة، وعلينا جعلها طبيعية خالصة في تفرد الذات المبدعة بجديد خاص بها.
لعل المقترح روائيا، وقبل أن يصبح إلهاما متفجرا خالصا ذاتيا، هو جعل المسافة المناسبة. هو استحضار وعي بما سبق حين ابتكار ما سيلحق. هو تمييز نسق عن نسق. يعني تخطيط وتصميم وهيكلة وتشريح ما سبق، لأجل القدرة على التحكم الإرادي الواعي أو اللاوعي كما في طبقات فلتات اللسان التحليل نفسية.
فهل يمكننا التعسف على عملية الكتابة والإبداع بمثل هذه المقترحات التشييئية والتجزيئية؟ ما سيجعلها صناعة، ربما جافة من جمالية وتناغم إبداعي يتماهى مع ذوق المتلقي!
والسؤال طبعا ليس للنفي أو الإثبات، بقدر ما هو مادة وإشارة للاستحضار حين كل محاولة للكتابة أو الإبداع.
خلاصة القول إن التناص، والتثاقف والتقاطع اللذان يحصلان معه، سيعيد سؤالا مشتركا عبر الأجيال، حول تحقق ديمقراطية وجدلية وتوالد مشترك. سيعني سيرورة وصيرورة. ولعله عند الفلاسفة أوضح في النسق والتحليل وفي موضوع الاشتغال وأفكار التنزيل. لكنه في الإبداع قد يكون لوحة رسام مشكلة من لوحة تحجبها ظلال المتن الظاهر. وسلِم من آمن بالديمقراطية والنسبية، وبالتكامل والسيرورة وجدلية التطور المرافقة، حتى لا يدعي أحد أنه وحيد قرنه.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي