أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد /  سؤال بلاغة الرواية واشتغال الحجاج قراءة في كتاب “حبكات وشخصيات المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية” جواد

 سؤال بلاغة الرواية واشتغال الحجاج قراءة في كتاب “حبكات وشخصيات المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية” جواد

 سؤال بلاغة الرواية واشتغال الحجاج قراءة في كتاب “حبكات وشخصيات المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية”

جواد عامر*

 

 

يستمد كتاب “ حبكات وشخصيات “ لمصطفى رجوان قيمته البحثية والأكاديمية من امتداده المعرفي لسلسلة السرديات البلاغية في ترتيبها الرابع باعتبارها مشروعا علميا يهتم بالمقاربة البلاغية للسرد ومن ضمنه جنس الرواية ويسترفد قيمته المعرفية والعلمية من التفكير في سؤال بلاغة الرواية واشتغال الحجاج بداخلها ما حمله على مقاربة الرواية العربية في بعدها التخييلي حجاجيا عبر الحفر في طبقات الحجاج في الداخل والخارج الروائي متبنيا مداخل ثلاثة كانت بمثابة المفاتيح التي مكنته من كشف آليات اشتغال الحجاج في الرواية رغم التباعد الظاهر بينهما خاصة في الرواية التخييلية ، لأن روايات الأطروحة أو الروايات التداولية والتعليمية تتبنى الطرح الحجاجي في داخلها بحكم طبيعتها الموضوعية التي تنحو إلى الإقناعية ، فكان الحجاج في الرواية عبر ما تمارسه الذوات التخييلية من تواصلات والحجاج بالرواية في بنيتها الكلية والبعد الحجاجي كما تبناه شارل بيرلمان في إطار التفاعل بين الجنس التخييلي وفعل القراءة مداخل ولج عبرها الباحث المغربي مصطفى رجوان ليقارب الرواية من منظور حجاجي صرف كانت فيه للمقاربة النظرية التي سافرت معرفيا من الطروح التقليدية اليونانية وتحديدا من بلاغة أفلاطون وأرسطو إلى الطروح البلاغية الجديدة  مع ديكرو وأنسكومبر وبيرلمان وغيرهم ملتقطا المفاهيم والعدة النظرية اللازمة لمقاربته في شقها التطبيقي منتقيا لأجل ذلك أعمالا روائية رأى جدواها ومقدرتها على فعل المقاربة لاغتنائها بالطابع الحجاجي المتنوع ، فكانت التقاطاته متراوحة بين الرواية المشرقية والمغربية رجالية ونسوية لمنح مقاربته طابعا شموليا وكونيا.

الحجاج والرواية تنظيرات وبحث عن عدة المقاربة

سافر الباحث في القسم النظري الذي وزعه إلى ثمانية فصول سفرا معرفيا طويلا بين الحجاج  والرواية باحثا عن كل ما يسعفه في مقاربته البلاغية الحجاجية راصدا بوعي إبستمولوجي مآزق الدراسات التي تناولت الحجاج والرواية حيث أكد الباحث على أن مقارباتها ظلت ضيقة النطاق لعدم وعيها بانتماء المقاربة الحجاجية الروائية إلى المقاربة البلاغية التي تعد أشمل وأكثر اتساعا بحكم جزئية المقاربة الحجاجية للرواية ما غيّب الطبيعة التخييلية الواسمة للنص الروائي وسياقاتها النوعية والتواصلية والنصية ، ومن هنا كا نتبنى الباحث خطة محكمة عبر الحفر في الجذور الإبستمولوجية للحجاج في المنتج الثقافي الإنساني راصدا حركية الحجاج وتطوره من الطرح البلاغي الأفلاطوني إلى البلاغة الجديدة مع واين بوث وشاتمان ثم  إلى  السرديات البلاغية مع المدرسة الأمريكية ، ولابد أن هذا الحفر الإبستمولوجي أوضح للباحث طريقه الصحيح نحو تبني مقاربته الحجاجية للرواية العربية بوعي إبستيمي تملك عدته وأدواته ، مركزا اهتمامه على المقاربة البلاغية للرواية في بعديها البنيوي الشعري وبعدها التواصلي في إطار العلاقة بين المؤلف والقارئ الضمني لأجل الـتأثير، على اعتبار أن الرواية عالم تخييلي وبناء فني جمالي يحمل في خطابه جملة أفكار ورؤى وأطاريح تتغيى إقناع القارئ متجاوزا الطرح الذي يتبنى المقاربة اللغوية للحجاج التي تقف عند حدود ما هو نحوي يهمش المقام الخطابي التواصلي وهو ما رصدته أعمال ديكرو وأنسكومبر، لذا يجد الباحث في التنظير الأرسطي من خلال كتابيه “فن الشعر ” و”الخطابة ” ملاذا بلاغيا آمنا  لمقاربة الجنس الروائي فأقطاب المثلث  الحجاجي الباتوس واللوغوس والإيتوس سواء الخطابي أو قبل الخطابي تؤكد أهمية البعد التواصلي والتأثيري في تصور أرسطو وهو تصور مهم في المقاربة الحجاجية للرواية العربية التقطه بيرلمان وعمل على توسعته ليشمل خطابات متعددة خلافا لما صنعه أرسطو من قصر للخطاب على الدولة الحيوية والمدينة ، وهو ما سيمد الباحث بأداة من أدوات  مقاربته الحجاجية مستعينا بأنواع الحجج اللوغوسية التي توسع فيها بيرلمان وصنفها في أعماله  خاصة ” المصنف في الحجاج و” الإمبراطورية الخطابية ” .

 الحجاج والرواية بحث عن الجسور

اجتهد الباحث في تجسير العلاقة بيمن الرواية والحجاج من منظور كلي تظلله مظلة الأدب رغم انحياز بعض النقاد ومنهم واين بوث إلى فكرة خلو الأدب من الإيديولوجيا غيرأن الغالب منهم يؤمن برسالة الأدب كوسيلة للإقناع والتعليم دون أن ينسلخ عن هويته الجمالية والفنية باعتباره إبداعا أي إنه يسير في طريق بلاغتين هما الإقناع والإمتاع ، لذا اعتبر مصطفى رجوان أن الجسر العابر بين الأدب المنتمي للشعرية والحجاج المنتمي للخطابية هو البلاغة التي تشكل جسرا وأرضية مشتركة في الآن نفسه ، وتأكيدا لهذا الطرح عمل الباحث على الحفر في طبقات المدونة البلاغية القديمة فكان مشروع حازم القرطاجني حاسما في تبني مقاربة حجاجية للشعر العربي ما جعله  يتناول الحجاج من منظور أسلوبي صرف معتمدا الخطابة الأرسطية رافدا إبستمولوجيا لنظريته  وكانت حفرياته في التصور الأرسطي في منبعه الصافي ” فن الشعر ” أو عبر شراحه كجيرار جنيت وبول ريكور وغيرهما من أجل إثبات علاقة السرد  التخييلي بالحجاج من خلال مفهوم الفكر ( ديانويا) Dianoia  ، باعتباره الجهاز الحجاجي  الذي تستعمله الشخصيات الحكائية ، وهو ما تؤكده شعرية أرسطو التي تثبت أن السرد محاكاة شعرية للواقع ما يجعل الحجاج جزءا من بنيته الداخلية لذا فهو يضطلع بوظيفة خدمة الحبكة من أجل بنائها وتناميها في النسيج السردي ، وفي المقابل يصير السرد خادما للحجاج حين يتعلق الأمر بالخطابة ، من هنا يستنتج الباحث مصطفى رجوان أن العلاقة بين السرد والحجاج تتجه في طريق التبادل الوظيفي بينهما حيث يسدي كل منهما الخدمة للآخر ، ولعل هذا التصور تؤكده  تعددية الأنماط وتداخلات الأجناس في النص الواحد ، إذ لا وجود لنص خالص، فالامتصاصات بين النصوص كائنة ما كان النص الجديد ، فكل منها يتضفر لأجل خدمة الخطاب عموما وتأدية وظيفة ما من الوظائف دون أن تفقد النصوص الممتصة هويتها.

لقد كانت هذه المداخل طريقا عبد بها الباحث المغربي طريقه نحو تجسير العلاقة بين الحجاج والرواية العربية الحديثة المنفتحة على كافة الممكنات الفنية والجمالية بما يسمها من عدم استقرار لتجريبيتها المستمرة ، ما يجعل الحجاج مدخلا من مداخلها الجمالية والفنية المسهمة في تشكيل نسيجها النصي ما يستلزم التعامل مع الجنس الروائي بنوع من الحذر النائي عن التعميم والاستباق المنهجي لمنح النص الروائي إمكانات الإعلان عن نفسه باعتباره ممتلكا لتقنيات حجاجية متفردة لا تشتبك مع غيرها من التقنيات في باقي الاجناس السردية الكلاسيكية مثلا ، خاصة وأن النقد الروائي  المعاصر يمكنه أن يمد التحليل بأجهزة مفاهيمية وأدوات منهجية مهمة مثل البوليفونية التي كشف عنها ميخائيل باختين في تحليلاته لروايات دوستويفسكي ،وأن الرواية تسمح بانبثاق مواطن حجاجية في مقامات سردية متعددة لا تتحدد بمكان معين ومألوف ، سواء تعلق الأمر برواية تخييلية أو برواية تداولية .

إن الحجاج حاضر في الرواية حضورا جماليا وفنيا كواقعة تخييلية محتملة متفق عليها ضمنيا بين المؤلف والقارئ إلى جانب كونه فكرا يهتم بقضايا الواقع والوجود ، خاصة وأن الجنس الروائي من أقدر الأجناس على تضفير أجناس  أخرى  في بنيته الداخلية ما يجعل الحجاج صورا متعددة الأـشكال ومتنوعة المواقع في ظل تعددية الأصوات التي تسمح بالتعبير عن الرؤى والم واقف والأفكار المتصارعة في عالم روائي شديد التباين بين شخصياته وهاهنا تتجسد بلاغة الرواية بشكل حقيقي لتتوجه نحو قارئها المتعدد شخصية كان أو مسرودا له أو قارئا واقعيا ، وبناء عليه تنظر المقاربة البلاغية الحجاجية إلى التواصل التخييلي على أنه  طريق مهم لبناء العالم السردي وخلق جسور التواصل والتفاعل بين المؤلف والقارئ.

المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية

اعتمد الباحث المغربي المداخل الثلاثة لمقاربته وهي الحجاج في الرواية من حيث هي انبناء جمالي وفني والحجاج بالرواية كما تنطقه  الرواية التداولية بما فيها رواية الأطروحة والرواية التعليمية  والبعد الحجاجي كما تبناه شارل بيرلمان ، فخصص الفصل السادس للمدخل الأول معتبرا أن سؤال الحجاج في الرواية هو سؤال الوظيفة التي لا تخرج البتة عن سياق النص وطبيعته الموضوعية ، ولا يتأتى ذلك إلا بتجاوز البلاغي الملاحظة إلى التأويل كما صنع أرسطو في سياق حديثه عن  الفكر السردي والقارطجني من قبل في نقده للشعر العربي ، ولما كان  الحجاج الروائي حجاجان في حقيقته ؛ حجاج يتم بين الشخصيات وحجاج يتم بين المؤلف الضمني والقارئ يجعله متخذا مسارا من الداخل الروائي إلى الخارج بحيث لا يتم إقصاء الحجاج الخارجي رغم الطبيعة التخييلية للرواية لحضور الحجاج في بنيتها الداخلية باعتبارها تمثيلا للواقع ناهيك عن استعمال روايات عدة للإيتوس والباتوس واللوغوس ذات المنبع الخطابي والتي تحتاج إلى تكييف أثناء المقاربة الحجاجية مع الرواية  ، ويبرز الباحث أن المقاربة الحجاجية للنص الروائي مقاربة نوعية من حيث اعتمادها على جرد أنواع الحجج المستخدمة وطرائق توظيفها ولتكتسب هذه المقاربة طابعها البلاغي فإنها تعتني بقطبي التواصل مؤلفا وقارئا إلى جانب الذوات التخييلية في العالم الروائي ، لذا لا تستقيم إلا بعد فعل القراءة حتى لاتسقط في التعميمات والاستباق الجاهز لما يسم العالم الروائي من تفتت وتشظي وتغير يجليه التجريب ، كما يجب للمقاربة أن تخترق النسيج الجمالي والسياقات التخييلية للكشف عن طبيعة الحجج الظاهرة و المضمرة أحيانا في بنيتها اللغوية ، والمنتجة في سياق خاص يسهم في إنتاج النص مع مراعاة البنية الكلية للرواية بعيدا عن فعل الاجتزاء الذي قد يمارسه المحلل البلاغي للحجج التي تسهم في تنامي الحبكة الروائية مما يخلق تفاعلا بينها وبين القارئ يظهر في شكل استجابات وجدانية وعاطفية وتأملية وجمالية وفكرية .

الحجاج والوظيفة في العالم الروائي

يضطلع الحجاج بوظائف عدة هي الوظيفة التخييلية التي تحمل القارئ على العيش في العالم الروائي وتوهم حقيقته بحكم ما يضفيه السارد من مصداقية على سرديته لإقناع القارئ بحقيقة العالم الروائي ما يسلحه بقوة أكبر تجعل الرواية في بنيتها الكلية أحداثا واقعية وحقائق تجري عبر متخيل موهم بالحقيقة يمنح النص قوته الإقناعية التي تزداد عبر صناعة حبكة متماسكة تمنارس فيها الشخصيات إقناعتها المتبادلة أو عبر ترسيم الشخصية الحكائية بحيث يكون حجاجها النابع منها متفقا ومتساوقا مع خصوصيتها الثقافية وانتمائها الاجتماعي وأنماط تفكيرها ، وتتأتى هذه الوظيفة التخييلية أيضا من لعبة الانفتاح السردي التي يلجأ إليها السارد كاختيار جمالي في الفواتح الروائية نقلا للقارئ من العالم الواقعي إلى التخييلي بعد تهيئته نفسيا وذهنيا ، ويكون لعنصر التشويق عبر لعبتي التأجيل وإثارة الفضول وللاستفزاز والإفحام دور آخر في تخليق الحجاج داخل الرواية ، ليكون الحكم للقارئ من أجل تبني طرح فكري ايديولوجي تفرضه طبيعة الرواية من حيث صبغتها التداولية أو تمنحه حق الخيار في الرواية التخييلية ذات الأصوات المتعددة ، ويضطلع الحجاج أيضا بوظيفة بنائية جمالية،  حيث يتحول الحجاج إلى استراتيجية بنائية يتخذها السارد طريقا إلى دفع الملل والرتابة التي قد يجدها القارئ  ما يحتم عليه إدراج أبنية الوصف والتفسير والحجاج كأجزاء جمالية دون أن يفقد السرد هيبته ، لذا يعتمد السارد تعدد الأصوات في النص الروائي سواء عبر المواقف والرؤى التي تعبر عنها الشخصيات في إطار حوارتها الخارجية أو حتى عبر المونولوج الكاشف عن التوتر والصراع ألنفسي وتأزم اللحظة ، اما الوظيفة الفكرية فهي تتغيى توجيه تفكير المتلقي إلى القضية في الرواية ومن هنا يظهر أن الحجاج ينظر اليه من زاوية الوظيفة باعتباره بنية متحركة في النسيج الروائي .

ويأتي المدخل الثاني في مقاربة الرواية وهو الحجاج بالرواية الذي يظهر مع رواية الأطروحة حيث يتحقق الحجاج في مجموع الرواية إلى جانب حوارات الذوات التخييلية ، فرغم حمل رواية الأطروحة للقضية الفكرية وتوخيها الإقناع ـ فإنها جانب القضية يتناغم مع الجانب التخييلي والجمالي ويسيران معا في خط مواز لجذب القارئ واستدراجه إلى عالمها دون أن تفقد عراها بالجمالية والإبداعية والتخييل ، ومن هنا يؤكد الباحث على ضرورة تبني مقاربة حجاجية نابعة من صلب العمل الروائي حتى لو تعلق الأمر برواية الأطروحة مادام أن الجنس الروائي يتأسس في جوهره على الإبداعية والتخييلية ، ما يجعل المقاربة البلاغية ذات طبيعة وصفية وتفسيرية وحجاجية إلى جانب اهتمامها بالقارئ الذي يمارس أحكامه النقدية تجاه العالم الروائي وإن تعطلت الكقاءة التأويلية للقارئ أحبيانا حينما يكون الصوت الإييولوجي مهيمنا وذا سلطة على النص في محاولة من الروائي لإقناع القارئ عبرممارسته لفعل التمويه المستمر بصوته وقناعاته ، ويعرج الباحث مصطفى رجوان إلى البعد الحجاجي أو الحجاج غير المباشرالذي يسترفد مفاهيم أخرى كالسرديات التلفظية والتداولية لإثراء مقاربته  كمدخل ثالث لمقاربته البلاغية الحجاجية مستدعيا طروحات بيرلمان وما جد في النظرية النقدية الغربية في إطار جماليات التلقي التي أرست دعائمها جامعة كونسانطس الألمانة مع فولفانغ إيزر وطوماس ياوس ، حيث أعيد الاعتبار للمروي له بعد تهميش طاله في الأدبيات البنيوية ، مما يجعل القارئ ممارسا تأويله للمقصدية الحجاجية المضمرة بناء على فعل القراءة لا انطلاقا من أحكام تعميمية مسبقة كما هو الحال في أدبيات الحجاج اللغوي التي وقفت عند حدود الأبنية بشكل مسبق وبناء على الجاهز من المعايير.

المقاربة البلاغية الحجاجية من منظور تطبيقي

تزكية للطرح النظري عمد الباحث إلى أجرأة أدوات الحجاح على المستوى النصي عبر انتقاءات روائية متنوعة تراوحت بين رواية الأطروحة والرواية التخييلية ملتقطا نصوصا عديدة من محاضن متعددة لمنح مقاربته طابعها العلمي ، فكانت روايات من قبيل القاهرة الجديدة لنجيب محفوظ والمراة والوردة لمحمد زفزاف وشرق المتوسط لعبد الرحمن منيف  وهي روايات تخييلية رصد فيها الباحث اشتغال الحجاج من داخل أبنيتها السردية وفي مواقع متعددة من العالم الروائي  وكاشفا عن أنواع الحجج الموظفة فيها مستدعيا المفاهيم والأدوات التي استخدمتها النظرية الحجداجية منذ الطرح الأرسطي حيث حضرت مفاهيم اللوغوس والإيتوس والباتوس في مقاربة الباحث مجيبا دوما عن سؤال الوظيفة التي يضطلع بها الحجاج بناء على استنتاجاته في الطرح النظري ، ثم عرج الباحث على رواية الأطروحة واختار لمقاربتها الرواية النسوية ” الفصل الأخير” لليلى أبو زيد ورواية الأطروحة الحضارية ” شرقية في باريس ” لموسوعة المغرب المعاصر الأستاذ عبد الكريم غلاب رحمه الله ، ووقع اختياره على “كتيبة الخراب”  لعبد الكريم جويطي كشف فيها عن البعد الحجاجي باعتباره مدخلا ثالثا ومهما في مقاربة الرواية بلاغيا وبشكل موسع .

لقد كان الشق التطبيقي في هذه الدراسة المنظار الواصف والمحلل لاشتغال الحجاج في الرواية العربية وتأكيد حضوره داخل النسيج الروائي وفي مواقع متبانية ، عبر ممارسة الباحث للقراءة البعدية متجاوزا الطروح السابقة التي أقامت تحليلاتها ومقارباتها الحجاجية بناء على السائد والجاهزمن المقولات الحجاجية  مما جعل الأحكام تتسم بطابع الإسقاط والتعميم ، إذ تستدعي مقاربة الباحث الكشف عن اشتغال الحجاج داخل النص الروائي عبر فعل التسريد التي يجعل كل رواية تمتاز عن غيرها من حيث الحضور الحجاجي وكثافته والصناعة الجمالية والفنية ،لا من حيث استخراج الحجج فحسب وإنما في اتجاه كشف إمكانات النص الروائي  الفنية والجمالية بمنا يمنحها تفردها والإبداعي عن روايات أخرى ،  فكان استرفاد الباحث للجهاز المفاهيمي من محضنه اليوناني وتحديدا من كتابي فن الشعر والخطابة لأرسطو معرجا على  الطرح البلاغي مع حازم القرطاجني في مقاربته للخطاب الشعري تأكيدا منه لحضور الحجاج كخطاب ضمني في بنية تخييلية وتصويرية هي الشعر ، وما جد في الحقل النقدي  الغربي من مقاربات وتناولات استطاعت أن تغذي الدراسة وترشد الطريق أمام الباحث ليسير بخطى ثابتة نحو إثبات دور المقاربة البلاغية الحجاجية في تحليل الجنس الروائي رغم تمنعه الظاهري بحكم اشتغال التخييل في متنه بدرجات أكبر ، حتى ولو كان الأمر يتعلق برواية الأطروحة لقيام العمل الروائي على الجانب الإبداعي والتخييلي في المقام الأول ، هذا الوعي الذي ظهر على امتداد الدراسة كان من بين المداخل الأساسية التي اشتغلت في فكر الباحث فكانت التقاطاته المفاهيمية شديدة الدقة جلتها عمليات التكييف التي مارسها أثناء مقارباته التحليلية لأصناف روائية متعددة مكنت دراسته من  كشف سمات وخصائص تخييلية وحجاجية وجمالية أظهرتها القراءة ، ومن هنا كانت المقاربة البلاغية الحجاجية بما هي عملية بعدية تتجاوز فعل تجريب التقنيات الحجاجية الجاهزة مسلكا ذا جدوى في مقاربة الجنس الروائي وإثراء المعرفة النقدية بالرواية وإن كان هذا الجنس تخييلي الطابع لا يعمد إلى المباشرية في نقل الحجاج ما يجعل القارئ متلقيا للحجاج في سياق تخييلي ومحتاجا إلى ممارسة التأويل عبر التفاعل مع العالم الروائي بالشكل الذي يكون فيه القارئ نموذجيا بلغة إمبرتو إيكو قادرا على تحيين دلالات النص ومنحه تأويلاته .

ناقد من المغرب

 

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

عبدالرزاق اسطيطو *   جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة …

اترك تعليقاً