فعل الكتابة
نجاة الزباير.. حين تسكن الأبجدية مرافئ الروح

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح
المحور الأول
شاعرة وناقدة وصحفية..
عضو اتحاد كتاب المغرب، وفاعلة ثقافية في المشهدين العربي والدولي. تشغل رئاسة تحرير كتاب أفروديت الدوري، وسبق لها أن كانت عضوًا في الهيئات التحريرية والاستشارية لعدد من المجلات والمنتديات الأدبية بالمغرب والعالم العربي.
حازت جائزة نعمان العالمية للشعر بلبنان (2006)، وكرّمتها الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب (2007)، كما حصلت على درع التميز في مجال الشعر من مصر 2016، إلى جانب جوائز وشهادات تقديرية أخرى. تُرجِم شعرها إلى عدة لغات، وشاركت في أنطولوجيات شعرية عربية وعالمية، مع حضور نوعي في الملتقيات والمهرجانات الثقافية.
الإصدارات:

الدواوين الشعرية:
- ديوان: أقبض قدم الريح 2007 دار وليلي للطباعة مراكش المغرب
- ديوان قصائد في ألياف الماء 2009المطبعة الوطنية بمراكش
- ديوان لجسده رائحة الموتى 2010 المطبعة الوطنية بمراكش
- ديوان فاتن الليل / 2012 مطبعة وليلي بمراكش
- ديوان ناي الغريبة / 2013 المطبعة الوطنية بمراكش منشورات أفروديت
- خلاخيل الغجرية عام 2014 منشورات أفروديت
- جدائل الليل / 2023 عن درا رنة للنشر والتوزيع بمصر 2023
- يد تقود عماي/ 2024 عن بيت الشعر بالمغرب
الكتب
- “فواكه الصرخة نظرات في عالم التشكيلي المغربي محمد البندوري” 2009 المطبعة الوطنية بمراكش
- “بوابات منفتحة الأشداق” خاص بشعر عبد العاطي جميل .منشورات أفروديت،دار وليلي للطباعة 2001 مراكش المغرب.
- “فاكهة العوالم فوق مائدة الولائم” 2004 دراسة خاصة بديوان و”لائم المعارج” للشاعر أحمد بلحاج آية وارهام الصادر عن منشورات المشكاة بالدار البيضاء.
- “رسائل ضوء وماء”، 2011 مطبعة وليلي بمراكش ( شعر/ نثر)
- “حكايات شهرزاد النقدية” الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام الشارقة، ضمن كتاب الرافد 2016.
- قناص ببندقية من ورق.. إطلالة على طرائد الشاعر عبد الرحيم الخصار/ 2023 . منشورات أفروديت
- بك.. اكتفيت . منشورات رنة للتوزيع بمصر 2023

من بين الكتب التي اهتمت بدراسة شعرها:
- أنوار تتفيأ معناي، وقد صدر عن منشورات أفروديت2015، شارك فيه نقاد مغاربة وعرب
- حواس الأنوثة – 30 شاعرة في فضاء قصيدة النثر” للشاعر والناقد المصري عبد الله السمطى، بيروت 2016
- كطعم العذارى ..دراسات نقدية في شعر الشاعرة المغربية نجاة الزباير”للشاعر الدكتور أحمد بلحاج آية وارهام، منشورات أفروديت 2013
- فصول نقديَّة في الأدب السعودي الحديث- جزءان. (الرِّياض: كرسي الأدب السعودي- جامعة المَلِك سعود2014).). أ.د. عبد الله بن أحمد بن علي الفَيْفي
- “شعرية اللغة والرؤيا في الشعر المغربي المعاصر” للباحث المحجوب عرفاوي، منشورات فرع اتحاد كتاب المغرب بالفقيه بن صالح. الطبعة الأولى 2015.
- مواجهة النص الشعري المعاصر (إضاءات نقدية وقراءات تحليلية في نصوص مختارة) 2015 د. مقداد رحيم

حين تخاصمَ بعضِي.. عليكْ
1
حملتَ حقائبك ولم تلتفتْ
وضعتَ فيها أشياءك
شالكَ القرمزي
وأوراقك المكتوبةِ بنور الشمس
وابتساماتِ كل من حولك.
كنتَ تشد حزام روحك كي لا تتساقطَ
جمعتَ ظلكَ
ضوءكَ
وخيباتٍ كانتْ..
2
رميتَ بحزمةٍ من القصائد
كنَّا فيها عاشقين حافيَا القلبِ
وصُورًا رسمها الليلُ الأزْرَقُ
أخذتَ معكَ رائحةَ المكانِ
واغتلتني في المنتصفْ.
ـ خُذني معك
فلا أحدَ لِي سوايَ.
زهرة النعناعِ التي وضعتهَا في كفِّي
أزهرتْ بعبق اسمكَ. قلتُ
3
فتحت قلبك للعابرين
مرت عرباتُهم على جثتي
مثنى وثلاث..
كتبتُ لك رموزا رسمها الحطام
دندنتَ بلحن أغنية خائفة
وهاجرتَ نحو العاصفة.
4
لاشيءَ يحدث في غيابكَ
غيرَ وجعٍ يسألُنِي عنكَ
قلتُ بيْنِي وبَيْني:
لعلك تأخرتَ في جَمْع بعْضِي
ونسيتَنِي قُربَ بابِ اُلحَنِينْ.
مرَّتْ من قربي سنديانةٌ كانتْ لنَا
غَطَّتْ عَيْنَيَّ
فرأيُتني هناكَ حيثُ لا أَنَا
فزعتُ..
دُلَّني على ذلكَ الرَّصِيفِ الأَعْمَى
حيثُ كانتْ فراشاتُ الْمَسَاءِ
تطوفُ حولَ خِيَامِ الكلامِ
تصرخُ بِي :
ـ إلى مَتَى تنتظرينَ مَحَطَّةَ الوُصُول
ـ هل أقفزُ من سقْفِ المجازِ
كَيْ يَرْثِيَنِي بقصيدةٍ للغِيَابِ؟
ويقول : كانتْ بَعْضِي الذي ضَيَّعْتُهُ
وقلبِي الَّذِي تناسيته هناك
حين حملتُني على عجل. أجبتُ
5
حاولتُ احتضانَ فَوْضَايَ
هو الغياب يقرع كؤوس ذكرياتٍ
تجرحُ انكِسَارِي
لم تبقَ من أحاديثنَا الطويلة
سوى حرفين..
أُفْصِحُ من خلالهِمَا عنْ هوًى كانَ
ـ أَعِدْنِي لِنقْطَةِ البِدَايَةِ
وانتظرْنِي كَيْ أَنْسَانِي
لعل البحرَ الحزينَ يحملُ بَقايَايَ
نحوَ رحلتِنا الأخيرة.
1يناير 2025
سيدة القِطَار
عُبَابُ البيَاضِ يَجْتَاحُنِي
كَمَا قَطَرَاتَ حُزْنٍ
تَسْجُنُنِي بَيْنَ خُطَى الرِّيحِ
أَنَا اُلْمُسَافِرُ…
إِلَى أَرْضٍ بِلَا عُنْوَانٍ
وَحْدَهُ طِينُ حُلْمِي
يَنْتَعِلُنِي
كَيْ أَلْقَانِي.
1
بَيْنِي وَبَيْنهَا نقطتَا ندًى
ـ “آسفةْ سَيِّدِي ..” قَالَتْ
وَاُنقَسَمَ الْهَوَاءُ بيننَا
واحدٌ فِيهِ عِشْقِي
والآخرُ لهَا
يَتَسَكَّعُ فِيهِ اُنْدِثَارِي
وَأنَا أذُوبُ فِي أَحْدَاقِهَا.
2
مِثْلَ الشِّتَاءِ تَعْبُرُ خَلاَيَايَ
تَنْثُرُنِي قَمْحًا لِلْهَوَاجِسِ
وَقَلْبِي قَدَحٌ
مُعَطرٌ بِبُنِّ الشَّوْقِ
يَشْرَبُ منهُ صَمْتُهَا
كَيْفَ أُلَمْلِمُ ذُبولِي
وَهِيَ تَجْلسُ بَيْنَ اُنْكِسَارِي
ومَلاَمِحِي تُهَرْوِلُ نَحْوَها؟
3
كُلُّ اُللَّيَالِي تَنَامُ فِي حِبْرِي
أَجْمَعُ مَا تَنَاثَرَ مِنِّي
وَأُعُدُّ أَنْفَاسِي بَيْنَ اُلْعَتَمَاتِ
وَهَذِهِ اُلْقَصِيدَةُ
تَقُدُّ قَمِيصِي مِنْ قُبُلٍ
أَصْعَدُ فِي كُلِّ الصَّرَخَاتِ
مُهَاجِرًا فِي جَسَدِي
تَفِرُّ مِنِّي يَدَايَ نَحْوَهَا
هِيَ اُلْحَيْرَةُ تَحْمِلُ حَقَائِبِي
تَسْرِقُ نَهَاري مِنِّي
فَأَرَانِي وَتَرًا بينَ كَفَّيْهَا.
4
مُسافِرٌ…
أَرتَعِشُ من هَذَا التِّرْحَالِ
تتَّسِعُ أَزْمِنَتِي
وكأَنَّ حَبِيبَتيِ تَطْرُقُ بَابَ حَوَاسِّي
لَكَنَّ الأرَقَ يُمْسِكُ بي
وأنا أهُمُّ بفتحِ أزْرَارِ المَاءِ
فَتُغْلِقُ الأحْلاَمُ أبْوَابَهَا.
5
نَايُ المساءِ يُنَادِمُني
وهذا الأَنِينُ المنهمرُ مِنْ أصَابِعِي
يقرأُ ضَوْضَاءَهُ غُربَاء
عَبَرُوا أَدْغاَلَ الْعَتَمَاتِ
قَالُوا: ـ لا تَخَفْ…
كَانتْ تَأَوُّهَاتُ صَدْرِي
أَلْوَاحَ عِشْقٍ
أربَكَتْنِي قَصَائِدُ مَنْ مَرُّوا
تَجَوَّلْتُ فِي تَضَارِيسِهَا
فَهَرَبْتُ إِلَيّْ
أُصْغِي لِنَهْرِ دَمِي
يَكْتُبُنِي ظِلاًّ بَاهِتًا
لاَ أَرَى فِيهِ
غَيْرَ اُضْطِرَابِي وَحُسنِها.
6
حَفظْتُ عنْ ظَهْرِ قَلْبٍ
كُلَّ شِعَابِ اُلْهَوَى
وَعَمَّتْ ضُلُوعِي سَكينَةٌ
وأَنَا أَقْرَأُنِي بَيْنَ سُطُورِهَا.
7
كَانَ القِطَارُ يَحْسُو شغَفِي
فَرَّتْ خُطُوَاتِي نَحْوَها
لكِنِّي لَمْ أَجِدْ غيرَ عوِيلٍ
يضُجُّ بهِ مَكَانُهَا.
ـ يا لَيْتَنِي اعترفْتُ
لِكُحْلِ عينيْهَا
بأنِّي أعْمَى يَقُودُنِي هَوَاهَا
فربَّمَا انبَلجَ نُورُهَا
وقالتْ: سَنَلْتَقِي…
اُبْتِسَامَةُ اُلْمُونَالِيزَا…
أنَا لَا أُحْسِنُ طَرْقَ بَابِكَ
أَقِفُ كَتِمْثَالٍ مِنْ رُخَامٍ
تَفْتَحُ اُلْقَصِيدَةُ نَافِذَتَهَا
تَتَّكِئُ عَلَى جُرْحِي
– سَلَامٌ لِقَلْبِكِ اللاَّهِثِ. تَقُولُ
ثُمَّ تَوَارَتْ خَلْفَ حَيْرَتِي
مَازِلْتُ أَنْتَظِرُ اُنْثِيَالَاتِهَا
لكَنَّ تَبَارِيحَهَا
تُقَيِّدُ شَرَايَينَ رَاحَتِي
أَنْزِفُ صَمْتًا
ـ أَيْنَ أنتِ؟
مَازِلْتِ بَيْنَ اُلحُلْمِ وَاُلوَهْمِ !!
تَقُولُ وَهِيَ تَغْمِزُ وَقْتِي.
ـ هَلَا فَتَحْتِ لِي مَقَامَاتِكِ
كَيْ أَنَامَ
فَأَرَقُ أَزْمِنَتِي كَسَرَنِي مَرَّتَيْن؟
أَدْخَلَتْنِي قَاعَةَ اُلْمَجَازِ
كَانَتِ اُلْجُدْرَانُ بِلَا لَوْنٍ
وَكَانَ الظَّلاَمُ يَنْشُرُ سِهَامَهُ
ـ أَضِيئِي اُلرُّوحَ. قلتُ
أَشْعَلَتْ فِي يَقْظَتِي مِصْبَاحَهَا
ـ تَعَالَيْ. قَالَتْ عَنَاوِينُهَا
وَجَرَّتْنِي بَيْنَ يَدَيْ فَجِيعَتِي
أَيْنَ أَنَا ؟!!
لاَ هَوَاءَ يَدْخُلُ رِئَتِي
غَيْرَ دَهْشَةٍ تُصْغِي إِلَيْ
أَمِيلُ كَيْ أَعْبُرَ نَحْوَكَ
لَكِنِّي وَجَدْتُنِي فِي مَنْفَايَ
اُلْأَشْيَاءُ تَتَشَابَهُ أَجْنِحَتُهَا
أُمْسِكُ بِهَا كَيْ أُحَلِّقَ بَعِيدًا
أَعُودُ لِزَاِويَتِي
أَبْحَثُ عَنْ شَمْسٍ تُغَنِّي بِصَوْتٍ خَفِيضٍ
وَظِلٍّ يُدِيرُ ظَهْرَهُ لِلْغَابَات
فَتَسْرِقُنِي اُللُّغَةُ مِنِّي
وَكُلَّمَا تَمَسَّكْتُ بِأَغْصَانِ اُلضَّبَاب
أَمْطَرْتُ مُوسِيقَى
لاَ تَسْمَعُهَا غَيْرُ مَحَّارَةٍ
تَغْفُو بَيْنَ اُبْتِسَامَةِ اُلمُونَالِيزَا.
الحـــــــــــــــــوار
3- كيف ترى المبدعة نجاة الزباير الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟
دعني يا سيدي أجوب بك ديار الكتابة كما فعل قيس حين كان يطوف بديار ليلى، فأشعلَ شمعة كي أستضيء بها وأنا أخبرك عني وعنها.
أن تكتب معناه، أن تتناثر عطرا وأنت تبني من حبرك جسرا بينك وبين الآخر، وتحاول أن تخلق من الكتابة منفى تسكن فيه، وأنت تستمتع بهوائه وتستظل بشمسه.
هي همس البحر حين يعلو ضجيج الحياة، ولهفة تعانقك حين تستقبل روحك أمطار معناك .
أو ليست الكتابة إذن؛ وعدا خفيا بأن ما ينكسر في الداخل يمكن ترميمه بالكلمات، وأن ما يضيع في الزحام، يعود أكثر صفاء حين يُنقش على بياض الروح.
نكتب لا لنقول كلّ شيء، بل لنترك فراغًا يتنفس فيه القارئ، وليجد نفسه بين السطور كما لو كان ينظر في مرآة.
فالكتابة في نظري؛ هي أن تُصغي لرجفة المعنى قبل أن يصير لغة، وهي لحظة صدق عارية، حين يتساوى الجرح والحلم، وعندما يصبح البوح شكلًا آخر من أشكال النجاة.
أما رسالتها؛ فهي أن الكلمة الصادقة قادرة على إنقاذ الإنسان من العزلة الداخلية، حتى وإن لم تُغيّر العالم من حوله.
4 – من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟، وما أول نص كتبته؟ أو عمل بارز في بداياتك
دعني يا سيدي، أعود خطوات نحو سونيتات مخفية في الذاكرة، لعلي أصطاد نوتة تعيد إلي شيئا مما كان…
كنت مثل فراشة تحاول الريح أن تصطاد جناحيها وترمي بها في نار الأبجدية. راوغتها ، لكن حبي المشاكس للحرف جعلني أتوسد ضوءه.
كان النهار معشب الخطوات، وكنت أجري وضفائر صباي تصرخ بي: هلمي إليّ، جلست يوما تحت شجرة الكون، أتأمل العمر يترنح تحت تأثير كُتاب كانوا مثل فانوس علاء الدين. وكان قلبي الصغير، كسيزيف، يحاول عناق كل الذين مروا.
هناك، بدأ الشعر يناديني، هي الغواية تضع لبناتها في سقف وجودي، فكانت الخواطر دربي الأول، ثم جريت غجرية في صحراء الخيال، وكتبت القصائد الأولى التي كانت خجولة وهي تستقبلني بعثراتها، لكني أصررتُ على المضي، لأن شيئا عميقا في داخلي كان يناديني:
هذا طريقك فاسلكيه..
وهكذا مشيت في درب الشعر .
5 – أي صنف من الكتابة تجدين فيه ذاتك أكثر حين تكتبين (شعر، نقد، رواية)، ولماذا؟
أجدُ ذاتي أكثر في الشِّعر، لأنّه الأصدق حين أكون عاريةً من الأقنعة.
أتعرف يا سيدي معنى أن تكون عازفا متجولا بين القصائد؟، وأن ترقص نغماتك على أغصان الريح، فتمشي خلف مشاعرك تردد: “وما الحب إلا للحبيب الأول” .
هكذا كان الشعر غرامي الأول ، يطرق بابي كل مساء، لم أكن أعرف حقيقته آنذاك، لكنني كنت أحييه وأتوارى بيني وبيني، كأنه نافذة أستنشق منها هواء الحرية، وحين منحتني الحياة تأشيرة المرور إلى عوالمه، انسكبت على أرضه، كطفلة صغيرة تملأ كفيها بالسكر والياسمين.
كنت وحدي..وكانت القصيدة رفيقتي، أسامرها كلما رغبت في شرب قهوة اندثاري، فتجمع شتاتي، وتمسح دمع يراعي الذي طالما سكن بين المفردات.
أليست القصيدة بيتا مؤقّتًا للناجين من ثقل الأيام؟
أما النقد فقد جاء لاحقًا بوصفه وعيا آخر بالجمال. في البدايات كنت ألتقط القصائد التي تصطادُ مشاعري ، فكانت قطرات حبر تجمّعت لاحقًا في كتاب “حكايات شهرزاد النقدية”. ومن هناك بدأت مسيرتي الأعمق مع النقد الأدبي؛ مسيرة لم تأتِ مصادفة، بل جاءت كحاجةٍ لفهم ما وراء النص، وما يخفيه الشعر من طبقات الدلالة والرؤى. تناولت تجربة عبد العاطي جميل، وأحمد بلحاج آية وارهام، ثم الشاعر عبد الرحيم الخصار. ولم يكن النقد عندي فعلَ تفكيكٍ بارد، بل شغفًا موازيًا للكتابة، ورفيقًا جديدًا للقصيدة.
أما الرواية فهي رحلتي الأخرى إلى نهر الحكاية، حين لم تعد القصيدة تتّسع لكل هذا العمر. فإذا كانت القصيدة ومضة، فالرواية ليلٌ كامل، أسهر فيه على المعنى، وأعبر بين الفصول كما يعبر الراوي دروبَه، لا يلتمس نهايةً، بل يصغي لحياةٍ تتشكّل على مهلٍ…
وقريبًا ستكون إحداها بين يدي القارئ.
.6 – ماذا حققت المبدعة نجاة الزباير في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها؟
سؤالك سيدي، يجعلني في تماسٍّ مباشر مع الحيرة ، لأن ما أنجزته في مجال الكتابة لا يقاس بمنطق “الكمّ” و “الظهور”، بل يتجاوزهما نحو السعي إلى تأسيس حساسية كتابية واضحة المعالم، أشتغل عليها بوصفها مشروعًا وجوديًا قبل أن تكون مسارًا مهنيًا.
أولًا: بناء صوت كتابي خاص
حرصتُ منذ بداياتي على ترسيخ صوتٍ كتابيٍّ يتكئ على الداخل الإنساني بوصفه منبعًا للرؤية، لا مجرد مادة للتعبير. كتاباتي، شعرًا ونثرًا نقديًا، تنطلق من الصدق العاطفي ، ومن محاولة تحويل التجربة الشخصية إلى أفق دلالي مشترك.
ثانيًا: المزاوجة بين الإبداع والنقد
من أبرز ما اشتغلت عليه هو التحرك الواعي بين ضفتي الإبداع والتحليل. لا أكتب الشعر بوصفه انفعالًا حرًّا فقط، بل أقرأ النصوص بعين نقدية تمتلك أدواتها، هذا التداخل منح كتابتي عمقًا معرفيًا، وجعل النقد عندي امتدادًا للرؤية الشعرية، لا قطيعة معها.
ثالثًا: الاشتغال على ثيمات كبرى بوعي جمالي
انشغلتُ في كتاباتي بثيمات كبرى، بوصفها بُنى فكرية وجمالية. لا موضاعات عابرة. حاولتُ تحويل الألم إلى معرفة، والخراب إلى سؤال، والاقتراب من المأساة الإنسانية بلغة لا تُجمّل العنف ولا تستثمره عاطفيًا، بل تكشف أثره العميق في الكائن.
رابعًا: وعي لغوي وتشكيل دلالي
أولي اللغة عناية خاصة، فالجملة عندي مبنية إيقاعيًا ودلاليًا، سواء في النص الشعري أو النقدي، مع ميل واضح إلى التكثيف، والصورة المركبة، والاقتصاد البلاغي الذي يحفظ للنص توتره الجمالي.
خامسًا: موقعي داخل المشهد الثقافي
اخترتُ حضورًا نوعيًا لا صاخبًا؛ حضورَ الكاتب الذي يراكم بهدوء، ويؤمن بأن الكتابة ليست سباق انتشار، بل مشروعًا طويل النفس. وأعدّ هذا في حدّ ذاته إنجازًا، خصوصًا في زمن تطغى فيه الكتابة الاستهلاكية على التجارب المتأنية.
وما أسعى إلى تحقيقه هو بناء تجربة كتابة صادقة، واعية، ومتطورة، قادرة على العبور بين الشعر والنقد، وبين الذات والعالم، دون أن تفقد بوصلتها الجمالية أو الأخلاقية، وهي تجربة ما تزال مفتوحة على مزيد من التبلور والتأثير.
المحور الثاني
7- ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدعة في صنف الكتابة التي تمارسيه (شعر، نقد، رواية) وكيف تتعاملين مع “حصار الكلمات” أو ” جفاف الإلهام”
أواجه مجموعة من التحديات التي لا تنفصل عن طبيعة مشروعي الكتابي ذاته. فالكتابة التي أؤمن بها لا تقوم على الاستهلاك السريع، بل على التأنّي والوعي، وهذا ما يجعل الاستمرار دون التفريط في العمق أحد أبرز هذه التحديات. ففي زمن السرعة والضجيج، يغدو الحفاظ على نبرة هادئة ومخلصة للنص فعلَ مقاومةٍ يومي.
ومن التحديات الملازمة لتجربتي أيضًا الموازنة بين الأجناس التي أكتب فيها: الشعر، والنقد، والرواية. فالتنقّل بين هذه الحقول يفرض يقظة دائمة، حتى لا يطغى صوتٌ على آخر، أو تذوب الخصوصيات الجمالية لكل جنس. أسعى إلى أن أمنح كل كتابة شروطها وإيقاعها الخاص، من دون أن أفقد الخيط الداخلي الذي يجمعها.
ثمّة كذلك تحدّي العزلة، تلك التي أختارها أحيانًا بوصفها شرطًا للكتابة. وغالبًا ما تُساء قراءتها باعتبارها غيابًا، بينما هي في حقيقتها مساحة للتخمّر الإبداعي، والتحدّي هنا أن أُحوّل العزلة إلى طاقة خلاّقة، لا إلى انقطاع.
ويمكن القول إنّ أكبر تحدٍّ أواجهه هو أن أظلّ وفيّةً لصوتي وسط تبدّل المشهد، وتعدّد الأدوار، وتقلب التلقّي. غير أنّني أؤمن بأن هذه التحديات نفسها هي ما يمنح تجربتي معناها، ويجعلها قادرة على الاستمرار والتطوّر، لأنها تجربة تقوم على الوعي لا على المجاراة
أما بخصوص الشقّ الثاني من السؤال، فأنا لا أؤمن بـ”جفاف الإلهام” بقدر ما أؤمن بـ”تعب الروح”. فحين تحاصرني الكلمات، لا أُجبرها على الخروج؛ لأنني تعلّمت أن الكتابة ليست اقتحامًا، بل استجابة. في تلك اللحظات أعود إلى القراءة بوصفها فعلَ إنصات عميق لما كُتب قبلي، ولما يعترم في داخلي، فأفسح للصمت مكانه، لأنه عنصرٌ أصيل في الكتابة.
هكذا؛ أكتب أحيانًا دون نيّة النشر، وأغيّر علاقتي بالزمن؛ لا أستعجل النص، لأن النص الذي يُكتب تحت الإكراه غالبًا ما يفتقد روح الجمال.
وحين يطول الحصار، أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا وصادقًا: هل أحتاج حقًا أن أكتب الآن؟
أحيانًا تكون الإجابة: لا. وتلك الـ”لا” نفسها شكلٌ من أشكال الأمانة مع الكتابة.
.8- هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك
أنا ابنةُ أمكنةٍ علّمتني الإصغاء قبل الكلام. فالأرض التي مشيتُ عليها طويلًا تركت غبارها في نصوصي، والبيوت التي عبرتها سكنت استعاراتي، والطرقات التي حفظت خطواتي علّمتني إيقاع الجملة.
المكان لا يدخل كتاباتي من باب الوصف المباشر، بل يتسرّب إليها كنبض؛ هناك مدينة تُبطئ لغتي، وأخرى تُسرّعها، فضاء يضيق فيتكثّف المعنى، وآخر يتّسع فتتنفّس الصورة.
أما الثقافة، فهي الذاكرة التي لا تنام. فالموروث الشعري والصوفي يجري في دمي دون استدعاءٍ مقصود؛ يظهر كظلٍّ خلف الكلمات، أو كحكاية سمعتها ذات مساء وبقيت تتردّد في داخلي.
في نصوصي، لا أسمّي المكان، لكنّه يحضر في تفاصيل صغيرة، نافذة مفتوحة على الريح، موسيقى كمانٍ حزين، شجرة تعرف أسماء العابرين، أو صمتٍ ثقيل يشبه صمت المدن المتعبة. هكذا تتسرّب الجغرافيا إلى القصيدة، لا كخارطة، بل كحنين.
أكتب من مكانٍ محدّد، نعم، لكنني أترك للنصّ أن يسافر، فالمكان يمنحني الجذور، والكتابة تمنحني الأجنحة.
9 – كيف ترين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تجربتك الإبداعية؟
إنك تعرف يا سيدي كيف يكون دثار القراءة؛ فهي أشبه بشالٍ شتويّ يَقينا صقيع الوجود، غير أنها في مسيرة المبدع ليست ملاذًا فحسب، بل تمرينٌ خفيّ على الكتابة نفسها. فمن القراءة نتعلّم الإقامة في المعنى والتقاط نبرته، إذ إنّ القراءة والكتابة علاقتان متلازمتان، لا تقوم إحداهما دون الأخرى.
فالقراءة ليست فعلا عابرًا بين الصفحات، بل نوافذ مفتوحة على أصواتٍ وتجارب أخرى، وعلى عوالم تُغنّي وتتنفّس عبر الزمن والمكان. هي ذلك الثراء الذي يتسلّل إلى الداخل، ويغذّي اللغة والفكرة والصورة، ويُودِعُ في الذاكرة بذورًا تنبت لاحقًا في فضاء الكتابة . لتتحوّل إلى صدى خفيّ يمتزج بالتجربة الشخصية، فتتشكّل الجملة وهي محمّلة بذاكرة ما قُرئ.
وهكذا يولد النصّ، لا بوصفه تكرارًا لما قرأناه، بل بوصفه صوتًا جديدًا تشكّل من تفاعل القراءات مع الحياة، ومن احتكاك الخيال بالوجدان.
تمنح القراءة الكتابة عمقها وثراءها، والكتابة، بدورها، تعيد للقراءة نبضها الإنساني. فكل نصّ أكتبه أشعر أنّه يخرج من بحرٍ قراءات متراكمة، وكل قراءة تشعل في داخلي سؤالًا أو دهشة جديدة، تدفعني إلى إعادة النظر في اللغة والعالم والنص نفسه.
وفي هذا الحوار الدائم بين القراءة والكتابة، يتشكّل الإبداع الحقيقي؛ بوصفه رحلةً مفتوحة على الاكتشاف والتجريب، حيث تتقاطع المعرفة مع الإحساس، ويتداخل الخيال مع الوعي، ليولد نصّ يحمل المعنى والروح معًا. نصّ يربطني بالإنسانية، دون أن يفقد خصوصيته، ويجعل من القراءة ركيزة أساسية في بناء وعيي الفني والفكري، ومساحة دائمة للبحث عن الصوت الفريد الذي يميّز كل مبدع عن الآخر.
المحور الثالث
10- كيف ترين تجربة الكتابة في العالم العربي اليومي وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟ا
تقف تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم على عتبة تغير عميق، فرضته التحوّلات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أعادت رسم خريطة النشر والانتشار، وغيّرت طبيعة العلاقة بين الكاتب والنصّ والقارئ.
لقد أسهم هذا الفضاء المفتوح في بروز أسماء جديدة استطاعت تجاوز قيود النشر التقليدي، وفرض حضورها عبر نصوص وجدت طريقها مباشرة إلى القارئ. كما أتاح المجال لأصوات كانت، في زمنٍ آخر، ستظلّ على هامش المشهد الثقافي، محرومة من فرص الظهور والتفاعل.
غير أنّ هذا الاتساع لم يأتِ من دون كلفة؛ فوفرة النصوص الرقمية وسرعة تداولها أسهمتا في تراجع القراءة المتأنّية، لصالح استهلاكٍ سريع لا يمنح النصّ حقّه من التفاعل العميق. ومع هذا الإيقاع المتسارع، تسلّل كثير من الإنتاج السطحي إلى المشهد، ووجد لنفسه مساحة واسعة من التداول، ما أربك معايير الجودة وأضعف قدرة القارئ على التمييز.
كما أنّ الكتاب الورقي، بما كان يمثّله من طقسٍ قرائيٍّ هادئ ومساحة للتلقّي العميق، بدأ يتراجع أمام زخم النشر الإلكتروني، فتقلّصت معه قنوات الانتقاء النقدي التي كانت تُسهم، ولو نسبيًا، في فرز التجارب وتوجيه الذائقة. ويزيد من حدّة هذا التحدّي غيابُ مواكبةٍ نقديةٍ حقيقيةٍ لهذا الكمّ الهائل من النصوص، إذ لم يعد النقد قادرًا، في كثير من الأحيان، على الإحاطة بالإنتاج أو تقديم قراءات نوعية تُضيء الجيّد وتكشف الهشّ.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا الواقع بوصفه أزمةً خالصة؛ فالكثرة نفسها يمكن أن تتحوّل إلى فرصة، شرط وجود قارئ واعٍ يمتلك حسّ الاختيار، وناقد قادر على إعادة بناء معايير القراءة والتقييم.
إنّ ما يميّز المشهد العربي اليوم هو تعدّد الأصوات وتنوّع التجارب، وهو غنى حقيقي، غير أنّه يحتاج إلى وعيٍ ثقافيٍّ ونقديٍّ يحميه من الذوبان في الابتذال الثقافي.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ الكتابة العربية تعيش اليوم لحظة اختبار، إمّا أن تتحوّل إلى فعلٍ عابر تبتلعه السرعة، أو أن تعيد بناء علاقتها بالقارئ، وبالنقد، وبالزمن. ويظلّ الرهان، في جوهره، على النصّ القادر على الصمود، وعلى الوعي الذي يختار أن يمنح الكلمة معناها، وحقّها في البقاء.
11- ما رأيك في الكتابة النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية المتزايدة من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية
لم تعد الكتابة النسوية في العالم العربي سؤالًا طارئًا على المشهد الثقافي، بل غدت أحد مفاتيحه الأساسية لفهم تحوّلات الإبداع والوعي معًا. فهي كتابة تشكّلت داخل سياق اجتماعي وثقافي هيمن عليه المنظور الذكوري طويلًا، حيث كانت المرأة موضوعًا للخطاب أكثر من كونها ذاتًا منتجة له. غير أنّ العقود الأخيرة شهدت انتقالًا نوعيًا من الكتابة عن المرأة إلى الكتابة من داخل تجربتها الخاصة، وهو انتقال أحدث خلخلة عميقة في بنية السرد والشعر والنقد على حدّ سواء.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى الكتابة النسوية العربية بوصفها تيارًا واحدًا أو خطابًا متجانسًا؛ فهي كتابة تعددية، تتشكل من أصوات وخلفيات وتجارب مختلفة، لكنها تتقاطع في وعيها النقدي المشترك. إذ تحرّرت الكاتبة العربية تدريجيًا من ثنائية الدفاع والتبرير، وانتقلت إلى مرحلة امتلاك الخطاب، حيث لم تعد تكتب لإثبات أحقيتها في الكتابة، بل لإعادة مساءلة العالم من موقعها الخاص، وبأدوات فنية أكثر نضجًا ووعيًا.
أما عن ترتيب حضور هذه الكتابة المتزايد، فيمكن قراءته على مستويين متكاملين: كمّي ونوعي. فعلى المستوى الكمّي، تكشف الإصدارات السنوية المتنامية في الرواية، والشعر، وبقية الأجناس الأدبية، عن توسّع لافت في حضور المرأة داخل سوق النشر العربي. وهذا التراكم العددي لا يمكن التقليل من أهميته، لأنه أسّس لوجود مرئي وفاعل للكاتبة داخل المشهد الثقافي، وفرضها بوصفها جزءًا أصيلًا من الإنتاج الأدبي العام، لا هامشًا تابعًا له.
غير أنّ الأهم من الكمّ هو التحوّل النوعي الذي رافق هذا التراكم؛ إذ انتقلت الكتابة النسوية من الاشتغال على القضايا المباشرة إلى تفكيك البنى العميقة للسلطة، والهوية، والجسد، واللغة، والذاكرة، وهو ما أفرز نصوصًا ذات قيمة جمالية ومعرفية عالية، قادرة على منافسة أبرز التجارب الأدبية العربية، بغضّ النظر عن جنس كاتبها.
ويأتي حضور وسائل التواصل الاجتماعي ليشكّل منعطفًا حاسمًا في هذا السياق؛ إذ استثمرته الكاتبة العربية لا بوصفه مساحة للبوح العابر فحسب، بل كأداة استراتيجية لتجاوز آليات الإقصاء التقليدية. فقد مكّنت هذه الفضاءات من بناء جمهور مباشر، وخلقت علاقة جديدة بين الكاتبة والقارئ قائمة على الحوار والتفاعل، وأسهمت في اكتشاف أصوات شابة استطاعت لاحقًا العبور إلى النشر الورقي، بل وحصد الجوائز الأدبية الكبرى. وهنا لا يمكن فصل الجوائز عن هذا التحوّل، بوصفها أحد أشكال الاعتراف المؤسسي بنضج التجربة وقوة المشروع الإبداعي.
وعليه، يمكن ترتيب حضور الكتابة النسوية العربية اليوم بوصفه حضورًا مركزيًا ومتناميًا، لا يكتفي بإثبات الوجود، بل يعمل بثبات على إعادة تشكيل صورة الأدب العربي، وإعادة تعريف معاييره الجمالية والإنسانية. فالمرأة المبدعة لم تغيّر فقط موقعها داخل الكتابة، بل أسهمت، عبر التراكم والنضج، في تغيير مسار الكتابة العربية نفسها، من كتابة أحادية الصوت إلى أفق أكثر تعددًا، وعمقًا، وإنصاتًا للتجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل.
12- مع تطور التكنولوجيا هل تعتقدين أننا قد نستغني يوما عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق، وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي
رغم التسارع اللافت في التطوّر التكنولوجي، يصعب تصوّر أن يتخلّى الإنسان يومًا عن الكتابة بوصفها وسيلةً للتعبير أو التوثيق. فالكتابة ليست مجرّد أداة لتسجيل الأفكار، بل هي فضاءٌ للتفكير والتأمّل والتشكّل الذاتي. من خلالها يترجم الإنسان خبرته الداخلية إلى أثرٍ ملموس، ويعيد ترتيب وعيه، ويؤوّل العالم من حوله. كما تظلّ الكتابة إحدى أهم وسائل التوثيق التاريخي والثقافي، لما تمنحه من قدرة على ضبط الزمن، والدقّة في التفصيل، وعمق التحليل، وهي خصائص لا تستطيع الوسائط البصرية أو السمعية أن تحلّ محلّها بالكامل.
أمّا الذكاء الاصطناعي، ورغم قدرته المتنامية على توليد النصوص، وإعادة صياغتها، ومحاكاة أساليب لغوية وأدبية متنوّعة، فإنه يظلّ أداةً مساعدة أكثر منه بديلًا عن الكتابة الإنسانية. فثمة فروق جوهرية يصعب تجاوزها؛ أوّلها أنّ الكتابة الإنسانية تنبع من تجربة شخصية وشعور حيّ ووعي متحوّل، في حين يعتمد الذكاء الاصطناعي على أنماط لغوية وبيانات سابقة. وثانيها أنّ الإنسان قادر على ربط تجربته الفردية بسياقات فلسفية أو وجدانية أو نقدية تمنح النص عمقه ودلالته، بينما يظلّ هذا الربط لدى الذكاء الاصطناعي آليًا ومحدود الأثر. وثالثها أنّ لكلّ كاتب بصمته الخاصة وصوته الفريد، وهو عنصر لا يمكن استنساخه أو إنتاجه آليًا مهما بلغت درجة التقليد.
الأرجح، إذن، أنّنا لن نستغني عن الكتابة، بل ستتغيّر طبيعتها وطرائق ممارستها. ستغدو أكثر تفاعلية وتعدّدًا في الوسائط، حيث يتجاور النص مع الصورة والصوت والفيديو، ويغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا في العملية الكتابية، يساند في البحث والاقتراح وبناء المسودّات، بينما يظلّ الإنسان صاحب القرار النهائي في المعنى، والرؤية، والأسلوب.
وباختصار، يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة اللغة، لكنه يظلّ عاجزًا عن محاكاة التجربة؛ فبين النصّ الذي يُولَّد، والنصّ الذي يُعاش، مسافةٌ لا يمكن ردمها.
المحور الرابع:
13- ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
كتاب “اعترافات فتى العصر” لألفريد دي موسيه، ذلك النص الذي لا يقدّم الحب كخلاص، بل يكشفه كـوهمٍ جميل، ويعرّي الخيانة بوصفها جرحًا لا يندمل، ويتعايش مع صاحبه كذاكرةٍ مؤلمة، لا تُمحى.
علّمني هذا الكتاب أن نقرأ الإنسان كما هو، بعيدًا عن الصور المثالية التي نتصورها عنه، وأن الصدق في الكتابة يحافظ على العاطفة كما هي، وأن الألم حين يُكتب بوعي يتحوّل من شكوى إلى لغة، ومن خيبة شخصية إلى فهم أعمق للذات والعالم.
في صفحاته، رأيت الإنسان كما هو: متناقضًا، هشًّا، ومشدودًا أكثر إلى خسائره منها إلى أحلامه. هناك، أمام الكلمات، أدركت أن الكتابة ليست مجرد تسجيل للواقع أو للأحداث، بل مسار مغاير للفهم، ومفتاح لتفكيك التعقيدات الخفية في تجربة الإنسان، وإعادة النظر في ذاته عبر مرآة النص.
14 – ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبيه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟
أحلم أن أكتب كتابًا عن الإنسان حين تسقط عنه الأدوار، ولا يبقى معه سوى أسئلته الأولى.
كتابًا عن التحوّلات الصامتة، واللحظات التي لا يراها أحد لكنها تغيّرنا إلى الأبد.
عن الخسارات الصغيرة التي تصنع وعينا الكبير.
لم تتح لي الفرصة بعد لأنني ما زلت أنتظر اللحظة التي يتحول فيها الألم إلى معرفة، والتجربة إلى معنى، ويغدو الصمت نصًّا يستحق أن يُكتب.Bas du formulaire
15 – كيف ترى الإنسان نجاة الزباير المبدعة نجاة الزباير؟ ” سؤال للذات والتأمل”
ترى الإنسان نصًّا مفتوحًا لا يكتمل ولا يُغلق، يُعاد تشكيله مع كل تجربة، نصًّا يَحذف ويُضيف، يَنكسر ثم ينهض، يتألّم ليعرف، ويتأمّل ليبقى. كيانًا يواصل البحث، لا عن إجابة نهائية، بل عن معنى يستحق أن يُكتب.
16 – ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب”ة” وهل ترينها مقياسا حقيقيا للنجاح الإبداعي؟
تمنح الجوائز الأدبية الكاتب اعترافًا علنيًا بجهده، وتفتح أمامه فضاء أوسع للوصول إلى القارئ، كما تضيف إلى مساره قدرا من الثقة، لاسيما في بداياته. فهي ضوء يُسلَّط على النص، يُيَسّر له سبل النشر والقراءة والحوار، وقد يخفّف من عزلة الكتابة، ويمنح الكاتب شعورًا بأن صوته قد بلغ صداه.
غير أن هذه القيمة على أهميتها، لا تجعل من الجوائز مقياسًا نهائيًا للنجاح الإبداعي. فالإبداع أرحب من لجان التحكيم، وأعمق من لحظة تتويج عابرة.
كثير من النصوص العظيمة كُتبت خارج منطق الجوائز، وكثير من الكتّاب الحقيقيين لم يحملوا ميدالية، لكنهم تركوا أثرا ممتدا في الوعي والذاكرة.
فالنجاح الإبداعي في جوهره، يُقاس بقدرة النص على البقاء، وعلى ملامسة القارئ، وعلى إثارة أسئلة لا يبهت وهجها مع الزمن. الجوائز قد تُنصف نصًا، وقد تخطئ، لكنها لا تصنع الإبداع ولا تُلغيه. إنها محطة ممكنة في الطريق، لا غايته، ودليلٌ على لحظة توافق، لا على حقيقة مطلقة.
17 – ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
أسعى إلى مواصلة الكتابة بوصفها فعلَ وعيٍ لا استعجال فيه، وفضاءً للتأمّل والمساءلة، لا مجرّد إنتاجٍ متتابع.
من بين المشاريع التي أفكّر فيها كتابٌ يجمع بين السرد والتأمّل، ولا يخضع لحدود جنسٍ أدبيّ واحد، بل يترك للتجربة الإنسانية أن تقول نفسها بصدقها وتناقضاتها. كما أميل إلى النصوص المكثّفة، تلك التي تلتقط اللحظات الهامشية والتحوّلات الصامتة؛ لحظات قد تبدو عابرة، لكنها في العمق تصنع جوهر التجربة الإنسانية.
إبداعيًا، أطمح أيضًا إلى توسيع مساحة الحوار مع القارئ، عبر نصوص تُقرأ ببطء، وتراهن على الأثر الداخلي أكثر من سعيها إلى الانتشار السريع.
مشاريعي المقبلة ليست قطيعة مع ما سبق، بل هي استمرار لسؤال قديم بصيغة جديدة: كيف نكتب الإنسان دون أن نختزله، وكيف نكتب الذات دون أن ننغلق عليها؟
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي