أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / رؤى : السارد (القاص) والحقيقة – الحَسَن الگامَح

رؤى : السارد (القاص) والحقيقة – الحَسَن الگامَح

ملف خاص: الروائي والقاص كريم بلاد

  رؤى : السارد (القاص) والحقيقة1

الحَسَن الگامَح*

 

 

في تلك الزاوية المنسية من مقهى المدينة، حيث يتثاءب الوقت بكسل رتيب، كان يجلس متدثرًا بغيمة من تبغ كثيف. لم يكن الدخان هناك سوى هواءٍ محترق، بل كان حجابًا صوفيًا يطمس الملامح ويغوي الخيال؛ تُرى من يكون؟ هل هو إدريس الخوري الذي استعار صمت الشوارع؟ أم محمد زفزاف بمرارة واقعه؟ أم إدريس يوسف التائه في تفاصيل الحكايا؟ أم أنطون تشيخوف الغريب الأطوار الذي ضل طريقه إلى هذا الزقاق؟

لم تمنحني الرؤية جوابًا، وأنا الغريب الآتي من بعيد، أحمل تعب الطريق ولهفة اللقاء، أترصد وجوه العابرين في هذا الركن القصي من العالم. ألقيتُ إليه بسؤالي، كلماتٌ ضاعت مني الآن تفاصيلها، لكنني أذكر ثقل الصمت الجنائزي الذي تبعها. لم يحرك ساكنًا، لم يلتفت، وكأني لم أكن سوى صدىً لصوت ظل الطريق.

ومع تكرار السؤال، أشعل سيجارةً أخرى كأنه يوقد فتيل فكرةٍ انتحارية، وبكل هدوء، استلَّ ورقةً من حقيبته الجلدية العتيقة، وارتمى في بياضها بضراوة، يكتب وينسج بخطٍ أسود قدرًا ما. كنت أرقبه بوجل، كبحارٍ ألقى بصنارته في لجة الغيب وينتظر ما سيجود به الموج. مرت الدقائق مخمورة، لا أدري كيف انفرط عقدها، حتى نهض فجأة. وضع كأسه الفارغة فوق الورقة كأنه يختم على نصٍ مقدس، ثم ألقى عليّ وصيته الأخيرة ببرود هزّ أركان صمتي: “عليك أن تؤدي ثمن قهوتي..”

انصرف وحقيبته تتدلى على كتفه كحملٍ من أسرار، تاركًا خلفه ورقةً ترتجف على الطاولة كأنها كائن حي. تناولتُها بلهفة، وبدأتُ ألتهم ما كُتب فيها من هذيانات مقدسة:

 (كتب على الهامش الجانبي): سأل الغريب الملحاح: كيف للقاص أن يكتب الحقيقة وهي كائن هلامي ينسلّ من بين ثنايا السطور كلما توهمنا الإمساك بزمامه؟

فأجيبه على الفور: إنها تلك العروس المحجبة بالاستعارات، التي لا تطلّ على الورق إلا لتعلن عن غيابها أو لترتدي قناعاً جديداً يربك القارئ والكاتب معاً. ففي عوالم القصة، لا تشرق الحقيقة كشمس واحدة في العاشرة صباحاً، بل تتفتت كمرآة سقطت من يد القدر، لتتحول إلى شظايا لا نهائية تعكس وجوهاً متكاثرة وملامح متنافرة.

على الهامش الجانبي كتب: الصدق في الأدب لا يعني نقل الواقع، بل يعني القدرة على جعل الخيال يبدو أكثر حقيقة من الواقع نفسه.

ثم في قلب النص كتب: إن محاولة القبض على الحقيقة داخل نص قصصي تشبه محاولة سجن الريح في قفص من خيوط العنكبوت؛ فالقاص الحذق هو من يتخلى عن ادعاء الصدق المطلق ليتبنى تعدد الأصوات، فاسحاً المجال لكل شخصية أن تبني حقيقتها الخاصة من حطام أوهامها، ليصبح النص في النهاية متاهة من المرايا المتقابلة، حيث لا يوجد وجه أصلي، بل مجرد انعكاسات لأقنعة لا تنتهي.

على الهامش الجانبي كتب بخط غليظ: كيف للقاص أن يكتب الحقيقة وهو يدرك أنه يمارس عليها دور الجلاد والرسام في آن واحد؟

وفي قلب النص كتب: حين تزدحم عليه الأوجه، يجد نفسه أمام جريمة لا بد من ارتكابها ليولد النص؛ إذ لا يمكن للقصة أن تستقيم دون أن يمارس القاص سطوته بالحذف والقص، وبتر الزوائد التي قد تشتت ذهن القارئ.

إن القاص يتعامل مع مادة لزجة هي الروح البشرية، لذا فإن صرف الأوجه المتعددة لتصير حقيقة واحدة ليس بحثاً عن المطلق، بل هو عملية تكثيف درامي تهدف إلى خلق حقيقة فنية موازية. إنه يمنح القارئ خيطاً واحداً يمسك به وسط متاهة، محولاً التزوير الاضطراري إلى أداة للكشف.

ملاحظة كتبت بمداد باهت في الأخير: الحقيقة العلمية قد تشرح كيف ينبض القلب، أما الحقيقة القصصية فهي الوحيدة الكفيلة بشرح.. لماذا انكسر هذا القلب.

انتهى النص، تناولتُ تلك الورقة بحذرٍ كمن يمسك تميمةً سحرية، ودسستُها بين ثنايا كتابٍ عتيق، كانت قد مسّته يدُ الزمان قبل أن أشتريه من أرصفة سوق الكتب القديمة. وبكل طواعية، دفعتُ ثمن قهوته من تلك النقود القليلة التي ادّخرتها لنفسي؛ كنتُ أمني النفس بجلوسٍ هادئ، أرتشف فيه قهوتي وأسكبُ نصًا غريبًا في مقهى غريب، برفقة كائنٍ يغلفه الغموض.

لكن الأقدار غافلتني؛ فكان هو من تذوق مرارة البنّ، وكنتُ أنا من سدد ضريبة ذلك الحضور. غادر هو بالخفة كلها، وبقيت أنا أصارع ثقل الكلمات، تاركاً حلمي بكتابة نصي الخاص يغفو خلف سطوره التي تركها لي.. كأنها دينٌ أبدي لا يوفى.

مكناس 24 مارس 1984

1_ من المجموعة القصصية: رؤى

قاص من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً