أطياف في فنجان الزمن
ريم محمد درويش*
كان اللقاء أشبه بصدفة دبّرها القدر في غفلةٍ من الروح. لم يكن يبحث عنها، ولم تكن تنتظره، لكنّ العيون حين تتشابك في لحظةٍ غير محسوبة، قد تُشعل في القلب نارًا لا يطفئها سوى الامتلاء بالآخر.
رآها لأول مرة في قاعةٍ مزدحمة بالوجوه العابرة، إلّا أن وجهها بدا مختلفًا، كأن ملامحه مُمهورة بعلامة تخصّه. كانت تحدّث صديقتها بحركاتٍ طفولية تفيض حياة، تضحك ضحكةً رنّانة بدت له كجرسٍ يوقظ قلبًا نام طويلًا. توقّف الزمن لبرهة، كأن المكان صمت احترامًا لحضورها.
لم يكن شاعرًا ولا عاشقًا من قبل، لكنه في تلك اللحظة أُغوي بلغةٍ لم يفهمها عقله. تمتم في نفسه:
“من أين جاءت هذه المرأة التي تحمل في ملامحها ضجيج المدن وهدوء القرى معًا؟”
أما هي، فشعرت بثقل نظراته يتعقّبها. رفعت بصرها نحوه، فالتقت العيون، ثم هبطت سريعًا كمن يهرب من اعترافٍ لم يحن أوانه. ارتجف قلبها، لكنها أخفت ذلك بابتسامةٍ مقتضبة، محاولةً أن تُواري ارتباكها بين الكلمات العابرة مع صديقتها.
انتهى اللقاء الأول دون أن يتبادلا حرفًا، لكنه ترك في كلٍّ منهما أثرًا لم يستطع الزمن أن يمحوه.
بدأت الخيوط تُحاك بصمت. لقاءات متفرّقة صارت أحاديث عابرة، ثم مواعيد مقصودة. لم يكن بينهما تعارفٌ طويل، لكنّ الروح حين تختار، لا تنتظر إذنًا من العقل.
كان يسمعها فتبدو له الحروف أنغامًا، وتراه فتشعر أنّ الطمأنينة وجدت أخيرًا ملاذها.
عاشا موسمًا من الحب لا يشبه شيئًا سوى القصص التي تُحاك في دفاتر المراهقة. كان يكتب لها الرسائل بخطٍ مرتبك، يكرر الكلمات، فتضحك وتخبئ الورقة في صندوقٍ صغير كأنها تحفظ به قلبه. وكانت تترك له على مرآة الحمام كلمة واحدة بخطٍ مرتجف: “أحبك”. يقرؤها كل صباح فيبتسم كطفلٍ عثر على هديته.
هو القادم من بيتٍ قاسٍ، لم يعرف فيه أباه سوى رجلاً سريع الغضب. وهي القادمة من طفولةٍ حرمتها الأمان، عاشت خوف الهجران منذ صغرها. لم يدركا أن تلك الندوب سترافقهما يومًا إلى فراش الزوجية.
لم يطُل الأمر حتى ختمَا حبّهما بالزواج. كان يوم زفافهما كروايةٍ مكتملة؛ رقصت العيون فرحًا، وغنّت الأرواح طربًا.
بدأت حياتهما الزوجية كحلمٍ لا يشيخ. صباحات يملؤها ضحك دافئ، مائدة فطور يتقاسمانها بمرحٍ طفولي، وأحاديث ليلية تمتد حتى تغفو العيون.
كانت هي تتأمّله وهو نائم، تقول في نفسها: “لو يعلم كم أحبّه لما تركني لحظة أنام.”
وكان هو يستيقظ قبلها أحيانًا، يتمتم: “أي نعمةٍ أُهديت لي!”
ظلّا عامًا كاملًا يتنعّمان بحلاوة القرب، كأن الحب في بيتهما لا ينضب.
لكنّ الحب، حين لا يُسقى بالصبر، يبدأ بالذبول.
كانت هي سريعة الانفعال، تخشى الخذلان، تفتعل الخصام لأسباب صغيرة كأنها تختبر حضوره. وكان هو قليل الصبر، اعتاد أن ينال ما يريد بسرعة، ولم يتعلّم كيف يطيل الوقوف أمام الأبواب المغلقة.
تسلّل أول صدعٍ ذات يومٍ عابر. غضبت من أمرٍ تافه، فصاح بانفعال:
ـ “أنتِ عصبية أكثر مما أحتمل.”
تجمّدت للحظة، ثم ابتسمت ابتسامةً يائسة لتخفي انكسارها. لكنها في داخلها سمعت الحكم القاسي: “أنتِ أكثر مما أُحتمل.”
ومنذ تلك اللحظة، بدأ البريق يخفت.
هو انشغل عنها أكثر، يقلّ إنصاته، ويهرب من الحوارات التي كانت فيما مضى غذاء روحه.
وهي تفقد صبرها، تعاتبه على غيابه كأنها تخشى أن يتبخّر من بين يديها.
ليالٍ كثيرة نامت ودموعها تبلّل الوسادة، تهمس: “لم أقصّر في شيء، فما الذي تغيّر؟”
بينما كان هو يعود إلى سريره مثقلاً بالصمت، كأن بينهما جدارًا يُبنى حجَرًا فوق حجر.
جلسا مرارًا ليتحدّثا، لكن الأحاديث تحوّلت إلى نزاعات، والنزاعات إلى صمتٍ مميت.
قال لها يومًا في لحظة ضعف:
ـ “لم نعد كما كنّا.”
فأجابته وهي تحبس دموعها:
ـ “لم نصبر كما ينبغي.”
انتهى الأمر بقرارٍ مؤلم: الطلاق.
بعد أربع سنوات من الزواج، خرج كلّ منهما خالي اليدين، بلا طفل يربطهما، وبلا ذكرى صافية تحفظ ما كان.
مضت الأعوام بطيئة. هو انشغل بعمله، يضحك في مجالس الأصدقاء، ثم يعود إلى بيته كمن يعود إلى صحراء. وهي غرقت في صمت طويل، تلبس ابتسامة مُزيّفة أمام الناس، وتكابر على قلبٍ يحنّ رغم الألم.
وفي صباحٍ ما، شاءت الأقدار أن تجمعهما من جديد في عملٍ مشترك.
حين وقعت عيناها عليه بعد طول غياب، شعرت بدقّة قلبٍ قديمة تُعاودها، لكنها كبحتها بابتسامةٍ رسمية. وهو أخفى ارتباكه خلف جدّية متكلّفة.
جلسا ذات صباح على مائدة إفطار. تبادلا السلام بفتور، ثم ساد صمت قصير. فجأة قال:
“أما اشتقتِ إليّ؟”
ارتجفت يداها فوق فنجان القهوة، رفعت عينيها نحوه، ثم همست:
“بلى… ولكن ليس كما كان.”
ابتسم ابتسامة باهتة:
“ما زلتُ مستغربًا… كيف ضاع حبّنا؟”
أطرقت ثم قالت:
“لأننا لم نتقبّل عيوب بعضنا. كنتَ تحب جمالي، وأنا أحببت صورتك المثالية. لم نقل لأحدنا يومًا: لا بأس. كنا نظن أن الحب وحده يكفي، لكنه لا يكفي. الحب أن نحب المحاسن كما نحب السيئات، أن نصبر، أن نصفح.”
خفض رأسه، وصوته متحشرج:
“صحيح… فالحب إن لم يُسقَ بالرحمة، يموت.”
نهضت من مقعدها وعيناها تلمعان بالدموع. تمتمت:
“الحمد لله.”
ثم مضت بخطوات ثابتة، تاركة وراءها فنجان قهوة باردًا أمامه. ظلّ يحدّق فيه طويلًا، كأنما يراه صورةً رمزية لحبّهم: بدأ ساخنًا، وانتهى بلا طعم.
قاصة من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
