نور الدين ضِرَار بين حياة وحياة

خديجة عثمان*
على ساحل موغادور، حيث الرياح لا تهدأ ولا تستكين، ينتصبُ نور أمام البحر رُوحه التّوأم، ويطلق العنان لأمواجه المتلاطمة بعنف، وكأنها تعكس الصراع الذي يرجّ جوانحَ خلجانه، وهو يسرح بنظرته الساهمة فيما وراء الأفق الأزرق كما لو كان يستنفر غيوبا من بشائر حياة موعودة استرسالا لحياته السابقة.. هكذا عرفته بسكينة نورس يفرد جناحيه في لجة الزوابع، وصلابة سفينة نجاة تقاوم الغرق لآخر أفق موصول بالسماء دونما شاطئ أو مرفأ.. هو صنوُ البحر، خلوته الفسيحة بما يسع إشراقاته دَرءاً لألم الروح، وشاعر العزلة البعيدة الذي يَمدّ خَطوَه على مدّ الشطوط، لِيَرسُمَ بزبدها حدود اليابسة.. على هذا المنوال نجده دائما يُهادِنُ مَكرَ الوقت بصفاء، ويقاوم وهن العمر بالقصائد والأغنيات.. وكلما تمزق شراعٌ، أشرَعَ صَدره لهول اليّمّ من أوّلِ مَوجَةٍ لآخر عاصفة..

تتوالى تفاصيلُ سيرته في الذاكرة شريطا مطولا من صور الطفولة كحبات فشار تتسابق في وعاء الحنين المخضب بالألم. انطلاقاً من ارتياده للمسيد في سن الأرجوحة بقرار عائلي لمسار دراسي مرسوم سلفاً دون سؤال مسبق طبقا لوصية جده الفقيه، مرورا بصرخات الشعور المبكر بالوحدة بين جدران البيت بصحبة الكتب وأسطواناته القديمة، مع الانجذاب لتراب الأرض الذي يتسرب إلى عروقه من سفرياته الأولى لدواوير الشاوية أثناء عطله المدرسية، إلى بواكير قصائده الطفولية لتتشكل بالتدرّج من خلالها كينونةُ الشاعر الذي صار تَطلّعُه أكبرَ من جسده، وحلمُه أوسع من روحه.
في غير ما نص من كتاباته، يتذكر كيف كان ينبثق الصباح على المدينة البيضاء، وصوت الأمومة المزدوج يُعَمِّقُ شُعورَه بنوع من الفقد صَبِيّاً موزّعا بين حاضنة حاضرة ووالدة غائبة، وكيف تواشَجَت مشاعره بتلك التي تَبَنّته بأقوى ما يكون حب امرأة لصغيرها الأوحد، في حكاية لم يستطع تفكيك حبكتها إلا في سنينه اللاحقة، وظل نفس الطفل بنفس الحبّ عالقا بحضنها الأرحب، إلى أن انتزعها منه الموت لتتركه في ريعان الشباب طافحا باليتم وحيدا بأكثر من وجهة في دروب الحياة، لكن بهمة قوية لا تستكين وعزيمة صلبة لا تلين.
مرت عليه السنون وهو مشدود لعوالمه الخاصة من مُصَنَّف لمُصَنّف، ومن مؤلف لمؤلف، شغوفا بفضول معرفي متصاعد في شتى صنوف العلم وفنون الأدب. وكان لا بد أن يقف على أكثر من ساحل، ويخوض في أكثر من بحر، وبين الأمواج المتلاطمة تتقاذفه شتى التيارات وتتنازعه مختلف النزوعات، فيغوص في محيط شاسع من المذاهب الأدبية والفنية والفلسفية والفكرية، ويتشابك مع قضايا وإشكاليات على اختلاف مرجعياتها وتباين مستوى تشعباتها، ليصبح تقدميًا حتى النخاع في مراوحة واعية بين قديم وجديد، ويصير هاجسه خارج أي انتماء حزبي أو عَقَدِيّ متمحورا حول مبدأ العدالة الاجتماعية والحرية كما آمن به أساسا جوهريا للحقوق الإنسانية.. هذا قبل أن تنقلب به البوصلة ذات سفر في رحلة روحية فريدة انتهت به لتذويب تناقضات كل تلك التشعبات الفكرية والفلسفية التي تشبع بها مرحلة بعد مرحلة في بوتقة واحدة بعزلته المطلقة، ويتحول للبحث عن عدالة أخرى، عدالة السماء مفعما بمحبة الله وحسه الصوفي العميق، على إيقاع “إشراقات من حياة أخرى”..
على أرضه أكثر من منبع إلهامي لا ينضب، وفي جعبته أكثر من أسلوب إبداعي لا ينفد، ولا يزال في غياهب غيبه غيرُ ما من إشراق مرتقب، وإن كان قدره حينا فحينا من زمن لزمن يحمله وهنا على وهن، ومع ذلك حتى في لحظاته السوداء يحتفظ لنفسه بالقدر الكافي من الصفاء ليواصل العطاء، وتظل عالقة في صلبه أسرار يصونها كما يصون العارف جواهر البحر. نلتقطها ذات صحبة أو ذات فيض متعدد، لأنه يحب الغوص في كل المحيطات حرفًا لحنا وطربا وغناء..
نور ليس مجرد فنان موسيقي أو شاعر مترجم.. أكثر من ذلك، هو صوفي ينتشي في كل إشراق بخمرة الله المسكرة، زاهد تكفيه بساطة حياته الهائلة، مغربي العقيدة كوني النزعة، ومن عاداته اليومية في كل خلوة أن يتلاعب بأبجددية الكتابة كما يلاعب الـ”نبيل” المحترف الكرة، غير أن ملعب نور من ورق زاخر ببهاء الحروف وضياء الكلمات، بلغته العربية القديسة النفس، وفرنسيته الناعمة كخيط حريري يلوح للوجود من قمة برج إيفيل.
كان عصيًا أحيانًا، عصبيا مزاجيًا أحيانًا أخرى، لكن قلبه مفتوح كسماء صيفية صافية، وعطاؤه للثقافة لا يعرف حدودًا، كتابة وتنظيرًا، وأستاذا مكوِّنا وجمعويا متمرسا. يعانق الكلمات، يكتب ويرسم بحروفه لوحات العشق والفرح بين هلوسات الشعر-وتسكعات النثر-، وبلغة تقطر صدقًا ونقاء، بين شعر منظوم أو منثور بعدد غير قليل من الدواوين، وهايكو ينحى في ترجمته وإبداعه منحى التأصيل بلغتين، وباشتغال عميق على مستوى المبنى والمعنى في كل السياقات…
نور حداثي أصيل تعرفه المحافل والمنابر.. ساير كل الأصناف بحنكة المبدعين وخبرة العارفين.. كيف لا وهو سليل “ضرار بن الخِطاب” ووريث أفياء دوحته العصماء.. بقلب أكثر من شاعر في الشرق والغرب لبى “استيهامات العاشق الأوحد” و”هلوسات خارج التغطية”، وخط “تداعيات من زمن الحب والرصاص” و”توشيات لأهوال الحب والمطر”، دخل الشعر بقلب شاعر، وكتب للمرأة وللوطن الأكبر كمتلازمين، يحمل في قلبه كإنسان تناقضات كثيرة بين هدأة الصمت وصرخة الأعماق، وفي وعيه ككاتب بين اصالة التقليد وحداثة التجديد، كأنه كائن من زمن آخر حملته بوابة الثقافة إلينا من سواحل بعيدة، فنثر “تسكعاته في خرائط التيه” و”زَخّاته من المطر الأخير”، بجينات الصعاليك المتمردين وروح الأولياء القديسين..
أبدع، بل تميز في كل فن عانقه بحب، وأنجب العديد من الطربيات الموسومة بنوره بمشاعره العميقة وبصمته العريقة، وتظل أغانيه المشبعة بنفحة من زمننا الجميل تطفو بين الحين والحين صدى في مهب الريح كأهل الكهف في زمن لا يثمن قيمة النوادر والجواهر. تتردد في أعماله الفنية تَيْماتُ الشغب والشغف والحب والرحيل والسفر والسهر والحزن والفرح.. في قوالب موسيقية خفيفة الروح ومقامات بلمسة بارعة… من “أشودة حب” و”كان حلما”، مرورا بـ”تلك الليلة” و”مسافة حب”، إلى “مراهقة” و”علاش لا”، فضلا عن “لليلة فقط” و”لأني أحبك”.. وكلها أغان مشبعة بجمالية خاصة فيها الكثير من الصدق الفني وحنين السنين..
في أكثر من محنة، أقام في مستشفيات عدة،ولكنها لم تمنعه من اعتلاء المنصات وتفقد المكتبات ومواصلة السفريات، والاعتكاف الدائم في أركان المقاهي الهادئة للقراءة والكتابة والترجمة مما يؤهله كل موسم بباقة من الإصدارات داخل المغرب وخارجه بوتيرة متواصلة، كأنه يقاتل الداء بالقلم بإيجابية مثلى ومعنويات عالية وطاقة ربانية فريدة.. وفي كل هذا التنوع، يبقى الشاعر الذي يرى القصيدة ابنته البكر المدللة، وحبيبته الفاتنة، منارة الحياة، وتوأم الروح والكفاح، أما الهايكو فطفله اليافع الذي يعتني به كما يعتني بفلذة كبده، تنشئة ورعاية ورسم مسار.. وفي كل غروب، لا يفوته أن يقف مع صديقته أمام المحيط المتماوج، يتأبط قصيدة ليعايش معها تفاصيل القصة ويراوغ أمواج البحر باتجاه آفاق جديدة أو سواحله البعيدة..
هكذا يجد نور نفسه دوما بين الحياة والحياة، لا موت يحول بين العاشق وعشقه، بين الكاتب وقلمه، وكأنه وحده من يستنطق صمت الوجود، ليقول لنا:
“ما زلت هنا… بين الموج والرياح، بين الألم والرجاء، بين -اليد العاشقة- و-الصدر الأعظم-، بين الحب والحياة. أحيا، ولا شيء غير الحياة.”
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي