قصص قصيرة

منير المنيري*
قال الراوي:
كان لجدي ثلاث نسوة؛ الأولى تفرع منها النسل حتى صرت شابا، والثانية ظلت عاقرا إلى أن طلقت، والثالثة ما زالت تتمايل كإوزة وتخصب ذاكرته لكتابة قصيدة شعر زجلية.
أصبح جدي ذات يوم، وهو يترنم بصوت كوكب الشرق، وراء الستار الفاصل بين مضجعه وغرف أبنائه، تساءلت عن فرحه غير المعتاد، فلم أجد جوابا إلا عندما بدأ بطن الثالثة يتكور، وشفتاها تأخذان لون البنفسج.
ظل جدي يترنح خوفا أمام غرفة الولادة، ذهابا وجيئة، كأنه ينتظر مولودا من بطنه لا من بطن الثالثة، كنت الوحيد الذي آزره في محنته، وكان الكل خجلا يقتفي الأخبار هاتفيا، أردف ابنه الأربعيني:
_ وماذا وضعت الثالثة؟؟
أجبته:
_ توأمين… ذكرين، جميلين.
فغلق الخط في وجهي، وبدا لي جدي يقبل رأس القابلة ويمد لها ورقة نقدية بلون السماء.
أمسى جدي يقيم عقيقة في اليوم السابع لمجايليه ممن حاربوا بالبنادق، وبالعصي، وفي اليوم الثامن لمن شهد ولادتهم واحتضنهم في المدينة، وفي اليوم التاسع، لمن مر بهم وهم يتقاذفون الكرة في الملعب البلدي، أو يلعبون الورق في مقهى قنقوم بساحة أسراك، واليوم العاشر لمن باعوا كل شيء وانتظروا الموت على مرافئ الوطن.
أضحى الابنان يلقبان معا الحسن والحسين، تبركا بحكاية سمعها جدي في حلقات الساحة الكبيرة بالمدينة، لم يجادله أو ينافسه أحد على التسمية، حتى من الثالثة التي لا يرفض لها طلب صمتت خوفا على كبريائها.
بات جدي يداعب ابنيه الحديثين، يحني ظهره لأحدهما، ويدغدغ بطن الآخر، ويتيه بين تموجات الصراخ والضحك إلى أن يحين وقت صلاة الفجر، حينها يتوضأ وضوءه الأصغر أو الأكبر، ويغادر البيت بسبحته نحو المسجد، وهو يحمد الله على نعمه الكثيرة.
ليس للحب حدود، وليس لجدي قلب واحد، بل له قلبان، واحد للأولى والآخر للثالثة، تعجب الكل كيف يعدل بين امرأتين من جيلين، جدي كان عدلا لأنه آمن بحديث المصطفى وَأَوَّله كما ينبغي له:{ للبكر سبع وللثيب ثلاث}.
مازال جدي مدمنا على زيارة الأولياء الصالحين وفقهاء الزوايا، يقول:
_ هم قوتي وعوني، ونور طريقي، اللهم أدم صحتي وارزق أولادي.
ما دام جدي حيا يرزق، فلا أحد يملك ناصية قراره في العائلة، هو من يسدد فاتورة الكهرباء والماء، وهو من يتبضع الخضر والفواكه والقطاني من السوق البلدي، وهو من يقيد النسل في كناش الحالة المدنية، وهو من يدبر أمور كل شهر بعدما يأخذ الواجب من أبنائه الثلاثة.
ما فتئ يذكر زوجته المتوفاة كل عاشر من شعبان، ذكرى وفاتها، ويتصدق بدراهم معدودات على أعتاب المقبرة، ثم يرمم قبرها بيده، ويستعيد أيامها في بقية اليوم.
ما انفك يجادل في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، يعارض فقهاء المدينة ولا يهادنهم، يسقط عليهم اللعنات، ويلقبهم بالأعاجم وفقهاء الولائم والمقابر، يقيم صلاته وحيدا، أنى شاء، وعندما ينهيها، يحمد الله ويطلب منه عمرا مديدا ويسيح باحثا عن التجلي في أركان المدينة العتيقة.
ما برح المنزل لمدة شهر كامل، الكل حسب أنها الأخيرة، حتى من معارضيه، تنازلوا عن دعواهم في المحاكم، وراحوا يعددون محاسنه، وبعدما اشتد عوده ونجا من قبضة المرض، خضب شعره بالحناء، وارتدى جلبابا قشيبا، وأطل على الكل بعين تخشى الحسد.
صار جدي ينادى سرا بالمعتوه، لأنه يداعب ابنيه الصغيرين في الحديقة كل عشية، وصار يُتَّهم بالتشيع لأنه سماهما الحسن والحسين، وصار يوصم بالعنصرية لأنه يحتكر كل مهام الأسرة، وقريبا سيحاكم بتهمة الزندقة، لأنه يتحدى الفقهاء والعلماء ويحاول وضع تفسير شفوي، عند عتبة المسجد الكبير، لقصار سور القرآن.
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي