“من لدنه” أو الكاتب الذي امتلكته شخصياته

حسن إمامي*
جلس السارد في خلوة من أمره. رأى شيئا غريبا، تمثل في كون الحاكي يريد تحقيق ذاته وكينونته أمام السامع. لماذا اختار الحاكي السارد لكي يحكي له؟ لقد حقق بعضا من الخلود في جعل جزء من حياته ومخياله قطعة أو تحفة متلقاة من الطرف الآخر، وليس أي آخر. ماذا يريد منه؟ طبعا لا ينتظر جوابا. ربما لن يجده. الأمر الذي دفع السارد إلى الدفع بالحكاية إلى الأمام. لن تبقى ساكنة وثابتة في التاريخ وفي المحكيات، خصوصا في ذاكرة السارد. يعلم أن الحكاية أصبحت مثل دينامو فاعل في ذهنه وتفكيره. لن يتحكم فيها حينما يتحقق تأثيرها في سلوكه وحياته. ما العمل؟ لم يكن سؤالا منتظرا لجواب. كان الجواب فعلا عمليا. ذكره بالعلم اللدني المرتبط بالتوجيه السماوي. سيصبح لدُنِيا مرتبطا بكلمة (من عنده). دفع بالمحكي لتوجيه الخطو. يعيش السارد تجربة الحاكي. سيصنع قدرياته الخاصة متماهيا مع الرواية.
سيقرر السفر، واختيار المدن مثل مراكش، والفندق، وحضور الفتاة. سيقرر السفر إلى أوربا هو الآخر. ولكن، أي حياة هي سيكون سعيدا فيها إن لم تكن خاصتَه برغبته وذاتيته؟ ها هو علمه الذي تلقاه وصاغه قد أصبح عملا (من عنده)، أو “من لدنه”، كأنه منزل من السماوات. لكن، أين هي ذاته وشعوره بسعادتها. مجرد صانع حكايات ومتتبع لأحوال الآخرين.
دق قلبه بنبض قوي. انتبه لخطر تحويل سرده إلى منافس للروايات المقدسة. آمن ويؤمن بأن لا اختراق للغيب إلا ما كتبه القدر. استثمر القلم. جعله ذا هيبة وسلطة وقدرة خارقة للعادة. كم من مرة يستغرب مما كتب. قد تمضي مدة، وحين إعادة القراءة يُسائل نفسه: هل فعلا أنا من كتبت ما كتبت؟ يصبح غريبا عن أفكاره التي عبر عنها وبها. ويقدر:
“هناك دواخل تسكننا نحن ضيوف عندها”
قد يجد خيوطا لهذه الأفكار معقلنة في مصطلحات الباحثين المعاصرين، في الحديث عن التناص، عن التفاعل النصي، عن الميتا نص، والميتا حكي، والميتا حكي – نص… سيتتبع الخيط الخفي الذي يشكل سحرا منفلتا عن الحواس. سيكون هناك تأرجح بين الشفهي المسموع في ظرف زمكاني، ونفسي اجتماعي، وبين مفكَّر فيه ومشتَغل عليه ذهنيا، وبين مسرود كتابة إبداعية، ومع التلقي التفاعلي من طرف المباشرين وغير المباشرين في العلاقة والتأثير والتأثر.
(من عنده). يعلم أنه استعار شكل التعبير من ميلان كونديرا الذي يصنع لغته وينتجها ويوزعها للاستهلاك وللتلقي عند قرائه. كونديرا الذي يعلم أن القارئ الغربي متعطش للجديد الذي يغذي روحه ووجدانه. قارئ التهمته مادية الحضارة الغربية وتصنيعها لكل شيء، حتى الإنسان وجسده بالأخص. وهذا هو الأخطر. سيكون هذا الإنسان مكسرا في رواياته للثوابت، داعيا إلى قيم يرتاح لها خارجة عن المألوف.
تضايقه عبارة (من عندهم). يعتبرها شعبوية في التوظيف والدلالة. ليست هي مقصودُه طبعا. استحضرها هنا لكي يزيحها. وهذا ما قام به. انتقل إلى حكيه الخاص، “من لدنه”. الآن صفت العبارة.
ما انتقلت إليه حياته كان أشباحا يسخرون من خطواتها واختياراتها. أصبحت الشخصيات التي صنعها حكيه هي المتحكمة بذوقها ورغباتها. فقدَ قراره واختياره. الألوان ألوانها في اللباس، والأطعمة بذوقها في الأكل والشراب. حتى العلاقات الغرامية، كانت بالصورة التي صُنِعت بها. أي سعادة هذه التي تجعلك مزدوج الشخصية ربما، في شيزوفرنيا غريبة. هل نقول إنه أصبح مريضا نفسيا؟ كان شبح قلمه ورقنه، وطيف كتابته، يسبقانه إلى الاشتغال وترجمة الواقع إلى محكي، وتربص الآخرين في جزئيات سلوكهم مع الإسراع إلى تدوينها وتوليفها في قصصه وخيالاته.
من الصعب عليه أن يكون محاورا لذاته، ومتصارعا معها، خالقا حروبا وهمية داخلها، ليس لشيء سوى لكونه تلبّست به الشخصيات التي كتب عنها فأصبحت ذاته مملكة أشباح لا تقتصر على يقظته في حضورها، بل كذلك في أحلامه وكوابيسه. تمنى لو تخلّص من كل هذا، لكن الرقن والطبع للحكاية سبق التمني للوجود والتحقق.
في لحظة معينة، لم يستطع السارد الاستمرار في المحاكاة والتماهي. أراد استرجاع استقلاليته وحريته، رغم أنه هو الكاتب والمنتج للنص. جعل مسافة بين مسار الرواية ومسار خياراته الحياتية. تنفّس الصعداء. لكن شبح الحكي ما يزال يسكنه، رغم أنه جعله خارجه وداخل النص المكتوب والمرقون. تذكر نفس الوضع الذي عاشه وهو يكتب مقالا بعنوان: الكاتب الذي تسكنه شخصياته. أراد ختم هذه الرحلة بإعادة نشره هنا. أخيرا:
الكاتب الذي تسكنه شخصياته:
لن تكون جديدة هذه الحكاية. كم من شريط سينمائي ترجم هذه العلاقة بين الكاتب وشخصياته. أستحضر بشكل جمالي ودرامي ذلك التفاعل والاختراق الذي يتم بين عالمين، الأول واقعي والثاني خيالي افتراضي. حتى إننا لن نعود في حديث عن أيهما الحقيقي. بالنسبة للمتلقي، والذي قد يكون قارئا أو مشاهدا أو مستمعا، فالعملية أكيد أن فيها عجائبية واستغراب مرافق لها. لكنها كعملية بالنسبة للكاتب فقد تكون العكس. أي أنها قد تكون حقيقة معيشة. واقعا دراميا حياتيا. قد يجلب النعمة مثلما قد يكون نقمة على صاحبه. فهل يمكننا أن نسأل الكاتب عن شعوره وترجمته لتجربته؟
كيف سيتحدث عنها؟ وهل ستختلف بين هذا وذاك؟
هناك تقاطع كبير بين حالات الهلوسة والتداخل بين الشخصيات في نفسية الفرد الواحد، مع الحالات التي نرصدها في تجربة بعض الكتاب حين تمتلكهم أرواح شخصيات. سيعيش المريض نفسانيا تفاعلات أرواح وأصوات ومشاعر موزعة وملتقية داخل ذاته راكمها التفاعل مع المحيط والبيئة وأفراد المجتمع الكلي وليس الجزئي المحلي أو الأسري. سيكون ضحية لتناقضات وتعثرات واختلالات وعدم توازن في الفصل بين الذاتي السوي والزعزعة أو الصدمة التي تفجر اللا توازن داخله وفي سلوكه العام. لكن هذا الكاتب أو ذاك، من أين ستأتيه هذه الحالات؟ ربما يجب علينا أن نسأله عن تجاربه وعلاقاته مع شخصياته التي يكتب عنها وينكتب بها. ربما سأسأل ذاتي أولا، وعن سر اختيارها للكتابة في هذا الموضوع. كيف ارتقت الفكرة ومن أين أتت. كيف عشتها وأعيشها. لكنني أريد أن أجعلها ملاحظات موضوعية وليست مجرد تأملات ذاتية خاصة بتجربة فردية. لهذا سنجعل الملاحظات ومعها الاستنتاجات، ثم نترك للمتلقي حق التفاعل بين بين. له أن يتجاور معها ويناقشها حتى ينفتح الفكر لما هو أفضل من هذه التدوينات النسبية. وهو اجتهاد أولي، ولبنة لأجل بناء ما هو أفضل فكرة وموضوعية وملاحظات مستنتجة.
في تجربتي الشخصية، كانت رياضة عقلية وحياتية وما تزال. عمليات تأمل للآخر ومحاولات رصد سلوكه وتفسيره وربطه مع السياق والموضوع. ما تراكم من تجاربي وثقافتي ومعرفتي، أحاول أن أجعله مساعدا على الفهم والاستقراء والاستنتاج من فعل وسلوك الآخر. هكذا أجدني ذلك المحقق، وذلك المتجسس، وذلك المتابع لتجربة مختبرية. قد أتعمّد اختلاق السبب أو الإثارة حتى أترقب نتيجة ما. كمن يحاول أن يصيغ القدر ويتابع قدريات نتائجه وآثاره. قد أدخل في تجربة الآخر وأحاكيها وأحاول أن أستجمع الحكي من التجربة بأحاسيسها ومشاعرها وخلاصاتها، بوصفها ومعاناتها أو ممتعِها، بكل ما يمكنني أن أستفيده منها، فيكون القلم أو الرقن ترجمة لكل هذا.
هكذا أعيش الغرائبية ذاتيا، حيث تكون حياتي هي حياة الآخرين، وتجربتي هي غوص في تجربتهم. وقد لا أكونني لأنني انخرطت في تجربة مختبرية واعية أردتها للشخصية حتى تنكتب بما أتفاعل معه. وربما من زاوية ما، ومنطلق ما، أمُرّ بمراحل ثلاث على الأقل:
ـ مرحلة الذات ـ الأنا وتجاربها ومشاعرها ومواقفها كما عُقدها ونواقصها التي تسقطها على عملية الكتابة.
ـ مرحلة الشخصية المنسوجة والمتخيلة والتي هي هذا الآخر المصنوع افتراضيا وذهنيا، والتي تتشكل من عنصرين بارزين هما: الخيالي التخييلي والواقعي، فتنصهر داخل الحروف المركبة كائنا أدبيا وثقافيا جديدا بامتياز. ويكون التفاعل بين اثنين نتاجه ثالث آخر جديد هو نحن معا.
ـ مرحلة الحياة الجديدة التي تنعكس على نفسية الكاتب، والتي تختبره في محطات معيشية جديدة، قد يعي وقعها وقد يكون ضحية ما غرسه كجينات ثقافية يبرمج معها سلوكات النفسية والشخصية والترجمة الحياتية.
ومع هذه المرحلة الثالثة يأتي هذا التناول الذي يجعل الكاتب مستغرَبًا عجائبيا. قد يكونه الفنان الرسام أو الشاعر الملهَم أو غيرهما كذلك. هي تجربة الإبداع عموما. لكن، الأخطر في كل هذا هو أن يفقد الكاتب التحكم في ذاته وتوازناتها ويصبح في قدرية شخصياته وعقدها وانفلاتاتها. حيث يصبح الصياد فريسة لصيد آخر افتراضي لا إرادي لكنه متفاعل داخل ذات صاحبه. فهل هناك حلقات مفقودة في تحديد ومعاينة العلاقة بين الكاتب وشخصياته؟ هل هي لعنة الكتابة في وضعيات ما؟ ولماذا لا نتكلم عن أجوائها ومملكاتها السعيدة التي يعيش معها وبفضلها؟
أسئلة تجيب عن نفسها وفي سياقها. لكنها أسئلة تدعونا إلى مزيد تأمل وتفحّص للظاهرة. والظاهرة ندركها مع المتلقي كذلك. هذا الذي يتفاعل منذ صغره مع شخصيات محكية أو ممثَّلة في مسرحية أو مشاهدة في مسلسل أو شريط تلفزيوني أو سينمائي، أو مقروءة في قصة أو رواية… هي عملية التربية التي تعتمد على الثقافة المبدعة وعلى الفن. وهي العملية التي يؤمن الجل بإيجابياتها وضرورتها. لكن النسبية والانفلات يكونان مع ما يقع خارج المرغوب تربيته عليه وتأطيره داخله كسلوك مرغوب. وهنا يتقاسم المبدع والمتلقي لعنة الإبداع الذي يكون وقعه سَلبيا على صاحبه، أو لنقل أنه يكون عجائبيا وغرائبيا كتجربة يريد البعض خوضها كمن يعشق سيجارته الأولى تحديا ونشوة ورغبة وسفرا مع دخانها الأبيض المنفلت في اللا فضاء واللا أفق.
هذه وتلك هلوسات متأمَّلة. تجارب معيشة. عالم كتابة مجنون يخلق عوالم غريبة. فكيف يستطيع الكاتب أن يتعايش مع شخصيات عديدة امتلكت كيانه، ولم ترِد مفارقته ولا التخلص من تفكيره وشعوره؟ كل مرة تطفو بأصواتها لكي تزاحم اختياره وقراره وذوقه ومساره.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي