الرئيسية / الأعداد / جمال أزراغيد.. حين يغدو الشعر سلاحاً لمعاينة الوجود

جمال أزراغيد.. حين يغدو الشعر سلاحاً لمعاينة الوجود

جمال أزراغيد.. حين يغدو الشعر سلاحاً لمعاينة الوجود

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

من ضفاف مدينة الناظور الباسقة، ومن رحم بيئة قروية غناء بالخضرة والجمال، انطلق صوت شعري يحمل في طياته هواجس الكائن وأسئلة الوجود. ضيفنا في هذا الحوار هو الشاعر والمبدع المغربي جمال أزراغيد، عضو اتحاد كتاب المغرب، وأحد الأسماء التي نحتت مسارها الشعري بتؤدة وإصرار، مراكماً تجربة إبداعية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود.

أغنى المكتبة المغربية بخمسة دواوين شعرية، انطلقت بـ “أسماء بحجم الرؤى” (1998)، وصولاً إلى أحدث إصداراته “كأني ذاهب إلى حرب” (2024)، وما بينهما محطات من “غنج المجاز” و”حوريات بقدَم الكون” و”سمائي خفيفة”. هو الشاعر الذي يرى في القصيدة “سلاحاً” لاقتحام الذات، وفي الكتابة وسيلة للنهضة والرقي الإنساني.

في هذا الحوار الشيق، نبحر مع المبدع جمال أزراغيد في أربعة محاور أساسية:

  • المحور الأول: يستكشف رؤيته الفنية، وبدايات تفتق موهبته بين الرسم والمحفوظات وصولاً إلى “الطفولة المسروقة” (أول نصوصه المنشورة).

  • المحور الثاني: يسلط الضوء على تحديات العملية الإبداعية، وكيف يواجه الشاعر “حصار الكلمات” وجفاف الإلهام عبر السفر والقراءة.

  • المحور الثالث: يطرق أبواب القضايا الأدبية الراهنة، من الكتابة النسوية إلى سطوة الذكاء الاصطناعي ومستقبل النشر الورقي.

  • المحور الرابع: وقفة تأملية مع الذات، والمشاريع المستقبلية، وجدلية الجوائز الأدبية.

1- ورقة عن المبدع جمال أزراغيد
  •  شاعر من مدينة الناظور؛
  •  عضو اتحاد كتاب المغرب؛
  • صدرت له خمسة دواوين:
    • أسماء بحجم الرؤى،طبع بمساهمة المجلس الإقليمي للرياضة والثقافة والشؤون الاجتماعية بالحسيمة (1998)
    • غنج المجاز،صدر عن شركة مطابع الأنوار المغاربية بوجدة (2011)
    • حوريات بِقَدَمِ الكون،من منشورات مقاربات للنشر والصناعات الثقافية بفاس (2018)
    • سمائي خفيفة…أيها البياض، من منشورات مكتبة السلام الجديدة بالدار البيضاء(2023)
    • كأني ذاهب إلى حرب، من منشورات بيت الشعر في المغرب (2024)
  • شارك في ديوان جماعي بعنوان: أنداء تنيسان
  • شارك في عدة مهرجانات شعرية جهوية ووطنية في كثير من المدن المفربية ، منها: فاس ـ شفشاون ـ تطوان ـ المضيق ـ الحسيمة ـ تازة ـ جرسيف ـ سلا ـ أبي الجعد ـ القصر الكبير ـ وجدة ـ تمسمان ـ الناظور ـ زرهون ـ بركان ـ جرادة…
  • ينشر بالملاحق والصحف والمجلات الثقافية.

المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية

  1. كيف يرى المبدع جمال أزراغيد الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟

الكتابة شكل من أشكال التعبير والتواصل البشري ، اكتشفتها الإنسانية في العصور القديمة وامتدت حتى اليوم. وقد تطورت أشكالها وأجناسها عبر الزمن ، ما ينم عن أهميتها وجدواها، وعن اعتبارها صورة من صور النهضة والرقي في حياة الشعوب. فكلما كثرت الكتابة دلت على غنى ثقافة الشعب وحضارته المتجذرة. ومن السمات الأساسية للكتابة بصفة عامة وضوح الأفكار والترابط المنطقي والسلامة من الأخطاء ومراعاة مقام الجمهور المخاطب.. والكتابة تتطور عن طريق الممارسة المستمرة والقراءة الواعية والتعلم من الآخرين والانفتاح على مستجداتها بما فيها الكتابة الرقمية لتكون أكثر تأثيرا وفاعلية.

ولم تنل الكتابة هذه الأهمية من فراغ، بل من طبيعة الرسائل التي تسعى إلى إيصالها، ومنها:

ــ التنفيس عن المكنونات الداخلية للنفس البشرية؛

ــ تثقيف الإنسان بما تحمله له من أفكار ومعلومات ومعارف متنوعة؛

ــ تنمية قدرات الإنسان العقلية وعلاقاته الاجتماعية؛

ــ توثيق المعارف والعلوم والخبرات والتجارب وحفظها من الضياع والنسيان؛

ــ توعية الجمهور القارئ بما يعتمل داخل نسيج مجتمعه من أحداث واضطرابات وتطورات إيجابية كانت أو سلبية..

  1. من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته (أول عمل بارز في بداياتك)؟

ــ جعلتني ولادتي بالبادية المليئة بالمزارع التي تكسوها الخضرة الدائمة قريبا من معين الشعر وتفتق الموهبة.إلى جانب قراءاتي المتنوعة للأعمال الإبداعية التي منحتني القدرة على التمييز بين ما يفزعني إبداعيا وما يجعلني أكتب وأنا في حالة قلق.استهلت دراستي الابتدائية بالرسم وحفظ المحفوظات التي كنت أراها كلاما عظيما مخالفا للكلام المتداول ، وبقيت على هذا الوله إلى أن ولجت السنة ألأولى من التعليم الثانوي التأهيلي فبدأت أرص كلاما في شطرين وأضع له رويا

متساويا على شكل بيت من غير وزن. وبعدما درست العروض، صرت أكتب القصائد العمودية الموزونة ، فأعرضها على زملائي الذين وشوا بي إلى أستاذ اللغة العربية فطلب مني أن أعرض عليه ما أكتب . ومن ذلك اليوم، والأستاذ ـ جازاه الله خيرا ـ يقوّم نصوصي وينصحني بما علي فعله. وعند التحاقي بالجامعة وتسجيلي في شعبة اللغة العربية وآدابها انشغلت بالفن التشكيلي الذي سبق لي أن تعلمته في ثانويتي محمد عبد الكريم الخطابي وجمعية الانطلاقة الثقافية بمدينة الناظور، ولكن لم يغب الشعر عن عالمي الخاص؛ كنت أقتني الدواوين الشعرية وأحضر الأمسيات الشعرية وأستفيد من أساتذتي الأفاضل ولاسيما الشعراء منهم كمحمد علي الرباوي وعبد الرحمان بوعلي وحسن الأمراني . ولما التحقت بالمدرسة العليا للأساتذة بمرتيل بتطوان التقيت بمجموعة من الشعراء “الشباب” الذين كان يسكنهم هوس الكتابة الشعرية الجديدة كإدريس علوش، ومحمد العربي غجو والمرحوم المعتصم العلوي وغيرهم.. فشجعوني على خوض غمار النشر ، فكان أول نص نشرته بعنوان ” طفولة مسروقة” على الصفحة الثقافية لجريدة “بيان اليوم” سنة 1987. ومن ذلك الحين إلى اليوم، مازلت بنفس الحماس أكتب وأنشر ما تجود به قريحتي من نصوص شعرية.

5.أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب (شعر، نقد، رواية، إلخ)، ولماذا؟

ــ كلما هممت بالكتابة وجدت نفسي منساقا إلى كتابة الشعر بدل الأجناس الأخرى( القصة، الرواية، النقد.. إلخ)، لأن الشعر، بالنسبة لي، طريقة لمعاينة الوجود ورؤية الوجه الآخر للكون ووسيلة للإبحار في حياض المعرفة واكتشاف الجمال، والبحث المتواصل لنفض الغبار عن الكثير من قضايا الوجود، والبوح بما يضطرب داخل الذات من مشاعر وانفعالات كأني أعيش بعمق ما قاله الشاعر بول فاليري:” يجب على المرء أن يدخل ذاته مدججا بالسلاح” . وسلاحي هو الشعر الزاخر بالخيال والرموز والكنايات والمجازات والاستعارات التي تتجدد مع كل نص جديد مادام هناك”آلاف من الاستعارات يمكن اكتشافها” كما يقول بورخيس.

  1. ماذا حقق المبدع جمال أزراغيد في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها ؟

ــ بحكم ارتباطي العميق بكتابة الشعر أرى أني سائر في الطريق الذي رسمته لنفسي، أعمل بجد لتحقيق طموحي الشخصي في نشر النصوص الشعرية والدواوين ، وتسجيل اسمي في المشهد الشعري المغربي من خلال مشاركتي في كثير من المهرجانات الشعرية والتفاف بعض القراء حول تجربتي الشعرية،  مما  سينقذني من السقوط في الهاوية التي أعيش على حافتها دائما. كتابتي للشعر برهان ساطع على أني مازلت على قيد الحياة أنعم بالحرية والوجود واليقظة الإبداعية..أحاول، ما أمكن، أن أنقل نصي إلى أفق ثقافي أرحب..

المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها

  1. ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع في صنف الكتابة الذي تمارسه ؟ وكيف تتعامل مع “حصار الكلمات” أو “جفاف الإلهام”؟

ــ من أبرز التحديات التي تواجهني كشاعر:

  • انتشار مواقع التواصل الاجتماعي فتح المجال لعملية النشر، حيث نجد تفاوتات كبيرة في مستوى النصوص؛ من حيث التقنيات والأدوات، ومن حيث الجمالية أيضا، وهو ما يجعل الأمر موكولا للنقد الذي وجب أن يقوم بدوره.
  • البحث عن الجديد الذي سأقدمه وعن كيفية إنتاجه برؤية وجمالية مغايرة حتى لا أقع في التكرار، وهو ما يجعلني قلقا حد العزلة أحيانا.
  • باعتباري قارئا ومبدعا ورقيا، أجد أن النشر الورقي أصبح محاصرا بالنشر الالكتروني، ولهذا أجد نفسي غير منخرط، بشكل فعال، في هذه الثورة التكنولوجية حتى أسوّق لأعمالي بالشكل المطلوب الذي أجده عند بعض الشعراء ، سواء من جيلي أم من الأجيال اللاحقة.
  • اشتراط بعض الناشرين على المبدع أن يتحمل مصاريف نشر دواوينه نظرا لما يعتبرونه كسادا في مجال القراءة الإبداعية خصوصا الشعر، وهو ما يعرقل وصول أعمالي الشعرية إلى القارئ .وهنا، أجدني أقرب إلى النشر في الملاحق والصفحات والمجلات الثقافية المغربية منها والعربية.

كلما أحسست ب “حصار الكلمات”أو” جفاف الإلهام” ألجأ إلى السفر داخل الوطن وخارجه كطريقة في توسيع خيالي وأفقي المعرفي، وقراءة الشعر قديمه وحديثه والروايات وكتب الفلسفة، وإلى البحث عن منابع جديدة تسهم في تطوير آليات الكتابة لديّ.

  1. هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟

ــ المبدع ابن بيئته سواء كانت جغرافية أم ثقافية، وما يرتبط بالأولى من أدوات ومناخ وتضاريس وتفاصيل ومرجعيات وإرث بشري.. والثانية من عناصر معرفية وعقلية ودينية وسياسية وأحوال وظروف.. تشكل هذه البيئة بتعددها هوية المبدع ولغته وتجاربه، وتفرض عليه جملة من الإكراهات والمحددات التي تسهم بشكل كبير في إنتاج نسق أو أنساق محددة من الكتابة الإبداعية. فالمبدع ليس ذاتا منعزلة عن محيطها بل هو متجذر فيها حيث لا يكتب إلا نفسه في نهاية الأمر. أكيد أن ذلك قد انعكس على نصوصي الشعرية، والتي تضمنت مواضيع وظواهر طبيعية لها علاقة ببيئتي كالزلازل التي ضربت الحسيمة والفيضانات التي شهدتها الناظور وبعض الظواهر الاجتماعية السائدة فضلا عن توظيف مفردات وحكايات أمازيغية ولكن أحاول ألا أعكسها بشكل حرفي، بل أجتهد في السمو بها إلى مستوى جمالي وفني مناسب ومؤثر …

  1. كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟

ــ القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة في مسيرة المبدع؛ إذ تعملان على إخراج مخزون الأفكار والمشاعر. فالقراءة ممارسة مبدئية وأساسية نقاوم بها الملل الذي يصيب الروح بالعطالة والعطب، وطريقة ندخل بها إلى الحياة حسب “بروست”. مهما أنفقنا من وقت في القراءة فإنها ستبقى مفتوحة على أفق لا نهائي بالنظر إلى العدد الكبير من الكتب التي سنظل جاهلين بها إلى الأبد. القراءة مفيدة لنا لأنها تكسبنا رصيدا معرفيا وتجوّد عمل ذاكرتنا بإضافة عقول غيرنا إلى عقلنا كما يقول “الجاحظ”. أما الكتابة فتدخل ضمن خانة تحقيق الذات والإنجازات. فهي إشباع لحاجات إنسانية متعددة ، تطهير للنفس وتطوير للمهارات الشخصية . الكتابة تكثيف رمزي لحالات اجتماعية وثقافية ونفسية وتجاوز للمألوف وبحث دائم عن نص مخالف للسائد.الكتابة بالنسبة للمبدع حياة إذا توقف عنها انتفى وجوده الاعتباري.

لذا، فقد لعبت القراءة دورا مهما في تشكيل تجربتي الإبداعية لأنها أغنت وصقلت موهبتي وحفزتني على خوض تجارب في الحياة وفتحت لي أفق الاطلاع على تجارب شعرية وروائية عبر جغرافيات متعددة وعلى أفكار وتأملات فلسفية لدى الكثير من الفلاسفة. بالقراءة أجوّد مهارتي في الكتابة الشعرية والاستماع إلى الأصوات الشعرية الأخرى..

المحور الثالث: قضايا أدبية عامة

  1. كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم، وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟

ــ الكتابة في العالم العربي ينطبق عليها ما ينطبق على الوضع في المغرب، هناك إبداعات وإنتاجات يومية تنشر على المواقع والمنابر الثقافية من مجلات وجرائد وغيرها لكننا نلاحظ اكتساح الرواية ثم القصة بوتيرة أسرع، وما يرتبط بهما من قراءات نقدية . ويبقى التحدي هو كيفية صناعة نص جيد بالمقاييس الجمالية والفنية في ظل وجود منافس آلي (الذكاء الاصطناعي) وبيان حدود مصداقية الكتابة الإبداعية الإنسانية، والبحث عن طريقة تسويق هذا المنتوج عبر الأقطار العربية .

11.ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟

ــ بالنسبة لي ، أرى أنه لا يمكن تصنيف الكتابة إلى نسوية وذكورية لأن ذلك يخل بقيمة الإبداع، فمفهوم “الكتابة النسوية” لافتة تطارد كل مبدعة وتكاد تحصرها في إطار واحد هو عالم المرأة والتعبير عن قضاياها وهمومها ورغباتها ورؤاها، ما يقلل من قيمة ما تقدمه المبدعات من إسهامات عظيمة في تيار الكتابة العربية، سواء في الشكل أو الأسلوب أو الطروحات الخاصة بالقضايا الوجودية والإنسانية.

فقد أرادت المرأة المبدعة أن تبدو من خلال الإبداع ذاتا فاعلة ومنتجة وأن تجد لنفسها فسحة في عالم الإبداع الذكوري، وتظهر قدراتها الفنية والجمالية، وأن تعلن أنها دخلت مراحل عالية من مراحل الإبداع والتخلص من أشكال الظلم والتمييز الجنسي الذي كان سائدا في بدايات مسيرتها الإبداعية فأصدرت مجاميع قصصية وروايات ودواوين وكتب نقدية التي يتزايد عددها سنويا لكنها ما تزال أرقام إصداراتها تقع في مرتبة متدنية بالمقارنة مع إصدارات المبدعين الذكور. ما يدعوها إلى مضاعفة جهودها لمراكمة إصداراتها المتنوعة والانفتاح على موضوعات مختلفة أسوة بأخيها المبدع.

  1. مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقد أننا قد نستغني يوما عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على مستقبل الكتابة الإبداعية؟

ــ يشهد عصرنا تطورا تكنولوجيا كبيرا في مختلف مجالات الحياة؛ حيث خلقت واقعا جديدا أمام الأدب والكتب، وأثرت في الكتابة كمجال للتعبير أو التوثيق لتوائم عالمها ، حيث صارت أكثر انفتاحا على محامل أخرى مثل الصور والفيديوهات بدل الاقتصار على اللغة كما كان الشأن في الماضي. أعتقد أننا سنستغني يوما ما عن الكتابة الورقية كوسيلة للتعبير أو التوثيق وتحل محلها الكتابة الآلية الرقمية المفتوحة التي تنجز بكبسة زر، نظرا لإيجابياتها المتعددة؛ كتخزين الكتابة لعقود طويلة دون أن يمسها ضياع أو نسيان، وسهولة أرشفتها والعودة إليها في أية لحظة بدون صعوبات،وغيرها…

ومن نتائج هذا التطور ظهور الذكاء الاصطناعي الذي اقتحم مجال الكتابة الإبداعية ما أثار جدلا واسعا حول ماهية الإبداع ومستقبله ودفع الكتاب إلى طرح سؤال وجودي: ماذا نفعل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي جعلت الإبداع البشري يتوارى خلف سطوة الخوارزميات؟ ونحن نعرف أن الكتابة الإبداعية الآلية التي برع الذكاء الاصطناعي في صياغتها وبنائها تختلف عما يخرج من الوجدان البشري.لأن جزءا كبيرا من قيمة الكتابة مرتبط بالذات الإنسانية وما تحمله من بصمة شخصية لكل مبدع، تمتزج فيه المعاناة مع التجربة والإحساس. لذا، علينا أن نعرف كيف نجعل هذا الذكاء الاصطناعي شريكا مفيدا للكاتب، لا خصما له حتى نحافظ على الكتابة الإبداعية بزخمها وتميزها مستقبلا.

المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية

  1. ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟

ــ لا يوجد كتاب محدد أثر في تجربتي الإبداعية، بل هناك كتب إبداعية كثيرة سواء كانت شعرية أو نثرية تركت بصمتها الضمنية أو الواضحة في مسيرتي الإبداعية، لأن تجربة الكتابة لا تنطلق من فراغ بل مما تم هضمه واستيعابه كالأسد الذي ما هو إلا خراف مهضومة،  على حد قول الشاعر بول فاليري.

  1. ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟

ــ الكتاب الذي حلمت أن أكتبه، هو ديوان له وزن إبداعي وجمالي راق في المشهد الشعري المغربي والعربي..وربما حتى إن طال بي العمر لن يتحقق ذلك لأن المبدع على امتداد حياته تراوده عدة أحلام لكن لاشيء يحققه.مهما كتبنا وأبدعنا لن نصل إلى الكتاب المبتغى.

  1. كيف يرى الإنسان جمال أزراغيد المبدع جمال أزراغيد؟ (سؤال للذات والتأمل).

ــ حينما أتأمل مرآة الذات أرى أن هناك اختلافا بين شخصيتي كإنسان وشخصيتي كمبدع. هذه الأخيرة يعتريها القلق والتوتر والتيه الطائش والانفلات من المألوف لاكتساب خبرات وتجارب أخزنها في ذاكرتي إلى أن يحين وقت فورانها إبداعيا،  فضلا عن أحلام اليقظة التي تعبد الطريق أمامي لتوسيع خيالي وتطوير أفكاري وملكاتي الإبداعية.أرى نفسي في حوار مستمر مع ذاتي لأشكل صورا شعرية جديدة تتقطر من القلم الأحمر الذي يحفزني على الإبداع وخوض غمار التجريب.

  1. ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب (ة)، وهل تراها مقياسا حقيقيا للنجاح الإبداعي؟

ــ إن ما تضيفه الجوائز الأدبية للكاتب (ة) هو منحه تقديرا وإعطاؤه يقينا بأن ما ينجزه من عمل يأخذ حقه. كما أنها تلقي بهالة من الضوء والمتابعة للعمل الفائز.إضافة إلى دفع الكاتب (ة) إلى دخول غمار التنافس وتجويد أعماله وتقديم الأجمل منها. ومع ذلك، أراها ليست مقياسا حقيقيا للنجاح الإبداعي لأنها من المستحيل أن تعطى لجميع المبدعين(ـات) المتفوقين في أعمالهم المتألقة إبداعيا. يبقى ربح القارئ هو الجائزة الحقيقية والمشجعة.

17.ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟

ــ من مشاريعي المستقبلية على الصعيد الإبداعي؛ مواصلة الكتابة والنشر في الملاحق والمجلات الوطنية والعربية لتحقيق تراكم جديد يسعفني على جمعه ثم إخراجه ـ إن شاء الله ـ في أضمومة شعرية إذا ما وجدت لها ناشرا داخل المغرب أو خارجه.

 

بعض النصوص الإبداعية

جمال أزراغيد*

النص 1: قَناديل قُدَّتْ مِنْ نور

ــ ن ــ

نــورٌ تُدْمِنُهُ الصَّبابَةُ سِرًّا

تَحْتَ أَعْمِدَةِ الظّلام

يُحاصِرُهُ بُزوغُ الشَّمْسِ

لِيَضْفِرَ أُمْنِياتِهِ

بِضَفائِرَ

قُدَّتْ مِنْ خَطواتٍ يَحْبِسُها زَئيرُ الأَسى.

روحٌ تَقْذِفُها العُيونُ جَهْرًا

جِهَةَ مِرآةٍ

عالِقَةٍ بَيْنَ طَيّاتِ السَّحابْ..

عَلَيْها أَكْتُبُ تَعَبي

       أَقْرأُ عَجَبي

                  مِنَ الْوُجودِ كُلِّهِ

إِذْ تَجَلّى حِكايَةً خَبيئَةً لِلْأَسْرار.

ــ ا ــ

ألِفٌ تِلْوَ أَلِفٍ تَتَلَأْلَأُ عَلى شاشاتِ الطَّريقِ

إِلى سَكَني الْمَسْكونِ بِنَسْمَةٍ

هَبَّتِ

        مِنْ سيقانِ الرّوح

أَوْقَفْتُها مَساءً

لِأَعُدَّ كَمْ مِنْ خَطْوَةٍ

أَنْفَقَتْها على رصيفِ المارْتْشيكا*

كَأَنَّ الخطواتِ أَخطاءٌ

تَجَبَّرَتْ عَلى أَهْدابِ المَدينَةِ

أَحْمِلُ الأَلِفَ عَلى كَتِفي

وَأَمْضي إِلى نُجومٍ

زَرَعَتْها الريحُ حُدودًا

عَلى امْتِدادِ الْوَقتِ…

عَلى ارْتِدادِ القَلْبِ…

ــ ض ــ

ضَــوْءُ المَدينَةِ كانَ يافِعًا

حينَ صَدَحتُ:” نَشّينْ أَسّا”**

والْقَمَرُ مازالَ يرْعى أسْرابَ النَّوْرسِ

فَوْقَ مَوجٍ

يَسْرُدُ أَحْلامًا

              يَنْثُرُ أَفْراحًا

تَسْكُنُ خَرائِطَ العُمْرِ

تِلْكَ التي رَسَمْتُها

قُبالةَ المَرْفأِ الصَّغير

بَعيدًا عَنْ زاوِيَةٍ

يَسْتَوْطِنُها ضَحِكٌ يُشْفي الرّوحَ

مِنْ خُدوشٍ

نَبَعَتْ مِنْ زَفيرِ الْماءْ.

ــ وــ

وَسْطَ أَنْفاسٍ جارِحَةٍ لِلظَّلامِ

أَسْدَلَ الكورْنيش

سَتائِرَ مَجازٍ

عَلى قَناديلِهِ المُثْقَلَةِ بالرَّمْلِ

لِتُظَلِّلَ

شَعائِرَ العُشّاقِ تَحْتَ أَضْواءٍ

تَدُلُّني عَلى مَباهِجَ

تَناثَرَتْ عَلى زُجاجِ المَقاهي،

أراها حَمامَةً

تَتَوَسَّدُ هَديلَها

كُلَّما مَدَّ المَوْجُ قَدَمَيْهِ في الرّيحِ،

هِيَ نُقَطُ شَهْوَةٍ

تَلْعَقُ الوَقْتَ

لَهَبًا

يوقِظُني مِنْ أَعْماقي الرّاحِلَةِ في البَهاء.

ــ ر ــ

راكِضًا خَلْفَ زَبَدٍ

يَتَعالى

كُثْبانَ قُطْنٍ يُغَطّي قَلَقي

أَتَنَصَّتُ عَلى وميضٍ

يَتَشَظّى مِنْ سُقوفِ المَعْنى

حِبْرًا

يَتَصَمَّغُ عَلى مَناديلِ المَقْهى

أَقْرَأُهُ بِدَلالٍ

وَشَمْسُ الخَريفِ

تُخَبِّئُ لِساني

في أَنْفاسٍ

رَقَّتْ بِها مِياهُ البحْرِ في فَمي.

قَبْل النَّوْمِ

تَداعتْ في مُخَيِّلَتي

مَلَكًا حائِرًا

حَطَّ رِحالَهُ عَلى كَمَدي

مُنْتَظِرًا

         نَسيمَ الْفَرَحِ

         رُفْقَةَ بَرْقٍ

خاصَمَتْهُ الأَنواءُ عَلى سَماءٍ

لَها رُسُلٌ مِنْ أَحْرُفٍ طَرَّزَتْها

أَنايَ المُمْتَدّةُ إلى هَسيسِ الظِّل.

*بحر صغير يحد مدينة الناضور المغربية شمالا.

**لازمة تتكرر في أغنية أمازيغية ريفية تعني:(نَحنُ مِنْ هُنا)

النص2: خُيوطٌ سُلَّتْ مِن نار

ــ 1 ــ

طريقُكَ كِتابٌ أَبْكَمُ

تُذَرّيهِ الرّياحُ

كَأَنْغامٍ

أَسالَها النّايُ في رَدَهاتِ الكَوْن

إِذا التَقَيْتُها

هامَتْ في مَمْشاي

كَلماتٍ

ظَلَّتْ صامِتَةً عَلى أصابِعي..

ــ 2 ــ

روحي صُوَرٌ

تَتَهادى بِإيقاعِ الكَوْن

إِذا لَمَحْتَ واحِدَةً

أَغْواكَ السَّفَرُ في أَلْوانِها

عَلَّكَ تَجدُ قَرَنْفُلَةً

تُعَطِّرُ

تِلالَ فَجْرٍ

يُخَبِّئُ أَنفاسَهُ

في قاموسِ لَيْلِكَ الأَثير.

ــ 3 ــ

في ذاكَ المَساءِ

كُنْتُ أُعَدِّلُ حَرَكاتي

على شاكِلَةِ خَوْذَةٍ

تَقيني تَعَبَ حَياةٍ

ظَلَّتْ تَرْبُتُ عَلى ظَهْري

بِأَيادٍ

تُحَرِّضُني

حينَ يَتَأَجَّجُ الشَّوْقُ في أَسْراري

على اعْتِناقِ الهَوى

في مَمْشاك.

ــ 4 ــ

عَلى شاشَةِ التّلْفاز

كانَتْ تَرْقُصُ عَلى إيقاعِ شُموعٍ

تُغَطّي

كَعْكَةَ الميلادِ

أُراقِبُها عَنْ كَثَبٍ

وَأَنا أُرَيِّضُ مُخَيِّلَتي العَمْياء

داعِيًا إِيّاها أَنْ تَمُدَّني

بِآخِرِ شَمْعَةٍ

أُنيرُ بِها العالَمَ الهائِمَ في السَّوادِ

                       عَلى جَبهَة الفُقَراءِ

                       حينَ تُباغِتُهُم هَبَّةُ الغَلاء.

بَعيدًا عَنِ الشّاشَةِ

تَحَسَّسْتُ جَسَدي

لَمْ أَجِدْ إِلّا ضَوْءًا

أَعْماهُ احْتِراقُ المَدى

في آخِرِ العُمْر.

ــ 5 ــ

أَيُّ مَكانٍ سَأُخَبِّئُ فيهِ سَمائي

بَعْدَما تَناثَرَتْ نُجومُها

في أَوْرِدَةِ أَنْهارٍ

تَتَدَلّى

مِنْ جَسَدٍ وَرَّمَهُ هَزيزُ الرّيحِ

فَوْقَ حِجارَةٍ مُنَدّاةٍ بالرَّشْقِ

لا أَعْرِفُ كَيْفَ شَقَّتْ طَريقي

وَاَنا، خِفْيَةً، أَلْتَهِمُ الوَقْتَ

ساعَةً… ساعَةً…

تارِكًا على نارٍ أَنْفاسي

تَرْقُصُ لِلْغابَةِ المَخْمورَةِ

التي تُذَكِّرُني بِسَماءٍ

أَوْدعتُ فيها كُؤوسَ أَلْحانٍ

كانَتْ تَتَرَنَّحُ في مَتاهَةِ يَدي.

ــ 6 ــ

آتي نَجْمًا

يَضْحَكُ مِنَ السُّحُبِ العابِرَة

لَمْ أَجِدْ فيهِ ما يُذَكِّرُني

بِخَطواتٍ

أَنْفَقْتُها في ساحَةٍ أَضْناها الوَجَع

كانَ وَجهُ النَّجْمِ لَوْحَةً

أَذِنْتُ لِروحي المُضْمَرَة

أَنْ تشْهَقَ في أَلْوانِها

أَنْ تَشْنَقَ في أَفْنائِها

الظِّلالَ

بِخُيوطٍ سُلَّتْ مِنْ نارٍ

تَتَوارى

في غَسَقِ اللَّيْلِ

مالي وَهذا الغَسقُ

يَنثُرُ الملْحَ

في عُيوني الهائِجَة

صُحْبَة طيْفٍ يُرَتِّلُ أَغانيهِ

شَغفًا بِاصْطِحابي إِلى سِدْرةِ المُنْتَهى

ــ 7 ــ

الآنَ،

يَتَسايَلُ فَوْقَ كَتِفي المَساءُ

يَحُطُّ رَحْلهُ

قُرْبَ أَفكارٍ

تَنْتَثِرُ

عَلى حُدودِ وَطَنٍ

يَخْتَصِرُ هُوِيَّتي

في نَجْمَةٍ تضيء غَدي

أقولُ لِلْمَساءِ:

              ــ اِرْحَلْ وَرَحْلُكَ وَديعَةٌ في دَمي..

ــ 8 ــ

بِاسْمِ خَطواتٍ بَريئَة

صَيَّرَتْني عَبْدًا

لِطَريقٍ

يَحْكي لِلِعابِرينَ حِكايةَ طِفْلٍ

ظَلَّ عالِقًا

بِأَجْنِحَةِ السَّراب

يَتَمازَجُ صَوْتُهُ

مَعَ أَنينِ الأَعْشابِ فَوْقَ المِذْراةِ

أَراهُ راحِلًا في المَرايا

يَسْتَقطِرُ مِنْ ظِلّهِ

أُفُقًا

تُضاحِكُهُ النُّجومُ

عَلى سَكَّةِ الْوُجودِ..

ــ 9 ــ

ما أنا إِلّا رَدّاتُ فِعْلٍ

تَناسَلَتْ

عَلى قَشْرَةِ الأَرْضِ

كَثيرَا ما قَشَّرْتُها

          قَشْرَةً..

          قَشْرَةً..

لِأَرى وَجْهي

في الْمَمَرّاتِ السُّفْلى

نَغَمًا يَتَوَهَّجُ

عَلى أَصابِعِ فَنّانٍ

احْدَوْدَبَ عَلى مَجاري المِياهِ

باحِثًا عَنْ نوطاتٍ

تَتَنَبَّأُ بِموسيقى الذِّئابِ العَمْياء.

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً