أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / قراءات في خصائص بنية الهايكو… المشهديةIII (الجزء السادس) – توفيق أبوخميس

قراءات في خصائص بنية الهايكو… المشهديةIII (الجزء السادس) – توفيق أبوخميس

إضاءات على الهايكـــــــــــو

قراءات في خصائص بنية الهايكو… المشهديةIII (الجزء السادس)

توفيق أبوخميس*

يمكننا بسهولة أن نغفر لطفل يخاف من الظلام؛ أما المأساة الحقيقية في الحياة فهي عندما يخاف الرجال من النور”.

افلاطون

الخطأ أحد موجودات العالم الإنساني، ومنذ نشأته الأولى فضلاً عن أن الاعتراف به وتقبله هو الشّرط الأول والأساسي لتأسيس مفهوم التسامح، وحيث إن الخطأ هو أحد موجودات العالم لأنه رافق الوجود الإنساني منذ انطلاقته، ولولا وجود الخطأ ما كان للوجود الإنساني على ظهر هذه البسيطة من كينونة، ولولا الخطأ لما انطلقت مسيرة العلم النظري ولما أدركت البشرية بُغْيتها الحضارية من تراكم المعرفة العلمية عبر تاريخ العلوم والآداب وتصحيحها.  

“ما بني على خطأ فهو خطأ”

هذه المقولة صحيحة وقاعدة فقهية وقانوية وأدبية أيضاً سليمة، وحكمة بالغة اشتهرت على ألسنة العلماء والمشرعين وغيرهم، ويعبر عنها بعضهم ايضاً بقولهم: ما بني على باطل فهو باطل، أو: ما بني على فاسد فهو فاسد، أو: ما بني على حرام فهو حرام.

لأن ما بني وأسس على مقدمات فاسدة ينتج عنه نتائج فاسدة، وما بني على مقدمات صحيحة فإنه يساعد على أنتاج النتيجة الصحيحة، فالتابع عادة يأخذ حكم ما هو تابع له. لكن مادامت الحقائق ليست سوى أخطاء يتم تصحيحها وجب علينا الأخذ بتصحيح هذه الأخطاء والعمل على تصويبها.
يبدو من أعظم مساوئ الكتابة في مواقع التواصل، ومساوئ عصرنا هذا بالمجمل بأنها جعلت للمُفْلِسٌين لغوياً ومعدومي الدراية ببنية الأدب وخصائصه نافذة مشرعة لإلقاء تفاهاتهم في كل حدب وصوب
مما دفعني لكتابة هذا المقال هو قيام بعض المنتديات على مواقع التواصل بعقد ما يسمى: “ورش في كتابة الهايكو”، وهذا الأمر بحد ذاته لا غبار، بل ويعتبر أمراً جيداً أذ قام بالأشراف عليه شخص متخصص، أما أن توكل مهمة الإشراف وتسيير مثل هذه الورش لأناس لا يفقهون شيئاً بأساسيات المادة المطروحة في الورشة أو حتى بديهيات اللغة فهذه والله لهي الطامة الكبرى شديدة القبح.

من البديهي القول إن كل جنس أدبي يقوم على خصائص وعناصر وشروط لبنيته الصحيحة، وإذا أختل بأحد هذه الخصائص والشروط نحى النص منحى آخر يبتعد فيه عن التصنيف لهذا الجنس الأدبي .. وعن الهايكو كما باقي الأجناس الأخرى فهو له بعض الخصائص والشروط لبنيته التي يتفرد بها عن بقية الأجناس الأدبية ومنها عدم الأنسنة، والتخلي كلياً عن المجاز، والتنحي .. إلخ
الهايكو عبارة عن نص أدبي (شعري/نثري) وهو نتاج مشهدية صادقة تعتمد اعتماداً كلياً على حواس الإنسان الخمس وهي:(السمع، البصر، الشم، التذوق، اللمس) وبتاتاً لا شيء غير ذلك،
فكيف لها أن تكون بادئة تدريب لكتابة نصوص الهايكو بمثل هذه البادئة الخاطئة ؟! وهي:
– خريف محاصر

– أشجار تحتضر

ولنا ان نتساءل كيف للخريف أن يكون الخريف محاصراً .. ؟!

ومعنى “الحصار” كما جاء في اللغة إصطلاحاً : حصار: بكسر الحاء مصدر حاصر ، الإحاطة بالشيء ومنع النفاذ إليه.
وحصار المدينة: الوقوف في منافذها ومنع الدخول إليها. (قاموس المعاني).

في المقطع الثاني “أشجار تُحْتَضَر” هنا جاءت الأنسنة جلية وبكل وضوح بمفردة تُحْتَضَر
– الاحتضار: (اصطلاحاً)‏:

وقت طلوع الروح عند الموت‏.

– وقت حضور الموت الآدمي = ساعة نزع الروح. (قاموس المعاني)

وهنا تم الصاق صفة على الأشجار ليست لها وهي الاحتضار

في الهايكو كل كلمة في النص تدل على معناها الفعلي والدالة عليه، ولا تَوْرية فيها، فإذا قلنا قمر فهو القمر، والزهرة هي الزهرة، وشجرة الزيتون هي ذاتها .. إلخ.

علينا التوقف عن السرعة والتسرع في النشر، والتلهف على حب الظهور، قبل أن تنضج افكارنا وتكتمل دراساتنا وفهمنا لأي موضوع نريد الخوض به،  بحيث حينها يقع حديثنا المدروس والمناسب في مكانه الصحيح ..  واستذكر هنا من أجمل الأقوال بهذا النحو ما قاله المتنبي في الكاتب ابن العميد:

قَطَفَ الرِجالُ القَولَ وَقتَ نَباتِهِ

وَقَطَفتَ أَنتَ القَولَ لَمّا نَوَّرا..

ولي أن أقول:

علينا أن نتعلم السباحة جيداً قبل أن نلقي أنفسنا بلُّجَّة اليم.

شاعر وناقد من الأردن

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً