أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / سيميائية الغموض وبلاغة السرد في الرواية البوليسية “الأرملة السوداء” للأديب شادي محمد بن راضية – زايد الرفاعي

سيميائية الغموض وبلاغة السرد في الرواية البوليسية “الأرملة السوداء” للأديب شادي محمد بن راضية – زايد الرفاعي

سيميائية الغموض وبلاغة السرد في الرواية البوليسية “الأرملة السوداء” للأديب شادي محمد بن راضية

زايد الرفاعي*

 

“عندما يعجز الفكر عن مواجهة الواقع، تستيقظ العضلات وتعم الفوضى.”

يتساءل الناقد والمفكر سعيد بنكراد فيقول: “من منا سبق أن رأى العالم عارياً؟!”. وبما أن بنكراد هنا يقصد العالم بمفهومه السيميائي، فلا ريب منهجياً أن اثنين تمكنا -أو على الأرجح حاولا- رؤية العالم عارياً: السيميائي والمحقق. الأول يكشف ويعري ويزيح اللثام عن الواقع، والثاني يرصد ويستنطق ويبحث عن الحقيقة؛ الأول مهمته الإمساك بالمعنى المتواري في مسرح الحياة، والثاني مهمته القبض على الدليل في مسرح الجريمة.

من هذا المنطلق، وجدنا في التحليل السيميائي الأداة المنهجية الملائمة لسبر أغوار رواية “الأرملة السوداء.. لن أعود” للكاتب شادي محمد بن راضية، ولتفصيل القول في بعض خصائصها الفنية وتيماتها السردية، خصوصاً أنها رواية تقوم على الغموض والتحقيق، والإثارة والتمويه والتشويق، نظراً لانتمائها إلى الرواية البوليسية كما يبدو من خلال عتبة الغلاف، حيث جاء تجنيسها واضحاً أسفل العنوان.

لذلك، سنركز في قراءتنا النقدية هذه على سيميائية الغموض مع تفعيل تقنية “الزوم” على عتبات النص، من العنوان مروراً بدلالة اللون الأسود، وصولاً إلى رصد جمالية البنية السردية وفنية الصور البيانية.

 هل تحتاج الرواية البوليسية إلى محقق شرطة؟

قبل الغوص سيميائياً وبلاغياً في هذه التيمات، لنتساءل أولاً: هل الرواية البوليسية تحتاج بالضرورة إلى محقق في مجال الأمن والشرطة؟ وقبل ذلك، هل الرواية البوليسية هي التسمية والنعت الصحيح لهذا النمط الروائي أم هناك مسميات أخرى؟

للإجابة عن التساؤل، يكفي العودة إلى أشهر روايات هذا النمط من السرد، فنجد أن كاتبيها ليسوا بمحققين أو عمداء ولا علاقة لهم بمخافر الشرطة؛ فأجاثا كريستي التي أبدعت “موت فوق النيل” كان مصدر إلهامها مطبخها وليس مكتب التحقيقات، ونجيب محفوظ الذي ألف “اللص والكلاب”، وأيمن العتوم الذي كتب “يا صاحبي السجن” استمدا فكرتهما ومادتهما الروائية من الأحياء الشعبية لا من الملفات الجنائية. الأمر نفسه ينطبق على عبد الله العروي في روايته البوليسية “غيلة” فقد كان مدرساً لا مفتشاً، وكذا الروسي دوستويفسكي في رائعته “الجريمة والعقاب”، والإيطالي أمبيرتو إيكو مبدع “اسم الوردة”.

صحيح أن رواية “الأرملة السوداء.. لن أعود” -موضع تحليلنا- تشكل في هذا الباب استثناءً باعتبار أن كاتبها (شادي محمد بن راضية) فرد ممارس متمرس في صفوف رجال الأمن، إلا أنه يحسم الجدل في افتتاحية الرواية بإخبار المتلقي أن الأحداث ليست واقعية، إنما هي من وحي خياله الخصب ورؤيته المبدعة، والتي عبر عنها بقوله: “إن كانت شخوص الرواية ضرباً من الخيال، إلا أنها تلمس وقائع حقيقية قد حدثت أو قد تحدث”.

 عناصر التشويق والبنية السردية

بما أن الخيال رهين بالغموض والتشويق، فإن هذا النمط الروائي يقوم في بناء أحداثه على هذين العنصرين إضافة إلى التمويه والتحقيق، باعتبارها ضرورة تقنية تقتضيها البنية السردية والوظيفية. وتستمد رواية بن راضية جاذبيتها من هذه العناصر التي تأسر القارئ. كما يميز الرواية أن مبدعها تطرق في افتتاحيتها إلى جذور وتطور الرواية البوليسية، بدءاً بأول جريمة قتل في التاريخ (قابيل وهابيل)، مروراً بنشأة الرواية البوليسية مع “إدغار آلان بو”، وصولاً إلى العصر الذهبي مع أجاثا كريستي وآرثر كونان دويل. ويبدو أن الكاتب قد استفاد من الرواد، إذ تميزت روايته بتجريب شكل متجدد ذي منحى بوليسي، خرج به عن مدار أعماله السابقة.

تقع الرواية في 105 صفحات، وتبدأ بجريمة قتل بشعة (مقتل طلال عباس) ليلة زفافه، مع إبقاء التفاصيل غامضة، خاصة بعد ظهور جريمة أخرى وهي مقتل جارته الشقراء “غالية” التي وُجدت جثتها في بحيرة وعنقها مطوق بوشاح أبيض مكتوب عليه بحروف متناثرة (ع، ل، و، ن، أ، د). هذا الوشاح والحروف سيُعثر عليها قرب جثث أخرى، ليتبيّن أن الجاني قاتل متسلسل وُصف إعلامياً بـ “سفاح النساء”.

بعد عشرين سنة، تلتقي “ريتا” بالمحقق “داني” الذي يقرر إعادة فتح التحقيق، ليفك شفرات اللغز في رحلة مفعمة بالإثارة والتشويق تنتهي بالوصول إلى الحقيقة. لكن الصدمة الكبرى تظهر في نهاية الرواية بعد أن استفاقت “ريتا” من غيبوبتها التي دامت أسبوعاً، ليطرح السؤال: من هو المجرم الحقيقي؟ وما هي الدوافع؟ وهل كانت هناك جريمة أصلاً؟

سيميائية عتبات النص

من خلال مسح سيميائي بسيط للمؤشرات الخارجية، نقف على مكون الغموض في دلالاته:

  • عتبة العنوان: العنوان يمثل الناطق الرسمي للنص؛ جاء من حيث التركيب مكوناً من مركب اسمي (الأرملة السوداء) ومركب إسنادي (لن أعود) بينهما نقاط حذف تشير إلى تفاصيل مبهمة. أما دلالياً، فيحيل على امرأة فقدت زوجها، والسواد قد يدل على لون البشرة أو الحالة النفسية والاجتماعية. وبفتح مسار التأويل، قد يحيل المكون اللساني على “مدينة جنوب الصحراء” أو دولة تعاني من أزمات.
  • دلالة اللون الأسود: حضور اللون ليس اعتباطياً، بل يمتلك سيمياء تشكيلية ذات رسالة. فالأسود في الرواية يعبر عن حالة نفسية، وقد ورد في حوارات الرواية (ص 67) وفي وصف الفساتين (ص 70 و99) ليعبر عن حزن الزوجة “ريتا” بعد فقدان زوجها.

شخصيات الرواية

تعتمد الرواية على “نظرية تأثير الفراشة” في الربط بين الشخصيات:

  1. الشخصيات المحورية: ريتا صباغ: زوجة الضحية، تعرضت لتحولات نفسية حادة من الهدوء والمرح قبل الجريمة إلى الانطواء والكآبة بعدها.
    • المحقق داني: شخصية مهنية، ذكية، وغامضة (شاعر وأديب)، وهو المحرك الأساسي للأحداث.
  2. الضحايا: طلال عباس (الزوج)، غالية (الجارة الشقراء)، ماري دياب، ولارا.
  3. المشتبه بهم: هادي الصافي (المصور).
  4. شخصيات مساعدة: العميد كامل زيتون، المفتشة سارة، الطبيب النفساني هاني، وشهود عيان.

البنية السردية والأسلوب

تجلت البنية السردية من خلال تقنيات متعددة:

  • الحوار: تباين بين “المونولوغ” والحوار الخارجي، ونجح الكاتب في تكييف لغة الحوار حسب طبيعة الشخصيات (حوار المحقق يختلف عن حوار العشاق).
  • الوصف: استُخدم لتعميق الإحساس بالغموض، مثل وصف “الجسد البارد المخضب بالدماء”.
  • التضمين: إقحام الشعر (قصيدة “لن أعود”)، وأدب الرسائل، والمذكرات الرسمية، مما أغنى النص تناصياً.
  • الزمان والمكان: اعتمد الكاتب “الفلاش باك”. ينقسم الزمن إلى (زمن الرواية) الممتد لعشرين سنة، و(الزمن الحقيقي) وهو أسبوع الغيبوبة. أما الأمكنة، فقد هيمنت عليها الأماكن المغلقة (مكاتب، عيادات، غرف) كدلالة على الكتمان والعزلة.
  • اللغة والصور البيانية: اعتمد الأسلوب السيكولوجي (الفرويدي) لاستمالة القارئ، وتنوعت الصور بين التشبيه المفصل والبليغ، والاستعارة (المزهوة بالكآبة)، والكناية (سفاح النساء).

خاتمة

نجح الأديب شادي محمد بن راضية في تجريب الرواية البوليسية بذكاء، موازناً بين عناصر التشويق وبلاغة السرد. لم يكتفِ بالجانب التقني للجريمة، بل استثمر الصور البلاغية لتعميق المعنى. وفي النهاية، يؤكد هذا العمل أن “أدب الجريمة” ليس حكراً على أهل الاختصاص الأمني، بل هو فن يلتزم بعناصر البناء السردي لإثارة استراتيجية التأويل وتحقيق جمالية التلقي.

  ناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً