أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / موت المؤلف – أيمن البزى

موت المؤلف – أيمن البزى

موت المؤلف

أيمن البزى*

 

يصنف مفهوم»  موت المؤلف « ضمن أبرز المنعطفات النقدية، لما انطوى عليه من زعزعةٍ جذرية للمرتكزات التقليدية التي كانت تجعل من المؤلف مرجعية نهائية لفهم النص وتحديد دلالاته. وقد ارتبط هذا المفهوم أساسا بالمقال الشهير الذي نشره رولان بارت سنة 1968، في سياق التحولات البنيوية وما بعدها حيث لم يعد النص يُقرأ بوصفه انعكاسا لوعي فردي أو سيرة ذاتية، بل باعتباره نسيجا لغويا مستقلا تتقاطع داخله أصوات وخطابات متعددة.

لم يظهر مفهوم ” موت المؤلف” في فراغ معرفي، بل جاء ثمرة لتحولات فكرية عميقة شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصا مع صعود البنيوية التي سعت إلى دراسة الظواهر الثقافية بوصفها أنساقا قائمة بذاتها. كما أدى التركيز البنيوي على اللغة باعتبارها نظامًا مستقلا، وفق تصور دي سوسير إلى تقويض فكرة المعنى الثابت المرتبط بالذات المبدعة، ومع انتقال النقد من الاهتمام بالمنشئ إلى البنية بات النص يُنظر إليه ككيان لغوي مغلق نسبيا، لا يحتاج إلى إحالة خارجية لفهمه. وفي هذا الإطار جاءت أطروحة بارت لتعلن القطيعة مع النقد التقليدي الذي كان يربط النص بحياة المؤلف ونواياه النفسية والإيديولوجية، معتبرا أن هذا الربط يحد من إمكانات القراءة ويقيد المعنى.

لا يعني»  موت المؤلف « عند بارت الإلغاء الفيزيائي أو الرمزي لشخص الكاتب، بل يعني تعليق سلطته التأويلية على النص. فهذا الأخير في نظره ليس تعبيرا عن ذات فردية متعالية، وإنما هو فضاء تتلاقى فيه اقتباسات لا حَصْرَ لها من ثقافات وخطابات سابقة. كما يرى أن اللغة هي التي تتكلم داخل النص لا المؤلف، وأن الكاتب ليس سوى ناسخ أو وسيط تمر عبره العلامات، ومن ثم فإن البحث عن نية المؤلف يُعدّ وهما نقديا لأن المعنى لا يسبق الكتابة بل يتولد لحظة القراءة. وعليه يقترن موت المؤلف بولادة القارئ؛ إذ يتحول القارئ من متلق سلبي إلى فاعل منتج للمعنى يشارك في تشكيل دلالات النص وفق أفقه الثقافي والمعرفي. وقد وضح بارت هذه الأمور في مجموعها الكلي في إطاره مقالته “لذة النص”.

من جهة أخرى يرتكز مفهوم» موت المؤلف«  على خلفيات فلسفية متعددة، أبرزها التفكيك وما بعد البنيوية، حيث يُنظر إلى المعنى بوصفه غير مستقر وقابلًا للتأجيل (Différance) كما عند جاك دريدا. كما يتقاطع هذا المفهوم مع نقد الفلسفة الإنسانية (Humanism) التي جعلت من الذات مركزا للمعرفة والوعي. فبارت، ومن بعده فوكو يسعيان إلى تفكيك هذه المركزية مؤكدين أن الذات نفسها نتاج لشبكات خطابية وسلطوية، من هنا يصبح المؤلف وظيفة ثقافية لا كيانا متعاليا، وتغدو النصوص أحداثا لغوية مفتوحة على تعددية المعنى.

على الرغم من القيمة الثورية لمفهوم»  موت المؤلف  «إلا أنه لم يسلم من النقد فقد رأى بعض الدارسين أن هذا الطرح ينطوي على مبالغة نظرية إذ لا يمكن عزل النص تماما عن سياقه التاريخي والاجتماعي، نخص بالذكر منهم ريمون بيكار الذي اعتُبِرَ من أبرز الأصوات النقدية التي واجهت المدّ البنيوي في النقد الفرنسي خلال ستينيات القرن العشرين، ولا سيما أطروحات رولان بارت حول استقلالية النص وموت المؤلف وقد جاء موقفه أساسا دفاعا عن التاريخية الأدبية والمنهج الفيلولوجي في مواجهة ما رآه نزوعا بنيويا إلى التجريد والقطيعة مع شروط إنتاج النص. وقد تجلّى اعتراضه بوضوح في سجاله الشهير مع رولان بارت عقب صدور كتابه الموسوم “نقد جديد أم دجل جديد” ، حيث اتهم بيكار البنيويين بممارسة ما أسماه » نقدا تعسفيا«  يستبدل الصرامة المنهجية بالتأويل الحر، ويغفل الوثائق والسياقات التي تضبط المعنى. ورأى أن هذا الاتجاه يُفضي إلى قراءة النصوص بمعزل عن مؤلفيها، وكأنها كيانات لغوية عابرة للتاريخ، وهو ما يناقض، في نظره، طبيعة الأدب ذاته. وعندما ذهب بارت في كتابه “مع راسين” إلى تفكيك مسرح راسين انطلاقًا من بنياته الدلالية العميقة، مقلّلا من شأن السيرة الذاتية والسياق التاريخي بوصفهما مرجعيتين تفسيريتين حاسمتين، وهو ما أثار اعتراض ريمون بيكار الذي رأى في هذه المقاربة إقصاء تعسفيا للمؤلف وتشويها لأفق النص التاريخي.

وقد عقد رولان بارت في كتابه نقد وحقيقة (Critique et vérité) مباحثا مطولة يقوم فيها بالرد على كتاب بيكار السالف الذكر.

أسهم مفهوم» موت المؤلف «إعادة توجيه النقد الأدبي نحو النص والقارئ، فازدهرت المناهج التأويلية، والسيميائية، ونظريات التلقي. كما شجع على قراءة النصوص قراءة تعددية، تكشف عن إمكانات دلالية كانت مهمّشة بفعل القراءة الأحادية .غير أن النقد المعاصر يميل اليوم إلى مقاربات توفيقية، لا تلغي المؤلف كليا ولا تعيده بوصفه سلطة مطلقة، بل تنظر إليه كعنصر ضمن شبكة معقدة من العوامل النصية والثقافية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر يتّضح أثر مفهوم موت المؤلف بجلاء عند النظر في تلقي بعض النصوص العربية الكلاسيكية، كأشعار أبي العلاء المعري، التي طالما أُثْقِلَتْ بقراءات اختزالية تربطها مباشرة بسيرة الشاعر أو بمواقفه العقدية فاختزال تجربة المعري الشعرية في كونه » شاعر التشاؤم « أو» الزندقة « يُغفل البعد اللغوي والتأويلي الذي تفتحه نصوصه بوصفها فضاءات دلالية تتجاوز مَنْشَئَهَا وتقاوم الإحالة الأحادية. ومن هذا المنظور يتيح مفهوم » موت المؤلف «تحرير النص المعري من أسر النوايا المفترضة، وقراءته باعتباره خطابا شعريا مفتوحا تتفاعل داخله طبقات المعنى، والأسئلة الوجودية، واللغوية دون الارتهان إلى سلطة تفسيرية مسبقة.

إجمالا يمكن القول إن »  موت المؤلف « ليس حكما نهائيا بقدر ما هو عملية نقدية تهدف إلى تحرير النص من الوصاية التأويلية، وفتح أفق القراءة على التعدد والاختلاف. وقد مثل هذا المفهوم منعطفا حاسما في تاريخ النقد الأدبي، أسهم في إعادة تعريف العلاقة بين النص، والمؤلف، والقارئ. وإذا كان الإعلان عن موت المؤلف قد بدا في لحظته الأولى فعلا ثوريا، فإن الوعي النقدي الراهن يدعو إلى تجاوزه نحو رؤية أكثر مرونة، تعترف بتعقّد العملية الإبداعية، دون الارتهان لسلطة واحدة أو إقصاء مكون أساسي من مكونات الخطاب الأدبي.

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً