مهرجان حلالة
كلمات وشهادات

حلالة القنيطرة.. حين يدفئ فن القول صقيع الشتاء
على ضفاف سبو، وتحت غمامٍ يسكب رذاذه بوعود الربيع، عاشت مدينة القنيطرة أيام 26، 27، و28 دجنبر 2025 عُرساً ثقافياً استثنائياً. فبإشراف من عمالة إقليم القنيطرة وبشراكة مع جماعة القنيطرة، وبدعم من مديرية الثقافة، نظمت جمعية مهرجان حلالة العربي لفنون القول دورتها الثانية، لتخلق موقداً فكرياً دافئاً جمع شتات المبدعين في زمن عزّ فيه اللقاء.
هذه الدورة ليست استعراضا عابر للقصائد، بل تحولت إلى موقد ثقافي رمزي، التف حوله المبدعون من كل فجٍّ عميق، ليصهروا جليد المسافات بوهج الكلمة الصادقة.
انطلقت الرحلة في ثنايا الكلمة باحتفالية مهيبة، كان عنوانها الأبرز الوفاء. فقد ازدان “ركح” المهرجان بحضور الدكتورة مليكة العاصمي، سيدة الحرف التي أطلت بشموخها الشعري المعهود، فكان تكريمها تكريماً لذاكرة القصيدة المغربية المعاصرة. لقد أضاءت العاصمي ليل القنيطرة بكلماتها التي لا تشيخ، مذكرةً الجميع بأن الشعر يظل الحصن الأخير للجمال في وجه القبح.
وفي سياق هذا الاحتفاء برموز العطاء، أبى المهرجان إلا أن يلتفت لمن نذروا أقلامهم وصوتهم لخدمة الشأن الثقافي، حيث جرى تكريم الإعلامي القدير عبد المالك أبا التراب. وهو تكريم يفيض بالدلالات؛ إذ يجسد اعترافاً برجل سخر طاقته وخبرته الطويلة، حتى بعد تقاعده، ليكون حارساً أميناً على الإبداع، وناقلاً مخلصاً لصوت المثقفين، مؤكداً أن العطاء لا يعرف سنّ الوقوف، بل يتجدد بوهج الشغف في محراب الفكر والكلمة.
وعلى امتداد أيام المهرجان، عاش الجمهور حالة من السكر الفني؛ حيث تآخت فصاحة اللغة العربية الرصينة مع عفوية “الزجل” المغربي الأصيل، في حوارٍ فريد كسر الحواجز التقليدية بين الأصناف الأدبية. ولم تكتمل هذه اللوحة إلا بخلفية موسيقية ساحرة، حيث سافرت بنا ألحان الفنانة إيمان بن يحيى، ترافقها أنات كمان الفنان البشير بن يحيى، لترسم في الفضاء عوالم من الشجن النبيل الذي يلامس شغاف القلوب قبل الآذان.
لم يغفل المهرجان الجانب الفكري؛ فقد شهدت الندوات نقاشات حية اتسمت بالجرأة والاختلاف، خاصة وهي تشرح ظاهرة “ناس الغيوان” وتأثيرها الممتد في الوجدان الجمعي.
وفي لفتةٍ إنسانية وحضارية لافتة، انتقلت روح المودة من قاعات الندوات إلى فضاءات المدينة، في زيارة استثنائية للبيت الفيتنامي التاريخي بضواحي القنيطرة. هناك، في ذلك الركن الهادئ، تآخى أريج اللوتس القادم من أقصى الشرق مع عطر “حلالة” المغربي، في مشهد يجسد قدرة الثقافة على مد الجسور بين الشعوب والحضارات.
حين أسدل الستار، لم تنتهِ الحكاية، بل ظلت أصداء كلمات المحتفى بها، مليكة العاصمي، تتردد في الأرجاء؛ كلماتٌ حملت في طياتها صكّ الاطمئنان على مستقبل الإبداع المغربي. وبكثير من الامتنان، توجّه الحاضرون بالشكر لجنود الخفاء، وعلى رأسهم الشاعر عبد الرحمان فهمي، الذين آمنوا بأن الكلمة هي الرهان الرابح، فجعلوا من هذا المحفل موقداً للحب والإخاء يتدفأ به الجميع في انتظار ربيع شعري قادم.
ماذا لو كانتِ الشاعرةُ أحدَ رجالِ آل العاصمي؟

علال الحجام
لألخّصْ في البداية بعض ما يجمعني بالشّاعرة الكبيرة مليكة العاصمي:
أ ـ وأهمّ ما يجمعنا هو الشعر وهموم الوطن وثقافته،
ب ـ وأنني عرفتُها منذ نهاية الستينيات أستاذة في كلية الآداب ـ ظهر المهراز بفاس،
ج ـ ونشرتُ في جريدة الاختيار التي أسّستْها وأدارتْها،
فهل نحتاج إلى تفاصيل أخرى؟
د ـ حضرنا أكثر من لقاء شعري ومهرجان داخل المغرب وخارجه،
ه ـ تابعتُ مسيرتها الشعرية والثقافية منذ خمسة عقود،
و ـ شاركت في تكريمها الذي استضافه مشكوراً الصّديق محمد بنطلحة ببيته بفاس.
ز ـ درّستُ ابنتها عبيراً في جامعة الأخوين،

هل تكفي هذه الإضاءات، وهي قليل مما يجلو قسمات هذه الأيقونة، ويزيدها كبرا في عينيّ في كل مناسبة أقرأ فيها نصا لها، أو حوارا أو مقالة، ويزيد مكانتها الشعرية والثقافية والإنسانية سمواً وسموقاً في قلبي، أم أفصّل أكثر؟ ليكن…
[1] أول مرة رأيت فيها الأستاذة مليكة كانت في بداية الموسم الجامعي في أكتوبر 1969، بعد التحاقي بكلية ظهر المهراز، أتذكر أنني كنت أقف بعد الغذاء مع جماعة من الزملاء المكناسيين أمام ساحة “هو شي مين” الشهيرة، فإذا بسيدة أنيقة في مقتبل العمر تمر أمامنا بكعب عال ومحفظة جلدية، في اتجاه الكلية. لم يسبق لي أن رأيتها خلال الأسبوع الذي قضيته بالحي الجامعي، مما يُسْتَبْعَدُ معه أن تكون طالبة، فسألت عنها الأصدقاء القدامى، فأجابني أحد الزملاء بإنها الأستاذة العاصمي، وأضاف أنها قد تكون أستاذتك في الأدب الحديث. تذكّرتُ توّاً أنني قرأت لها نصين شعريين باذخين في الملحق الثقافي لجريدة العلم، فعرفت أنها الشاعرة نفسها. وكان من حظ كلية ظهر المهراز أن تضم إلى طاقمها التعليمي والأدبي شاعرة شابة مبدعة مجدّدة تعزّز جبهة شعرية لم يكن فيها إلا الذكور: إبراهيم السولامي، محمد السرغيني، أحمد المجاطي، محمد الخمار الكنوني، قبل أن تلتحق بهم كوكبة أخرى من الأساتذة والطلبة. [2] لم تكن مقولة “الطفل أبو الراشد” التي أطلقها فرويد، مقولة عابرة، أو واردة في سياق آني ما يفتأ يتبخّر باختفاء آنيته. بل كانت مقولةً تؤكّد أن لطفولة المرء ومراهقته وما عاشه في وسطه الأسروي والاجتماعي بالغ الأثر في مستقبله، وتكوين شخصيته. ولأنّنا قد لمسنا من طرفٍ خفيٍّ هذا الأثر في شخصية المحتفى بها، فإننا نتساءل: إلى أي حدّ تأثرتْ شخصية الراشدة مليكة بالوسط الذي ترعرعتْ فيه؟ربما كانت الإجابةُ عن هذا السؤال تحتاج إلى حفر متأنّ بأدوات الجنيالوجيا والتحليل النفساني، وعلم الاجتماع التي لا ندّعي أننا نملكها، لكننا من حسن الحظ نمتلك خطوطا عريضة تمدّنا بها حوارات مليكة العاصمي، وبوحها التلقائي عن سيرتها الخاصة، تكشف عن صفحات من حياتها نكتفي منها بمعطيات أربعة:
والمعطى الأول أنها نشأت في أسرة مراكشية متعلمة عريقة، ويكفينا أن نعرف أن والدها هو الذي أسّس مدرسة الفضيلة الابتدائية وكان مديرها، وأن الشاعر الكبير عبد القادر حسن هو عمها، وأنّ الشاعر مبارك الغراس هو ابن عمتها، بالإضافة إلى ما يستتبعه هذا النسب من شبكة علاقات ثقافية وعلمية نسجتها الأسرة مع الأدباء والوجهاء والمثقفين البارزين في ذلك الوقت من أمثال شاعر الحمراء والفقيه الرحالي الفاروقي والمختار السوسي ومحمد الحبيب الفرقاني وغيرهم، مما أشاع في بيت العائلة مناخا ثقافيا لا شك أنه ترك أثرا في ناشئتها وأثرى طموحاتها الثقافية،
والمعطى الثاني هو ما تهيّأ لمليكة العاصمي من تشبّع بروح الوطنية والقومية في البيت، وفي “مدرسة الفضيلة”، وفي “جامعة ابن يوسف” العتيقة فقد كانت كلها معاقل للحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار وأذنابه في مراكش، والانتصار للثقافة التحررية المتشبعة بالحس النهضوي المشرقي.
والثالث هو الفقدان الذي عانت منه وهي مراهقة لم تتجاوز السنة السادسة عشرة من عمرها، ما أقسى أن تواجه شابة في مقتبل العمر فجأة صعقة فقدان أحد والديها، وهي إذ تشعر بمواجهة الحياة تهجم أهوالها بدون سند قوي كان يضمن استمرارها وطمأنينتها، فإنه يخلق لديها إحساساً لا بد أن يشعرها بكل يُتْمٍ وفقدان يعاني منهما الآخرون، سواء أكانوا صغارا أو كبارا، فرادى أو شعوبا، فقراء أو مضطهدين، من المؤكد أن من لم يعشه لا يمكن أن يشعر به بتلك الحدة.
والمعطى الأخير هو ما أتيح للشاعرة من فرص التفتح على العمل الجمعوي في “بنات الانبعاث” التابعة لجامعة ابن يوسف، التي كان جانبها الأبرز هو الانتصار لحرية المرأة، دونما أي تجاوز لأخلاقيات المجتمع المغربي، وتجنب كل ما يخدش تقاليده العريقة.
هذا بعضُ ما توفّر لمليكة العاصمي في بيتِ أسرتها العريقة، وما متحته شخصيتها من طفولتها وشبابها ويفاعتها من طاقات حيّة غذّت مسيرتها الحافلة وأمّنتها، وكانت زادا غنيا قوّى عزيمتها، ونبراسا أنار طريقها إلى المستقبل، وشخّص الأولويات الواجب الاهتمام بها تأملا وتفكيرا وكتابة. وحسبي أن هذا كله شكّل شخصية متعددة الأطياف والاهتمامات تجاوزت دائرة الشعر الفسيحة، واتسعت هالتها إلى ما هو أشمل، مما يجعل اقتصار الحديث على شعرها ومتابعاتها النقدية ودراساتها حول الثقافة الشعبية، أو التنقيب عن آثارها في الحقل السياسي، وما تركته من أياد بيضاء في العمل الاجتماعي، ومرافعاتها حول قضايا المرأة وسبل تحررها، وإسهاماتها في تنشيط الصحافة الثقافية، وتجربتها الحافلة في البحث العلمي، صنيعاً لا يكفي في توفيتها حقها…. لأن الاكتفاء بالحديث عن جانب واحد من هذه الجوانب تقصير في حقها، فهي هالات شموخ مجتمعة تشكل هويتها متفاعلة فيما بينها لبلورة شخصية قوية ومتميزة، لا أملك إلا وصفها بالمثقفة العضوية.
[3] هي إذن شخصية شاملة تحرث بأدواتها السحرية في كل الأراضي خارج بقاع الشعر والآداب وتزرعها بأشجارها المثمرة، خاصة ما يتعلق بالشأن السياسي والديموقراطية، ثم القضية الفلسطينية. وهذه الشمولية جعلتها شاعرة مخضرمة تنتمي إلى طبقة تمتح قسماتها الأولى من الستينين والسبعينيين معا، وتجمع بين رؤية السقوط والانتظار حسب تصور الصديق محمد بنيس، وبين رؤية الشهادة والاستشهاد حسب المرحوم عبد الله راجع، وهو ما يؤكده قولها:نهاري أوجُهٌ كئيبهْ
وليلي شاحبٌ مُهدّمٌ طويلٌ
زاخرٌ بالأقنعهْ
بالشّوك بالحمّى
البابُ ما يزالُ موصداً وليليَ انتظارْ
(…) ما الذي يصنعُهُ الميّتُ يفنيهِ العذابُ
والسّقمْ / يقتلُهُ البابُ الذي يظلّ موصداً
يقتله الزّمنْ… أبكي
أقتل نفسي بالبكاءْ
ما تقدّم شهادة على وضع مأزوم، يشي بمظاهر الاستشهاد بقتل النفس بالبكاء، لكن باب الأمل يظل موصدا رغم التضحيات، ويظل الليل انتظارا مستمرا رغم ما يصاحبه من سقوط كما يهمس البوح في “طنجة”:
وتبدو العراجينُ مستلّة من فسائلها
كاستلال الدواخل في جسدي
وقدود الرّجال تدافع مسحوبة بخيوط الشياطين
نحو انبعاج الأثير / ونحو السقوط الأخير
واكتمال الدائرة هذا يعني أنها تنتصبُ قامةً سامقة من قامات رواد الحداثة الشعرية المغربية، تأسيسا بين ماهدي الستينيات، وتجريبا بين مغامري السبعينيات، وامتدادا للمد الوطني الرومانسي. وتستمر المسيرة عابرة للأجيال لاهثة خلف عربة الشعر التي لا تتوقف في اتجاه المستقبل، لا يهمها في ذلك أن تفتح لها بوابة المدينة الفاضلة أو لا، لكنها تصرّ على اقتحام مباهج الذات المفردة لحدائق الإنسان.
[4] وتأسيساً على ما تقدم، كيف لا تنشغل الشاعرة بما هو جمعي؟ وكيف لا تنخرط في هذا الانتماء وتعتزّ؟ يكفيها مسوّغا لذلك اعترافُها بأنها انشغلت به وانتمت إليه انطلاقا من إحساسها الوجداني بواقع الشرائح الهشة في مجتمع يعرف فوارق طبقية فادحة بين المحظوظين والسماسرة والوصوليين من جهة، وبين المقهورين الذين لا يعرفون إلا الأحزان والقتامة والتعاسة من جهة أخرى، وهو ما تلخصه الصور التالية في مجموعتها ” كتابات خارج أسوار العالم “:قتامتي اكتسبتها من الحياة القاتمهْ
من جوع جارتي التي تعيش في الغصص
من الصغار البؤساء يقتاتون بـ (المخاط)
قتامتي
من دكنة الحياة في كهوف الفقراء
في بلدتي
من أدمع الأرملة التي بلا قمح ولا طاحون…
من جهل بلدتي كيف تقود طفلها التّعِسْ…
وهذا هو المطلوب تماما، فليس من الضروري أن يعيش المبدع حياة داكنة، أو يسكن الكهوف، أو أن يجوع مثل الأطفال البؤساء الذين يقتاتون على هشاشتهم لكي يكتب قصيدة عنهم، بل يجب عليه أن يحبهم، ويشعرَ وجدانُهُ بمأساتهم، ويحس قلبه بأنهم في حاجة إلى سنده. وهذا بالذات ما تنصهر فيه ذاتُ الشّاعرة، حينما تنذر نفسها للبعث والإخصاب وتكون رواء للطبيعة وللإنسان، وتسمي نفسها مطرا، تقول:
سميتُ نفسي كالمياه تنظّفُ الأغصانَ والشجرْ
وتكنسُ الأدرانَ في القلوبِ
والثيابِ والحجَرْ
قررتُ أن أُدْعى: / “مطرْ”.
[5] أليس ما سلف هو الالتزام موشحاً بطيلسان شعريته المطرّزة بالنّور؟ إنّ الالتزام، كما تفهمه مليكة العاصمي، لا يكفي فيه أن تضمّن الشاعرة موقفها من قضية معينة في نص شعري، ثم تتحرّر من عبئه أبداً، وتنأى بنفسها عن الخوض في حممه اللاهبة، بل ترى، على العكس من ذلك، أنّ من الضروري أن يكون الالتزام تعاقدا مع الأمة والمجتمع، واستمرارا للنضال على أرض الواقع ينقل المعركة من ْداخل القصيدة إلى خارجها، تحقيقاً للحرية والعدالة والسمو بكرامة الإنسان. وكيف لا وهي حين تلتفت حولها لا ترى سوى مناخ القيامة:وهذي المدائنُ
هل طُمِرَتْ
والصّحائفُ واللوحُ
والقلَمُ الرّطْبُ
هل جَرَفَ السّيلُ حِبْرَهُ
هل حلّ وقتُ القيامةِ من قبلِ موعدِهِ
فطوى العمْرَ
عفّى على أثَرِ العابرينَ
وعرّج نحو السّماء فطافَ على الحُلُمِ
أم تخطّفَهُ في الخيالِ العميقِ البعيدِ
مع الصّور الفاتنة
والكنوزِ الخبيئاتِ في غُرَفِ الذاكره
والالتزام، نتيجة لذلك، يتحرر من كل تبعية، لا تبعية للسلطة فقط، بل التحرر من كل تبعية حتى ولو كانت سياسية، وأو تبعية أيديولوجية لحزب أو تنظيم سياسي، أو تأثير جماعة معينة. لا يقتضي ذوبانَ ما تُفرده الذّات الشّاعرة في ما يُجمع عليه الجمعُ المتعدّد، وإنما يهفو إلى انصهار الجمع في الذّات الشّاعرة انصهارَ نثرِ الحياةِ وديسيتوبيا الواقعِ وقتامةِ اليوميّ المعيشِ في دهشةِ الخيال وأَلَقِ الجمال. لأن الشعر عندها “لا ينتمي إلا إلى نفسه، ولا ينتمي لأحد”، فيظل دهشة راقصة حتى وهو يخدُم قضايا إنسانية نبيلة تتقاطع مع مواقف حزب أو تنظيم أو جماعة مؤثرة.
من هنا يكون الالتزام التزاماً متماسكاً لا شرخ فيه ولا انفصال بين الكتابة والعمل الثقافي من جانب، وبين المعيش من جانب ثان. وهو ما يحدث عادة لدى كثير من المثقفين الذين يكتبون قصيدة نارية تنادي بما لم يناد به لينين في صولته، لكنهم يعيشون حياة خانعة مناقضة تماماً لما تتغنّى به القصائدُ العصماء، فيُبدون أمامك ضجيج ثورة تهدّ الجبال لكنها تسقط في صمت غريب إذا ما تعلق الأمر بمواجهة الواقع وقضاياه المؤرقة.
ويغدو الالتزام دالا جماليا ورؤيويا يستدعي تجليا ثنائيا مزدوجا يوضحه نوعان من الصور، صور زمانية وصور مكانية، التاريخ والجغرافية حينما يتعانقان، في طنجة أو في مراكش، ويصبح تلقائيا كل واحد منهما مرآة للآخر، وشريكا مواسيا ومناجيا بنفس اللغة ونفس الآهات، التاريخ يضمّدُ جرحه في الجغرافية والعكس صحيح، ما دانت الشعرة تعي أن الزمان لا يرحم الجماعة:
يقتلنا الوقتُ المقيتُ ساعةً
نقتله للحظة (أشياء تراودها)
والمكان ينتحب:
تصيح المدينة
يا وجعي
وتغوص بخاصرة الليل
صرختها (أشياء تراودها)
وأما الشاعرة التي اختارت بحسها التجريبي، أن تكون متمردة ضدا على حركتي الزمان والمكان، فلها موقف آخر، أن تتحول كائنا غرائبيا متمردا، فتستمر قفزها عاليا، ويتوالى تحليقها محققا أسمى درجات الفتنة مشكّلين بهجة معادلة للرقص والشطح، تقول:
أقفز فوق الشهب مع الجنّيّ المتقافز
في رأسي
وأطير مع الطيرِ
وأفتن خلق الله (أشياء تراودها)
وفي الشطح والرقص مؤشرات دالة على إقبال واعٍ على الحياة، رغم كبواتها ومتاعبها، ورغبة في تحليتها، تحقيقا لانسجام وتآلف تامين بين الوجداني والعرفاني والدنيوي، وسعياً إلى سعادة مثلى لا تفصِلُ بين الأرض والسماء، ولا تُفضّلُ جماعيا عاما على فردي خاص. إن الالتزام الشعري لديها، على هذا النحو، سياحة ممتعة في متاهة فسيحة جميلة تغري بالاستمتاع، لا تنفع في الفكاك من الضياع فيها أضواء كاشفة، ولا ذاكرة فيل، ولا نباهة توبوغرافية. ولا سبيل إلى الخروج منها بأقلّ ضرر إلا الاحتماء ببهاءِ الشّعر نفسه، واستحضارِ قداسته في كل خطوة تخطوها الشاعرة لكي تطمئنّ على سلامتها الشعرية التي تضمنها كبة تخييلية سحرية، شبيهة بكبة أريان، هي الكفيلة وحدها في كل لحظة بهدي تفاصيل النص للعودة إلى معراج الشعر.
[6] تتساءل فرجينيا وولف عمّاذا كان سيقع “لو أن شكسبير كانت له أخت موهوبة على نحو بديع، وكان اسمها مثلا جوديث”؟ فهل كان سَيُكْتَبُ لها أن تجد نفس الاهتمام والرعاية اللذين وجدهما شقيقها الذي تعلم اللاتينية والنحو والمنطق في مدرسة خاصة، وقرأ أوفيد وفرجيل وهوراس، ونشأ صبياً مغامراً يهيم على وجهه لصيد الأرانب البرية؟ بينما شقيقته التي لا تقل موهبة عنه ظلت قابعة في البيت، لا تعرف الطريق إلى المدرسة ولا إلى براري المغامرة، وما إن تفتح كتابا حتى يأمرها والدها برتق الجوارب، أو الاهتمام بالقدر (1)، وسرعان ما تبلغ السابعة عشرة من عمرها وتُخْطب لابن تاجر لا تحبه، فتهرب إلى لندن لممارسة التمثيل، لكنها لم تقبل في الفرقة المسرحية رغم موهبتها، بينما يرحب بها مديرها للعيش بين أحضانه عشيقة قبل أن تجد نفسها حبلى غير مرغوب فيها ولا في جنينها، فتقتل نفسها في ليلة قارسة في مفترق طرق(2). وتلك كانت هي حال أي امرأة موهوبة، ولدت في القرن السادس عشر، يكون مصيرها الحتمي، كما تقول فرجينيا وولف، هو الجنون أو الانتحار أو إنهاء حياتها ساحرة أو مشعوذة (3).لنذهب بعيدا في هذه الفرضية، وماذا لو كانت جوديت هي التي كتبت ما كتبه وليام؟ الجواب هو أن الصيت والإشعاع اللذين حققهما أخوها، باعتباره ذكرا، ما كانا ليكتبا لها في مجتمع ذكوري يبخس كل صنيع أنثوي حتى لو كتب لها أن تتعلم وتصبح كاتبة مسرحية. ولنحيّن سؤال فرجينيا وولف في الخطوة التالية: ماذا لو كانت مليكة رجلا مراكشيا من آل العاصمي؟ لا أشك في كون هذا الرجل قد يكون كاتبا مثلها، وقد يكون بحكم تربيته ومحيطه وتعليمه العتيق سياسيا مثلها. وقد يتحلى بنفس الحس والوطني مثلها، لكنني لا أتوقّع أن يتحلى هذا الشاعر السياسي القومي الوطني بنفس المشاعر الأنثوية التي تتميز بها مليكة العاصمي امرأة وأما ومربية ومدافعة بشراسة عن حقوق المرأة، وبنفس الرقة والحساسية المفرطة تجاه قضايا المجتمع وخاصة حينما تستغور حال المرأة والطفولة والديموقراطية.
لا أشك في قدرة الأستاذة مليكة على المواجهة، ولا القدرة على تدليل كثير من الصعاب المنتصبة أمام طموحها، لكنها تظل تشعر بأن هناك عوائق وسدودا تعليها العقلية الذكورية أمام النساء، ولا أعتقد أنها سلمت من شراكها رغم إصرارها ودأبها، وهذا من أكبر الحواجز التي كان انتفاؤها سيوفر جهدا وطاقات لا شك أن توظيفها كان سينفع في تحقيق مطامح أخرى.
إن وعيها السياسي وتفتحها الثقافي كانا قادرين على تعرية الواقع أمامها، وإدراك ما تعانيه المرأة من حيف، ألم تتأذّ بحسن نية أو بغيرها من التمييز بين الذكر والأنثى؟ تتحدّث الشاعرة بمرارة عن دراسات مخصصة للشعر المغربي الحديث، في عقدي الستينات والسبعينات، لم يدرجها أصحابها لا ضمن هؤلاء ولا أولئك، مع أن بصماتها مضيئة في تطور الجيلين الشعريين معا لغةً وأسلوبا ورؤيةً للعالم، هذا مع العلم بأنها مؤسسة بانية إلى جانب الرواد، ومناصرة للتجريب وتطوير ما تحقق للجيل السابق إلى جانب السبعينيين. وإن كان التجاهل في الواقع لم يطل البعض كموقف من جنسه فقط، كما حدث لها، بل طال البعض الآخر أيضا وبخّس جهوده فقط لأنه لا ينتمي للعشيرة. وهذه ممارسة لا تزال قائمة لحد الآن.
ومن غصص هذا التمييز عينه، فضلاً عما تقدم، حرمانها من مناصب رفيعة مستحقة، كانت متحمسة لتحمّلها مسلّحة بالأفكار الجديدة، والخطط النيّرة، والمشاريع الكبرى، وقد كانت أهلا لها لا تنقصها في ذلك لا كفاءة علمية ولا تجربة إدارية ولا حنكة سياسية، لكنها حُرِمَتْ منها لا لشيء إلا لكونها امرأة مناضلة صلبة وجريئة. وهي لا تندم على شيء بقدرما تتأسّف على “تفويت مستحقّاتها للغير” كما تقول.
مع ذلك، فأنا لا أشك في أن الإحساس بهذه المثبطات بالنسبة لمبدعة استثنائية كانت له إيجابيات، لا يمكن إغفالها، دفعتها إلى بذل مزيد من التحدي للبحث عن سبل تجاوزها مهما كانت صعوباتها. دون أن تنسى لحظة أنها امرأة، فتترافع باستمرار على المسألة النسوية في اتجاه متوازن لم يسقط في عماء النسوية الغربية، وظل يجترح له موقفا راسخا أكثر إنسانية وواقعية، ويهفو إلى تضامن خلاق بعيدا عن الصراع الأفقي المتخلف، إيمانا منها بأن الجنسين معا يركبان نفس المركب المثقوب ويحتاجان إلى التحرر في مجتمع طبقي ظالم. وقد انعكس هذا التصوّر على موقفها من الكتابة النّسوية نفسها، فهي إذ تؤكد أن الاختلاف ضرورة تقتضيها خصوصيّات بيولوجيّة واجتماعيّة وعاطفيّة وثقافيّة لا مهرب من استحضارها في كلّ تصنيف أدبيّ جندريّ على نحو إجرائيّ، فإنها ترى أن التّمييز لم يعد خاضعا لعقلانية حكيمة، مما أدى إلى خلط الأوراق، لذلك تقول في حوار مع الصديق عبد اللطيف الوراري: ” أنا اليوم أطالب بدمج المرأة في التاريخ العام، وإخراجها من جيتو النساء، وتاريخ النساء، لقد صارت النساء محتجزات في غيتوات اسمها الشعر النسائي والكتابة النسائية، وتحوّل الأمر ضد المرأة والكتابة والتاريخ مجانبا للإنصاف وحقوق المرأة التي تنادي بها”.
هكذا تختار إلزا المراكشية كما وصفها معين بسيسو أن تستشرف المستقبل بعينين حالمتين، وتعلم أنها “تولد في الغيهب شاعرةً / تشعل نارا في ليل الأندلس المفقود” كما وصفها عبد الوهاب البياتي، غير أنها لم تشأ أن تكون أوريديس التي خذلتها التفاتة قد تكون خيانة وقد تكون خطأ قدريا، ولا زرقاء اليمامة التي تطاردها إشاعة رغبة مبيتة في وأد النبوة في مهدها، لكنها اختارت أن تكون فيلوميلا التي نقلت الصراع بين الذكر والأنثى في المحكي الأسطوري من الواقع بكل تجلياته إلى المتخيل المتحول تساميا: تحول الطاغوت إلى صقر كاسر، وتحولها هي إلى هزار مغرد، أعني إلى شاعر (4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- فرجينيا وولف: غرفة تخص المرء وحده، ترجمة سمية رمضان، مكتبة مدبولي، القاهرة 2009. ص 95، 96.
- ن م س، ص 98
- ن م س، ص 100
- فيلوميلا أحبها زوج أختها واغتصبها وشوهها بعد أن أوهمها بموت أختها، وسجنها وقطع لسانها حتى لا ينكشف أمره. وبعد علم أختها هربتا معا، فحول زيوس فيليولا إلى هزار، وأختها إلى سنونو، وزوجها إلى صقر ظل يطاردهما دائما وأبدا.

مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي