أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / بارفـــــــان -البشير إركي

بارفـــــــان -البشير إركي

ملف خاص: الروائي والقاص كريم بلاد

بارفـــــــان

البشير إركي*

 

كان البيت غارقًا في سكونه العادي، سكون لا يعلن عن نفسه ولكنه يستقر في كل زاوية من زوايا المكان. جلس “حمايمو” قرب العتبة، يراقب الضوء وهو ينزل بطيئًا على الأرض، ويتغير مع انفتاح الباب وانغلاقه. لم يكن ينتظر شيئًا محددًا، ولكنه كان في ذلك العمر الذي تكفي فيه أبسط الحركات لتفتح معاني جديدة داخله.

في ذلك الوقت، لم يكن يعرف أن اليوم سيحمل تغييرًا صغيرًا في الظاهر، عميقًا في الباطن.. دخلت “فاطمة.”

لم يكن دخولها مثيرًا للانتباه، ولكن الهواء حولها تغير قبل أن تصل إلى المكان نفسه. شيء غير مرئي سبقها، واستقر في الفراغ بين الأشياء. لم ينتبه “حمايمو” في البداية، ثم شعر أن هناك ما يدفعه لرفع رأسه ببطء، كأن شيئًا ما يستدعيه لذلك.

جلست قرب أمه، وبدأ الحديث العادي. صوتها كان طبيعيًا، ولكن ما يحيط بها لم يكن عاديًا. كان العطر يتسلل بهدوء، ويملأ المسافات الصغيرة بين الجدران والأنفاس والكلمات. لم يكن شيئًا يُرى، ولكنه كان حاضرًا بشكل لا يمكن تجاهله.

“حمايمو” لم يعد جالسًا في مكانه فقط، بل صار يتحرك داخله مع كل تفاصيل هذا الحضور الجديد. شعر بأن شيئًا يتشكل فيه ببطء، شيء لا يستقر على تعريف، ولا يقبل أن يُسمى.

تقدم بلا صوت، اقترب أكثر، ثم أكثر، حتى صار بينه وبين مصدر ذلك الأثر مسافة صغيرة جدًا. لم يكن يقصد الاقتراب بل يقصد الاستكشاف، كأنه يجرب مجهولًا داخله أول مرة.

جلس قربها. تنفس.

في تلك اللحظة، لم يعد التنفس فعلًا عاديًا. شعر أن هناك ما يدخله وما يترك فيه أثرًا فور خروجه. لم يكن يفهم ما يحدث، ولكنه كان متيقنًا أن شيئًا جديدًا يفتح مكانًا داخله لم يكن يعرفه من قبل.

العطر لم تعد عنده رائحة فقط، بل أصبح حالة. حالة تغير إدراكه للمكان وللحضور، وتجعله يعيد النظر في الأشياء البسيطة التي لم يكن يلتفت إليها.

بدأ يميز بين الوجود وأثر الوجود، بين الجسد وما يتركه في الفراغ حوله. أدرك أن بعض الأشياء تستمر حتى بعد غياب سببها المباشر، وأن ما لا يُرى قد يكون أثقل مما يُرى.

ابنة عمته التي جاءت من آسفي كانت تتحدث بعفوية، تضحك أحيانًا، وترتب كلماتها دون أن تدري أنها ترتب شيئًا آخر في المكان. كان “حمايمو” ينصت إليها دون أن يستقر على كلماتها، بل على ما يتسلل بينها، على ذلك الحضور الذي لا يُقال ولا يُكتب.

وفي تلك الساعة، بدأ يفهم بطريقته الخاصة أن لكل إنسان مجالًا غير مرئي يتقدمه قبل أن يصل، ويبقى بعد أن يرحل. وأن العطر جزء من هذا المجال، يحمل ما لا تستطيع الكلمات حمله.

لم تكن تدري أنها، ببساطتها، تحدث هذا الانزياح الصغير في داخله. ولم يكن هو يدري أن ذلك الانزياح سيبقى، وسيتسع بعد ذلك في ذاكرته بدون سبب ظاهر.

عندما حان وقت غيابها، لم يكن الغياب صوتًا ولا حركة. كان تدريجيًا، ينسحب من الفراغ بلا إعلان. وبقي “حمايمو” في مكانه، يحاول أن يعيد ترتيب ما شعر به، ولكن الأثر لم يكن يقبل الاستعادة.

عاد إلى العتبة. نفس الضوء، نفس الهواء، نفس الجدران، ولكنه هو لم يعد نفسه بالطريقة نفسها. شعر أن المكان يحتفظ بما لا يُقال، وأن ما يبدو عاديًا قد يحمل في داخله مفاتيح لما هو أعمق.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد “حمايمو” ينظر إلى العطر على أنه شيء يُشم فقط، بل على أنه حضور يُدرك، وأثر يتجاوز اللحظة، ومجال غير مرئي يبقى في الداخل حتى بعد أن ينتهي كل شيء.

قاص من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً