الرئيسية / الأعداد / دراسة نقدية تحليلية في ديوان “وتسبقني المسافات… للشاعر العراقي مهند الشاوي – سهيلة بن حسين حرم حماد

دراسة نقدية تحليلية في ديوان “وتسبقني المسافات… للشاعر العراقي مهند الشاوي – سهيلة بن حسين حرم حماد

دراسة نقدية تحليلية في ديوان “وتسبقني المسافات… للشاعر العراقي مهند الشاوي

سهيلة بن حسين حرم حماد *

 

تضطلع اللّغة بوظيفة تشخيص الظّاهر، للأشياء وللمحيط، بدءا من الطّبيعة والآخر، وصولا إلى الغوص، في أغوار الحالة الوجوديّة، والنّفسيّة الوجدانيّة للأديب عموما، وللشّاعر خصوصا، باختياره وبإرادته، في المُعلن الظّاهر المحبّر، أو قسرا مضمرا مخفيّا بين السّطور، تفضحه مفرداته، كما تشي به حروفه المنتقاة التي ينظّم بها جسد قصائده، فيتبيّن للقارئ من ذلك درجة انفعالاته، كالتوتّر والقلق، والأرق، والحزن، والفرح، والغضب، والوجع، وما يعانيه، من فقد واغتراب وحنين إلى ماض مفقود يتمنّى عودته فيعيده في مخياله، فقد يجنح الشّاعر في تعبيره عن المواقف، والأحداث، التي تعترضه في حياته بطريقة ساخرة، يغلب عليها التهكّم، والهجاء، والقدح أو المدح والغزل كالتغزّل بحبيبة وفي وصف لوعة هجر أخرى، آملا متأمّلا في لقاء، ووصال بأحبّة افتقدهم بالموت، أو فراق بالحياة، مسببين له نكبة، ومرارا، وحزنا عميقا، بعد أن فقد برحيلهم طعم الحياة، فبقي يحلم بعودتهم إلى أوكارهم.

ومن هنا نتبيّن مدى قيمة الشّكل واللّغة في خدمة مقاصد الشّاعر،  فمن خلال العتبات وانطلاقا من عنوان الديوان وتسبقني المسافات…” الصادر في بغداد عن دار المرايا لسنة 2020، للشّاعر العراقي مهنّد الشّاوي، نرصد بركانا وغليانا وحرقة واحتراقا وإعلان انفجار بأخبار لإخبار عن ما تختلج به النّفس من أسرار وخمائر، تنتظر لحظة خلاص.

يلفت انتباهنا التّشظّي وحرف العطف “واو” المعطوف على قريب بعيد تفصل بينهما المسافات، ووجع، وربما غربة في الزّمكان، وحنين إلى أمكنة، وشوق، وذكرى، وتذكّر لروائح وربما لنغمات وأصوات ظلّت تسكنه، فالذّكريات هي الأخرى مسافات في الزّمان، مرتبطة بالمكان والذّوات نستحضرها وهي عادة تسبقنا بالشّوق والحنين، رغم قهر الزّمان والسّفر والتّرحال تظل المسافات قريبة من النّفس من الذّاكرة فموطنه، وحقوله حقول الذّكريات التي تسكنه في موطنه شعور ينبئنا ربما بغربة وجوديّة.

وللتّذكير فإن شاعرنا هو فنّان بغدادي الأصل والمفصل، كاتب وشاعر اتخذ من تونس وغيرها وجهات ثقافية للمشاركة في ملتقيات أدبية شعرية وتظاهرات ثقافية متحصّل على: دبلوم وبكالوريوس فنون جميلة من جامعة بغداد *وشهاد دار التّراث الشّعبي *ودرس الآداب في التّربية *وفلسفة التّربية في طرائق التّدريس، وشهادات تقديريّة وجوائز متعددة *كما تقلّب في مناصب عديدة لها علاقة بالذّاكرة وبالحرف والفنّ والاستشراف *هذا إلى جانب إقامته لعدّة عروض ومعارض للأزياء التّقليديّة التّراثيّة العراقيّة داخل وخارج العراق *ومعارض في الخطّ العربي والزخرفة والتّصوير الفوتوغرافي والرّسم، إلى جانب مشاركاته في الأمسيّات الشّعريّة، في عديد من البلدان العربيّة وقد عرّجتُ على هذه النّاحية من حياة الشّاعر حتى يأخذه القارئ في اعتباره، لتكون عينه الثّالثة، التي تساعده على التّعامل مع الأثر لتمحيصه، ولتعييره فنّيا، للاستعداد ولإعداد ما يلزمه من عدّة، وجهد، لتقييمه بالشّكل الذي يليق به، للدنوّ منه ولفكّ ألغازه ورموزه، ذلك أن الأثر إبن شرعيّ يأخذ من جينات الأب ومرآة عاكسة لتجاربه، إذ من دون شكّ أن لدراسات الشّاعر، وخبراته، وتقلّبه في مناصبه الإدارية بليغ الأثر في كتاباته، من حيث العمق والصّورة والمشهديّة، الفنيّة، والتقنيّة، والموازنة والتّوازن والمقاربة وتقريب الوجهات وتجنب المواجهة المباشرة، إذ سوف تجعل كتاباته أكثر نضجا، وعمقا وحكمة وتكسبه لباقة، وأناقة في التّعامل مع المواضيع بحنكة، وكياسة، وبلاغة، ورقيّا مع الحرف، والجنس الأدبي، وأنواع البشر والمرأة، على وجه الخصوص، ومهارته هاته تنضاف إليها الفلسفة وتضمّخها دراسته للآداب في التّربية وتعمّقها الملتقيات، والاحتكاك بالنّاس، كل هذا سيمنحه أريحية، وستفتح عينيه على حقائق، وجزئيّات دقيقة مجهريّة، وتفاصيل لا يمكن أن يصل إليها إلا مثقّفا، حكيما فيلسوفا أو عالما خبيرا، فماذا وشاعرنا قد جمع كل هذا وأكثر بترحاله فصار بذالك رحالة تسبقه المسافات، فأيّ مسافة يعني، أهي مسافة اللّامكان واللّازمان أم مسافة الزّمان أم مسافة المكان أم مسافة الهوّة الفاصلة بين الأمس واليوم والغد، أم مسافة الحضارات، أم الفجوة بين الروح والجسد، أم مسافة الغربة في الوطن، وفي الجسد أم مسافة البعد بين الأنا والنحن والأنت والهو، وماذا يخفي هذا الأثر من أسرار مخفيّة عطف عليها الحاضر تسبقه المسافات والنقاط المذيّلة للعنوان؟ فمنذ البداية نراه يحتاج إلى ونيس يكمل معه المشوار، ليملأ معه الفراغات، فراغات الفقد، والمكان، والزّمان، والرّوائح، والأصوات والتّذوّق واللّذة، والمتعة بالحياة وبالوجود، فجاء العنوان وكأنّه إعلان وآفيش لفلم سينمائي، أو لمسلسل، يّعرض على واجهات القاعات السينمائية لجذب المغرومين، للدّخول في عالمه، للتّجوال في عقله و ذاكرته من خلال ما جادت به قريحته.

غلاف الكتاب…

يبدو الغلاف امتدادا للعنوان حيث تظهر الألوان أكثر وضوحا، كذلك الفكرة والموضوع والرّؤيا، الزّمن بدا وقت هجير، في بدايته عند منتصف النّهار، غاب الظلّ والشّمس في كبد السّماء، اقترض السّراب من الشّمس درجة من درجات احمرارها، فسكبها على اصفرار الرّمل، فبدت الأرض مضمّخة بلون برتقالي يميل إلى حمرة، ليبرز التّناظر وليزيد من معنى تمازج الأوان، فينسحب اللّون الباهت الضعيف للرّمال، فاسحا المجال لحمرة كأنّها خدود أنثى خجولة بتول، وأرض صلبة مضمخة بدماء شهداء أبرار.. لم تكتمل بعد ألوان قوس قزح، كسراب وهم ينتظر اجتماع بقيّة الألوان ليقيم عرس اكتمال الألوان في الأفق، لتزدان السّماء بألوان قوس قزح، إيذانا وبشرى بغد أفضل، ينسينا ما فات، تتناثر بقيّة الألوان، وتتوزّع ما بين السّماء والأرض، مشكّلة لوحة فوتوغرافيّة متناغمة الألوان، تتماهى نخلتان على اليمين، ونخلتان على الشّمال، في تناظر، تباهى كلّ منها بسعف عريشها الأخضر، وبجذعها البني المتماسك، كأنها ضفائر صبيّة رشيقة الجذع، ممشوقة القدّ، رافعة رأسها إلى السّماء في عزّة وكبرياء، وكأنّها تتماهى مع زرقة السّماء. نلمح في السّماء مساحات بيضاء كأنها فراغات، تنتظر رائي يملأها بريشته، ريشة فنّان، له من الخيال ما يستطيع اقتناصه من الباثّ، وينشّط خياله ومخياله لإكمال اللّوحة، غاب الظّل وغابت الظّلال فاسحة المجال للتّناظر والشّموخ في الهجير لألوان، وهّاجة تشبه منطقة الخليج والصّحراء في الهنا والهناك ومشاعر أهلها الفيّاضة بالعشق وحب الحياة.

غياب الظلّ في الصّورة، علّه يترجم عزّة وأنفة العراقي، وكأنّ الشّاعر لم يشأ أن يعكس ظلّ النّخلة، على الأرض، حتى لا تطأها الأقدام، لما للنّخلة من رمزيّة من حيث أنّها شجرة مباركة، ذكرت في القرآن، وأيضا لعزّة وشموخ العراقي، الذي لا شبيه له، عَراقة وحضارة سبق العالم في الحضارة الإنسانية بمسافات زمنية، لذلك نرى الغرب الحاقد، ينكّل بالعراق ليطمس حضارة، لا تشبه الحضارات، من حيث الثّراء، والغناء، والعطاء، ولفضلها على البشريّة جمعاء، فيما بدا الأفق، غير الأفق من صنع رسّام حَرَّفه بتقنيّة رقميّة متوفّرة، فزوّقها كما تصوّرها بألوان مقتبسة من بعض ألوان قوس قزح، في وقت هجير قبل وقتها المتعارف عليه قبل غياب الشّمس بقليل .

تظهر صحراء قاحلة مغشية كأنّها ساعة ما قبل نفخ الصّور، تنتظر اسرافيل وإعلان “القيامة” ديار أخفت معالمها كثبان الرّمال كلّ شيء ينبىء بغربة وتصحّر حياة، وغياب إعمار، غير أنّ النّخل لا زال شهما شاهدا في السّماء يماهي السّماء والضياء ولا يختلط بها محافظا على جنسه ونوعه في كبرياء.

لو حاولنا أن نلقي نظرة على عناوين النّصوص في الدّيوان، بأعتبار أن العناوين هي بوّابة كل نصّ:

شهيق، صمت الحروف، ذاك المساء، سألتني، أحب أن أراقصك، منشغل، يا أنت، سأنتظرك، لم يعد يعنيني، فجر قريب، أقدم وعدا، ما قاله فنجانها، حضورك، هي من قالت، أيتها الشّرقية، سأكتبك حرفا، أجب، ربما، تألقي، وهل، تستضيفني الصّدف، هي من تقول، أنثى فينيقـيّة، ملكتي، حين نلتقي، اختصار الوجع، نبوءة ومطر، علامات، أنت، قالت العرافة، عودتك، كطفلة، ماذا أقول، أريدك أنت، سيدة البحر، حب الخريف، وتسبقني المسافات، لك يا آخر القصائد، أخبرتني، تساؤل، يدهشني، أية لعنة، ما بك، حيرة، أعزفيني، لعبة القدر، دعوة، مطر، سيدتي، استحلفك، بأنتظارها، نظراتك، لو تعرفين، جمالها، كنت مخطئا، لو كنت تنتظرين، سندريلا، صوتك، حلم، ابتسامتك، اشتياق، يا صاحبي، دعيني أراقصك، صباحي، ذكرى، روعتك، ساعة ونصف، سمراء بابلية، أيا أنت، حب الخريف، قهوتي، زنابق عينيك، ليس كما نريد، حرموني، الأمان لك في النهاية، أفكار عنها، ترى كيف، نايات بصوت مبهم، متى أراك، هنا، كم جميل.

نلاحظ أن عناوين النّصوص، اختزال للفكرة، والموضوع، وفلسفة الشّاعر ونظرته للمرأة، وهي الدّال والمدلول، تلخّص ما ورد في النّصوص شكلا ومضمونا، من حيث الطّول، والقصر والصّورة، والمشهديّة، والحركة، والتّساؤل وحضور الزّمن بكلّ ثقله إيقاعا، وواقعا، بين حاضر وماض ومستقبل وأمر، وساعة ونصف، اقتطعها من الزّمن توقّفا لتبطّؤ، ويوم وليلة، للتّمطيط، وفصل خريف بغية القفز على الزّمن، حضرت المشاعر، والحبّ، والحواسّ، والذّاكرة، والتذكّر، والتقابل والتضادّ، والحنين إلى الأماكن، والمناجاة والرّوائح، والأصوات، والعزف، والنّغمات، والحلم والأسطورة، والصّدفة، ولعبة الأقدار، والسّحر، والعرافة، وقارئة الفنجان، والوصف والتّوصيف، والخيال والتّخييل، والصّاحب والصّاحبة والأنثى من الطّفلة إلى الآنسة الصّبيّة الجميلة بطلة الحكاية، سندريلا، مرورا بسيّدة البحر، الفينيقيّة، والشرقيّة البابليّة، وصولا إلى المغاربيّة الملكة الحاكمة، ومن شجن واختصار للوجع، إلى أمل بالعودة، إلى قفز واستباق في “حين نلتقي”، والمشاركة في الفعل “دعيني أراقصك”، مستسلما في انسجام جسد ومشاعر مدعوما بإيقاع، إلى اللّامبالاة في “لم يعد يعنيني” إلى اللّعنة، تجسيدا للقلق والغربة، ومن الشّهقة المرافقة بشهقة القدوم إلى تلك المقترنة بالفراق، كذلك الابتسامة عنوان الأمل والبشاشة والسعادة، إلى فصل الخريف وتساقط الأوراق، وإلى خريف العمر، ومن ليلة حالكة الظلام إلى أمل بفجر جديد، ومن تأمّل وانتظار إلى مصارحة وبوح، وتوجيه خطاب لوم، وتوسّل، وإلى حلم بعودة، ومن صمت حروف، إلى تساؤل بعد دهشة، ومعاناة كتابة وانشغال بانتظار الهي، والأنت، ومكابدة عناء الحياة.

وردت عناوين النصوص متفاوتة الطول والتّركيب كالمتون فكانت متفاوتة فيما بينها.

(يحتوي الديوان على 80 نصا تغلب عليه قصائد نثريّة ذات بعد إنساني ثّقافي فلسفي كوني، فضلا عن الخاطرة القصيرة والطويلة). فمن المفردة ذات الفكرة الواحدة والصّورة اللّوحة، أو المشهد الواحد، إلى الجمل الفعليّة الدّاعية للمشاركة في الفعل والحركة والمشهديّة، والشّعور، والإحساس، إلى الإسميّة التي توثّق الاختلاج والبوح، إلى الإيهام بالشك بالانتظار.

بوأ الشّاعر قصيدة “شهيق…” المركز الأوّل في ترتيب قصائده في ديوانه “وتسبقني المسافات...” لما في لفظ الشّهيق، من معاني، فهو البداية وانطلاق الحياة والبدء، والعدّ لرحلة الوجد، والوجود نحو البحث عن المجد، والعلو والسموّ والسّعادة والتّوازن والحركة والبركة ومصير مسار توهّج المشاعر قبل انطوائها وانطفائها. هي قصيدة اختزلت اختزالا معاني كلّ القصائد، وعاضدت العنوان والغلاف وانفتحت على كلّ الأجناس الأدبيّة، والفنّيّة، بدءا من التّشكيلي، المرسوم بالرّيشة، إلى ذاك المرسوم بالحرف، المنثور نصّا شعريّا نثريّا مبنيّا، على الحكي والمقال الفلسفي، واللّوحة الفوتوغرافيّة السّاكنة، التّسجيلية، المقطوعة من الزّمن المتحرّك، ولفصول مسرحيّة، على ركح مسرح الحياة، تلك الصّور المتحرّكة المحدِثة للمشهد وللّقطات السّريعة كـ لم تتوقّف” وهي أيضا البطيئة القادمة على مهل “من الغيب البعيد” ارتدادا والتي تسبقها المسافات، وجاءت تقنيّة التّشبيه، التي استهلّ بها قصيدته المشار إليها آنفا في “وكأنّك” التي توحي بسيناريوهات، وبإمكانيّات متعدّدة في التّشبيه، التي لا عدّ لها ولا حصر، التي سترد في الدّيوان، كتشبيه الإنسان بالشّيء بالنّبيذ بالوسادة كحبيبته في “صمت الحروف وباللّاشيء..”بلا ملامح” “بلا جذر”بلا تأريخ…” وبالرّغم من ذلك، فهي ونقصد حبيبة نفَسه وكيانه، وتوأم روحه، ما زالت متشبّثة بالحلم المنشود، وما زالت تواصل البحث عن جذرها وعن تأريخها، في خياله، لا زالت تواصل البحث عن أمل جديد، عن فرح ينسيه النّكسات والانتكاسات، التي تتالت، والويلات، والخيبات، التي عاشتها البلاد العربية، وما زالت تعيشها. فهي العراق المجسّدة في الهي التي تبحث في ذاكرتها عن الوَنَس والأنس والونيس، عن العرس الحقيقي، عن الاقتران، عن اقتران الضّوء بالضّياء، لتتجلّى الغيمة، والغمّة، ولينقشع الضّباب وتنجلي العتمة والسّواد الحالك.. لترك عصور الانحطاط والجفاف والغربة والاغتراب..

ليشتري لها ثوب زفاف كما جاء في قصيدة نزار قبّاني بعد حرب أكتوبر حرب الانتصار الذي تلا النّكسة، التي مسحت الخيبة والفشل، في الجولة الأولى.

تركت عصور انحطاط ورائي تركت عصور الجفاف وجئت على فرس الرّيح والكبرياء” “لكي أشتري لك ثوب الزفاف”، ذاك الانتصار، للأسف الذي لم يُستثمر، والذي تلته تفرقة وانقسامات وانشقاقات وتصدّع وغدر وتفريط في منجزات.. ولكنّ  “الشّوارع” لديهلم تتوقّف” فهي تسكنه وهي تواصل صيرورتها وكينونتها بحثا عن تاريخها وجذرها فهي تسابقه وتستبقه وتعمّق غربته وفواجعه. فحتما هذا الجذر المفقود سيتكوّن من الضّباب، من الغازات، التي تولّد ألوانا كألوان الزّمان، وهالات كالهالة التي تحيط بالأرض، ستحميه في قادم الأيام ستحمي الحلم فباتت القصائد باقة من السّيناريوهات المسرحيّة والسّينمائية المنقولة عبر العين لقطات مرسومة، بريشة فنّان، وبحروف شاعر حسّاس، ممسرحة أحداثه ممثّلة تمثيلا، ينقل واقعا واعيّا حيّا، مؤلفة توليفا متناغمة، منسجمة، متّسق، إيقاعها، منفتحة، تعكس ما يمرّ به العالم العربي من خيبة ويريد أن ينكره الشّاعر في وعيه الباطني، ويرغب في التّغيير، من أجل نحت غد أفضل، لذلك نراه يأمل في القفز على جسور الحاضر، والماضي، لمعانقة المستقبل، والتّسريع لمساعدة الهي، لإيجاد عالم جديد أفضل، وأفق جديد عبر القفز على كل الجسور، لفتح جسور التّواصل مع الأمس، والهنا والهناك، لامتلاك اللّحظة، الآنيّة، والقبض عليها ضياء، لإدخالها في الصّيرورة، لواقع جديد لواقع آخر يفخر به، فكانت المشهديّة، على درجة عاليّة من الجودة، كذلك الإثارة، والتّشويق، والحبكة، في بعض القصائد كانت حاضرة، فبدت القصيدة، ملحمة وجود، وألوان في شكل قصيدة، على شكل القصّة، تحدث الدّهشة والصّدمة في القفلة، يحدوها التّشويق، والتّحدّ والصّورة المكثّفة من العنوان المبنيّ، على الصّدام، والتّضادّ، والمقاربة، والتّشبيه، والتّمازج، والتّنافر، والمدّ، والجزر، والحياة، والموت، فأصبحت بذالك القصيدة لدى الدّكتور مهنّد الشّاوي عالما منفتحا انفتاحا جميلا، على كلّ الفنون متمرّدة على الجمود والتّأطير وكلّ القوالب الجاهزة، كما سنسعى إلى تبيانه في هذه المقدّمة.

تستوقفك بالدّيوان إشارات خضراء، وأفعال من صنع ماكر خبير بالكتابة الشّعرية الحديثة، وتدابير قد تستوجب الانتباه قبل المرور من بوابات الواقع والحياة، والإيهام، مع الإيهام بقلق وتوتّر الأنا، نتيجة توقّع عبث، وعودة زمن مخيف كإيقاع موسيقى مرعبة لفلم ينبئ بحدوث جريمة، أو بفقدان عزيز، فهل حقا يرغب في معرفة ما يجري أم هو لزوم الشّعر؟ والمحسّنات البديعية؟ فتارة يتوجه الدكتور الشّاوي، للقارئ كي يسمعه ويوليه انتباهه، فيكسّر أفق انتظارنا بمناجاته لأمازيغيّة بالمغرب العربي، كانت حكاية عشق ألّفت بين شرق ومغرب، تدور وتدور عقاربها على نبض الزّمن تأسره تطربه، ومرّة يوغل في إيهامنا بأنّه هو الآخر لا يعرفها، إن كانت عرّافة هي؟ أم كاهنة أمازيغيّة ياترى؟ أم بريئة كطفلة يلقّنها الكلام، يقول لها لم أفهم فتعيدها بكل براءة ترنيمة لم “أفهم لم أفهم…” ومرّة أخرى بعزفها موسيقى.. مستنزفا صبرنا.. استدرجنا إلى عالمه التّخييلي، من خلال خدع تقنيّة ما ورائيّة أضفت مزيدا من الصّدق في العلاقة القائمة بين الشّاعر المرسِل، والمتلقّي المرسَل إليه، من خلال استنجاده بأدوات الكتابة فيستحيل القلم عنده مجدافا والبحر ورقة آلام، يستسلم أمامها وكأنّه جندي يلوح بمنديله الأبيض، أو شيء شبيه يرميه لها يطالبها بكسره، أملا في الغوص معها في البحر، وحبا في التّوحّد والخلاص من العذاب من الألم، أقحمنا في بؤر سرديّة نثريّة شعريّة، تغلب عليها الغنائيّة، والشّاعريّة، والتناضد والتّضاد فيلمع النّصل، وتسبق الشّهقة الضّوء، محدثا الدّهشة في القفلة، بعد الفيض والامتلاء بها، أي حبيبته، لأنّه يريدها هي، فهي الشّيء، والضّدّ، فهي الماء والنّار، “أزّمته وألزمته، شغلته وأربكته، أضحكته وأبكته”، فقد كفته عن النّساء، لأنّها قدره ولا يرضى بأن يتكبّد معاناة الكتابة لسواها، يتوجّه لها في إحدى قصائده بعنوان “لك يا آخر القصائد” وكأنّه على خشبة مسرح بريختي، فيكسر نمطيّة الزّمن في القصيدة مستحدثا بؤرة وعي نرجسيّة، تسجّل تعاليًا نصيّا، يكسر بها زمن القصيدة النّثريّة النّمطيّة، يكشف من خلالها معاناته وسرّه، الذي نعلم مسبقا أنّه ليس حقيقة، ولكنّها تقنيّة صارت موضة وناموسا اتفق عليه ما بعد الحداثة وما بعدها، توثّق الصّلة بين المتلقّي والشّاعر، لتزيد في متعة القراءة وتحرّك الصّورة، والمشهديّة، في ذهن المتلقّي، بغية تشريكه، وهي عبارة عن رؤية الشّاعر للعالم ومحيطه، لتصير بذلك القصيدة تمتلك ناصيتها وقدرها، لحسم أمرها مسجّلة وعيا ذاتيّا لكينونتها، وماهيتها، وفلسفتها، حاملة لسرّها، ولسرّ الأرض التي فيها كتب، فهي: “آخر النّخلات الباقيّات” تعبيرا عن شموخها في أرضه وزرعه وهي “هي آخر الحضارات…” فلن يكتب بعدها، ذلك أنّ كلّ نساء الدّنيا غير معنيّات بقصائده، وغير جديرات بعشقه، وهيامه، وسيبقى وفيّا مخلصا لذكراها بعد أن رحلت، فلن يتكبّد معاناة الكتابة من أجل تخليد أخريات في المستقبل في دواوينه.

وفي موضع آخر من الدّيوان في قصيدة “حين نلتقي..” يوهمنا الشّاعر، بعدم وثوقه بما سيحدث في المستقبل، إن كان فعلا سيلتقي بها، أو أنّه افتقدها إلى الأبد، فبدا كأنّه لا يمتلك ناصية الخبر، وأنّه مثلنا ينتظر ماذا سيقع في المستقبل؟، حيث يهيمن الزّمن بأنماطه فهو الإيقاع بالتّكرار لضبط الميزان، في حين نلتقي”، وتنغيما وترنيما في أشياء وأشياء، وبالتّشظّي، وفي النّقاط المتتاليّة لملإ الفراغات.. وبالنّفي ب”لن…” وبالتّأكيد في “بل”.. وفي ال”حين”، حين التوقّف العمد لسبر أغوار النّفس في التّشظّي.. وحين الوثب بالقفز على المستقبل.. للتّجاوز، وباستعمال الثّنائية لضدّية، لتكسير وتيرة الزّمن، ذهابا وإيابا، لتوتير نمط وتيرة الخبر والشّعور، لإرباك المتلقّي، وإدخاله عنوة إلى الرّكح، بدغدة وعيه للنّفاذ إلى لا وعيه، لمشاغبته لحمله على التّوقّع، في ما عساه سيحدث، والتّفكير في الحدود واللّامحدود، في الذّهن في الملفوظ، بين المتوقّع الممكن، والمستحيل حدوثه، بين المجسّد والمحذوف، الواقع بين السّطور المحمول ضمنيا في المعنى، الذي تحرّكه الرّوح في اتّساق وانسجام، فالهي بيبلوغرافيا من الأسماء اللّامعة، في التّاريخ والجغرافيا، وجغرافيّة الإنسان المحكومة بالحتميّة، وحاجة الفرد للآخر، لضمان صيرورة الزّمن وكينونة الذّوات، في المطلق والمشخّص، جمعتهم فضاءات القصيدة، وأجواؤها التّخييليّة، المستوحاة من الواقع، من الحاضر، والتّاريخ تأتي لتأصيل كيان الإنسان، والجنوح به إلى الأسطورة، لمصاحبة الآلهة ممزوجة بالنّكهات، لتأريخ وترسيخ ذاكرة جماعيّة مهدّدة بالاندثار نتيجة مرض الشّيخوخة الذي بدأ يتفشّى في البشر، حتى لا يتشفّى منّا الزّمان بالنّسيان، فأنثاه، ربّما من عصر بلقيس، وقد تكون أمازيغيّة تونسيّة، مغاربيّة من أصل برّ الشام علّيسة البابليّة، وعشتار الآلهة رمز الحبّ، فهي أنثى بنكهة الشّام والعنب، صباحها كحرير الصّين المغزول بأرضه، “يحمل توقيعها وإسمهاكنسيم بحر فجري، ومثل عزف قيثار غجري وعطر بأريج بحري وقهوة، لا تحتاج إلى سكّر كما جاء في قصيدة “ملكتي..” وهي” أنثى فينيقيّةمن زمن الملكات، وكأنّه اختلطت لديه الأمور والرّوائح، فلم يعد يعلم إن كانت الهي فعلا “حوريّة، أم إنسيّة ” فهي “أنثى من عسل” في سياق غير رواية “أنثى من عسل” للرّوائي السّوري المغترب “زهير شلبي” المدافع عن المرأة والمنحاز إليها، فجمالها فاق كلّ جمال ويؤكّد أنّها الطّيب وأطيب. فهي العسل، تغتاله عسل، وتطعمه الشّهد و”بريقها من الألق الشمس” “سحرها من السّحر.. أعجبّ” وعطرها من المسك أطيب.

قد يصل به الأمر أنّه في قصيدة هي من تقول…” أن يوهمنا ويقنعنا بأنّه يحاورها، تكلّمه وتصرّح له بحبّها، ويردّ عليها، لنكتشف في القفلة، أنّ الصّوت كان صدى، وأنّ حضورها داخله، فات كل مدى، اخترق كلّ الحواجز والحجب، وغيّب كل الحدود، مجتازا المسافات الدّنياويّة والضّوئيّة.. لا يهتمّ لذلك طالما أنّها تسكنه، وسيّج لها ضلوعه محرابا، تقيم فيه “صلوات الحب”. وفي نصّ “تألّقي” يتوّجها ملكة على “عرش الحروف”، في تعبير مجازي على غاية من الإبداع والجمال، مؤكّدا أنّها أميرة الشّعر، وكلّ النّاس” إلّا عامّة الشّعب” هل كان يقصد بالشّعب، الشّعب في نظام جمهوري؟ أم الشّعب الرّعيّة في نظام ملكي؟ أم الشّعب في كلّية الشّعوب مجتمعة؟، بدا لنا الأنا المتكلّم الشّاعر في متون الدّيوان، متمردا على الأنماط، عارفا، عليما بتقنيّة الظلّ والظّلال وبكلّ درجات الألوان، بليغ اللّغة فصيح اللّسان، مدركا لمعاناة الإنسان، في غربته واغترابه، رحّالة يتنقّل ما بين تونس، وبغداد، وبيروت، والصّين، أوهمنا بالتّعوّد على ملاقاة أنثاه، في الهنا والهناك ولا يملّ انتظارها، ولا يضجر، في سبيل أن يستمتع بشرب القهوة معها، كما جاء في متن “قهوتي”. هنا أفضّل أن أصمت، كما صمتت شهرزاد، حتى لا أكشِف بقيّة بيبليوغرفيا الأسماء، تاركة لكم متعة اكتشاف من تكون حبيبته وما هي المدن التي يعرفها وما احتوته بقيّة القصائد والمقطوعات، من كنوز فنّية، وإبداعات تقنيّة في فنّ الإخراج والمشهديّة، والصّور المتحرّكة، واللّوحة، وفلسفته في الحياة وفي المرأة ورونق الحكي، بمفهوم الشّعر النّثري، في عالمه التّخييلي، الذي أبدع في تصويره باللّغة، بنفس رسّام يفهم الخطوط والألوان وفي النّظم والغزل الذي يستأنس بالسّرد والحذف والتّكثيف والشّاعريّة، لبثّ الرّوح والحياة والرّفع من الاختلاج لدى المتلقّي لملامسة شغاف القلب، وما الشّعر إلا كما قال الجاحظ:

إنما الشّعر صناعة وضرب من التّصوير”.

وكما قال ابن رشيق:

“وإنّما الشّعر ما أطرب وهزّ النّفوس وحرّك الطِّباع.”.

قد تحضر الدّهشة لفظا ومعنى في نص آخر في لفظ “يدهشني” في عنوان واستهلال وقفلة أربعة مرات كأنها تقيم حدودها وطقوسها في محراب من الكثافة، علّه يطمح في البحث عن العلّة والسّبب في ظاهرة الدّهشة “يدهشني” وفي تبيان تكثيف “الكلّ وكم” العدد لإعلان نجاح الإنسان في التّواجد في الازدحام في المدن مع العمل على فهم محيطه وبيئته تسافر بنا المعاني إلى كتاب جغرافيّة الإنسان للدكتورعبد الفتاح محمد..”، كما حضرت الأنت في التّضادّ، في صامتة ومتكلّمة في “تقولين، ولا تقولين”، مصحوبة بالحزن، بالجمال، بالجمل، في إطار الجناس الكامل، والنّاقص، مشغولا، برصد ونقل الإحساس والشّعور والملاحظة بالامتداد، بالتّلاقي، ناقلا إرتباك الأنا عند كلّ الحكايات، تستمر رحلة السّندباد، في السِّفْرِ في السَّفَر في المرأة، محترما وجودها على البسيطة، وفي البحر، ممتطيا قوارب النّجاة، في عينيها، يسافر في كلّ الأزمنة، ارتدادا واسترجاعا، وقوفا وتوقفا، وقفزا، على الزّمن، لاستحضار خطواتها، ومتابعتها عن كثب، منذ البداية، استمر التّدقيق والملاحظة ساعات، وأيام، بلياليها، وأشهر، فما كان إلّا أن ازداد احتراما للمرأة، إذ اكتشف هدوءها وذكاءها فكان هو البحر، فتوّجها سيّدته سيدة البحار، ارتوت منه كلّ حواسّها، قبل الطّوفان عندما كانا أجمل صديقين، وبعد الطّوفان انزوت، إذ أصبحت قاسية، كأنّه يحذر من غضب المرأة لتجنّب التّعرّف على وجهها الآخر، وجه القطّة الشّرسة، التي لا تستسلم، ولا تخضع فبين المدّ والجزر، طباع متضاربة كأمواج البحر المتلاطمة، أثناء العاصفة وطوفان الأودية والأنهار فالفيضان لئن يتلف الزّرع حينا، إلّا أنّه سبب لتحسين أديم الأرض وثرائه، إذ يجعلها خصبة، لذلك أسماها سيدة البحار، بعد دراسة لجغرافيتها عبر الزّمن وتحرّكها في بيئتها في مدّها وجزرها، لرصد حركة الزَّلازل، والفيضان، فاكتشف أنّها مانحة للحياة، للبحار في البحر وللإنسان، على الأديم في كلّ حالاتها لأنها ببساطة هي الحياة.

في قصيدة حب الخريف، مفارقة كالشتاء والصيف، تحضر الومضة كالبرق بالحكمة والشهقة الأخيرة في القفلة والتّشظي الملازم لكلّ المتون والسّؤال والتعجّب والاستلهام من القرآن والخبر والحشر، كأنّه ينفخ في النص فيهبه الحياة، أو كأنه يحكّ مصباح علاء الدّين، فتحضر الهي بالغياب، فيتوجّه لها الأنا الحكيم العليم، بخطاب تقريري في صيغة حِكَمٍ يلقيها على خشبة مسرح كمحاضرة في تعريف الحبّ عند آخر العمر فيقول:

إنّه انتحار البقايا..

إنّه انسحاب الأثر ..”

“يوم تسقط الاوراق من الشّجر

يوم لا ينفع دمع ولا حجر”

يذكّرني الأسلوب في الآيتين الكريمتين”

يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم

يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم ولهم اللّعنة ولهم سوء الدار

بعض القصائد تماهت مع أنماط فنّية أخرى، بفضل إجادة الشّاعر لصنعته، وتمرّده على الأجناس المُقوْلبةِ والجاهزةِ، ليزيد من نسبةِ تفاعلِ نصوصه مع المتلقّي بمشاغبته لحمله على ملإ الفراغات، لدفع النصّ نحو مشهديّة عالية، مكتملة البناء منسجمة مع إيقاع النصّ، الدّاخلي والخارجي، مستعملا المفارقة والإيحاء، بغرض الإدهاش لكسر أفق انظار القارئ، كما تبيّنه القفلة في قصيدته:

وتسبقني المسافات “..

“أيا قدري

فكّ أسري من حبّها الذي..

شدّني إليها وانحسَر

فيستأنس بتقنيّة الومضة، داخل القصيدة، محدثا تقطيعات لمشاهد مختلفة يقوم (بمَنْتَجَتِها) جنّبته المبالغة في الوصف والإطناب في التّفسير، متفاديا الترهّل، منحازا إلى التّكثيف، لاجئا إلى الإيهام بفقد حبيبته إلى الأبد، وبالتّالي سيفقد طعم الحياة من بعدها، في المستقبل، فيناجي قلبه في مونولوج يسبر به أعماق ذاته، وكلّ ذات منكسرة، مكلومة، مثله فاقدة الأمل في العثور على بديلة أو بديل، ينسيه حبيبه المفقود، مفتعلا بذلك، أزمة حقيقية، تعاطف على إثرها، معه المتلقّي، بعد أن أوهمنا يقينا، أن هذه الأزمة تسببت لهذا الأخير، في حيرة، وتصدّع، وقلق وجودي، من خلال مونولوج يناجي فيه قلبه في قصيدة:

وتسبقني المسافات “…

“فيا قلبي أفقْ

فقد رحلت من تحب

ولا من عودة إليك..

 ولا من أمل يصبّرني

ولا من بعدها حبّ يواسيني..

فإلى من ألوذ وأشتكي؟

قد رحلت

إلى أبعد من البعد

فمن لي بعدها يهدئ روعتي ويواسيني …”

مرّة أخرى، ينجح الشّاعر، في حسن توظيف اللّغة، متمرّدا على القوالب، معتمدا على تقنيّة الومضة، التي يعرّفها الأستاذ “أحمد طنطاوي” الأديب والناقد المصري بأنّها من الإيماض، وهو البرق الخاطف والإشارة العابرة السّريعة، كلمعة البرق، ومعنى ذلك، أن التّكثيف فيها كجنس أدبي قد بلغ منتهاه، وإذا كنّا قد قلنا أنّ القصّة القصيرة جدّا هي كيف أجمع العالم في قبضة يد، فإنّ الومضة هي عليّ أن أجمع العالم في نصف قبضة يد، ثم أضغطه لأقبض عليه بإصبع واحد فقط.. فمن يجرؤ؟، إذا هي – ويقصد الومضة – شعور مسرف في تركيزه، وضغطه، هي بريق خاطف يدهش، ليست الحكاية فيها بذات الأهميّة القصوى، وظهورها يبدو من بعيد كأنّه غيمة مطلّة، هي موجودة، لكن على مستوى معيّن، غير متحرّك، أو محتدم من وراء ستار – متوارية خجولة، لها طبيعتها وجوّها المناخي الخاص بها ولغتها المختلفة، ترفرف كطائر فوق المشهد ولا تندمج فيه، توغّلا وحسما، هي كشهقة لحظيّة، ذلك أنّ الومضة لن تعطيك الحدث الممتلئ، ولا حتى القفلة المتفجّرة، هي تعطيك فقط الإشارة وعليك أنت أن تؤلّف القصّة” فالومضة تدخل إلى الجوهر النّهائي مباشرة كحكمة مستقاة”.

وقد اختلفت درجة التّجلّي الكلّي في الدّيوان وقوّة بريقها النّوراني من موضع إلى آخر، من ذلك قوله: أيا قلبي الموجوع ما أروعك تجاهد في الممنوع.. فتنكسر”، وكذلك قوله: “فيا قلبي أفق فقد رحلت من تحب ولا من عودة إليك”، “يا ويح حبّي عندما ينتحرُ وتنتهي الأمانيّ الحانياتُ والجرح لا يندملُ.

ولكي يزيد من إيهام المتلقّي بصدق مشاعره، نراه يستنجد بالأسطورة، ويستدعي معها الرّوائح المشبّهة بالبنّ المعتّق، لتخرجه من ورطة الاندماج والإنسياب في الإطناب في الوصف ونستدلّ هنا بقوله: “فمن لي من بعدها.. يهدئ روعتي.. يواسيني وهي كالبنّ المعتّق بالأساطير إذ كانت تسليني قد رحلت..” تاركا إكمال بقيّة نقل توهّج المشاعر للقارئ الرّائي، للمشهد المقروء ليكمل بقيّة المشهد في ذهنه كما وصلته، وكما عاشها وعايشها من خلال تجربته وقراءته.

تكرار التّكرار لدى الشّاعر الشّاوي، اتّخذ طابعا وظيفيّا إيقاعيّا، جماليّا إيحائيّا، زاد في الصّورة البلاغيّة، بهاءّ ولدرجة الإضاءة والضّوء ضياءً، وللألوان والظلّ والظّلال، دلالا ودلالة، بشكل رفّع من المشهديّة، ومن درجة الحركة والسّكون، في كلّيّة الشّيء، وصيرورة الزّمان وكينونة الذّوات لـ: “يحكي قصّة مجد وخلود في عتمة ليل طويل يحاكي في دورانه الفلكي كلّ الحكايات… كلَّ قِصَصِ الخلق” كما جاء في قصيدة عودتك.

يأخذني الخيال والصّورة وفيض المعنى إلى رواية “بغداد وقد انتصف اللّيل فيها” للرّوائيّة التّونسيّة حياة الرّايس وهي تصف الكورنيش وحدائق دجلة و”نسائم شواطئه العليلة “ص168 حيث تصفها قائلة: “كانت حدائق دجلة مسرحا في حدّ ذاتها: قصص وحكايات وسهر، وعشّاق، وعذابات وأشواق ولقاءات” “يحرسهم تمثال أبي نواس بكأسه الشّهير الطّافح شبقا وعشقا، النّاهل من كلّ متع الأرض على اختلافها…” لشاعر لا يموت، يفتح شهيّتك للحبّ والأنس والغرام والعشق…” نفس الأثر ونفس الصّفحة كأنّه هو الآخر لا يموت، فحبيبة قلب “الأنا” المتكلّم حاضرة بالغياب، اتخذ طيفها من الدّوران طوق نجاة وخلاص، لترتفع به عن العالم الحسيّ، عن المادّة، عن الجسد والمجسّد، وكأنّها ترنو إلى العلوّ والخلود الأبدي المنشود عبر التأمّل والدّوران كرقصة صوفي، يدور حول النّفس لبلوغ التوحّد مع المحبوب للفوز ونيل مرتبة الكمال، ليعانق الكونيّة، السّرمديّة ويحاكي في دورانه الكلّ، في رحلة نورانيّة تبحث عن لحظة تنكشف بها الحجب، توحّد العاشق بالمعشوق، تناشد الخلود في واقع جديد آخر يتّصف بالدّيمومة السّرمديّة بعد التّجلّي، فيرقص كلُ شيء على دبكة إيقاع التّشظّي، داعيا المتلقّي ليقاسمه لحظة إشراقة، تنكشف فيها الحجب متحدّية طلاسم الغيب المُهيب، لمعايشة لحظة التّجلّي النّوراني والتّنوير، لملإ الفراغات، بدءا من العتبات، إلى لحظة اتّحاد “الكلّ” في “كلّ شيء، مصرّا على الكلّ، ملحّا على كلّ شيء، ماحيا فكرة التّجزيء وفصل الجزء عن الشّيء، رافضا الانفصال واصلا الأمس، باليوم، بالغد، ليتوحّد الزّمان بالمكان، بالتّفضية بالذوات عبر الرّوائح، والسّمع، والبصر والشّيء، بالممكن، بالمحال، بالحلم، بين الحقيقة والخيال، بالطّيف بكل الموجودين على ضفاف النّهر، شيبا وشبابا، كهولا وأطفالا، في حدائق غنّاء، حيث الكلُ منشغل عن الكلّ، في حضرة الواحد الأحد، يغنّي على ليلاه في عتمة ليل طويل” حيث يناجي “الأنا” حبيبته التي تسكنه وتسكن الأمكنة، تلك المخلدة في الزّمن، التي عاد طيفها إلى الظهور بعد التخفّي في الهناك، القادمة من عالم البرزخ ذاك العالم النّوراني، الذي يَرى ولا يُرى، حيث الأبديّة واللّانهاية، حيث تُلغى المسافات، واتّحد طيفها مع المكان، وصار عابرا للحدود ولكل زمان، مشاركا العامّة والخاصّة، في حيواتهم، في كافة مناطق بغداد، وشوارعها، علّه يرمز إلى عودة الرّوح والحياة إلى “الجسر، والكرخ الرّصافة” بشوارعها المضيئة، تلك “الرّصافة والجسر” التي ضمّنهما قصيدته “تستضيفني الصّدفما بين الرّصافة والجسر” تلك التي ذكرها الشّاعر “علي ابن الجهم” في قصيدته “عيون المها بين الرّصافة والجسر” والتي يتغنى بها الفنّان التّونسي “زياد غرسة..” تستوقفنا بالقصيدة: أمكنة لها دلالات ورموز، تتعدّى المكان والزّمان والحدود في قدوسيّتها، إذ تسكن الذّوات وتقبع في سراديب التّاريخ والذّاكرة الإنسانيّة للأفراد والجماعات، فما بين” الرّصافة والجسرحيوات وأمكنة كـ “الأعظميّة” و”الكورنيش” و”الكاظمية” وشوارع عديدة كـ”شارع السّعدون” و”أبي نواس” وغيره تزخر بالحياة، اختصرها وحشدها بين علمين “الرّصافة” و”الجسر” لتقدح في ذهن المتلقّي شرارة تشعل الذّاكرة بحثا عن شبيه تتعالق معه.. ينضاف إليهأ ذاك الكرنفال من الأفعال المكثّفة، حيث يطالعك التّكرار في تكرار العنوان في الاستهلال ثم يستدعى فعل استوقف في تستوقفني لتكرار وزن تستفعلني، ليكون ضابط ميزان للمقدّمة بفضل تركيبتها الصّوتيّة، التي تزيد من شدّ انتباه السّامع، وأفعال أخرى في باقي المتن تعتمد على الحسّ والسّمع والبصر والحركة والتّلاعب بالضدّ لإبراز الفرق، بين الشيء وضدِّه، فترجّح كفّة ضياء عيني حبيبته، على حساب نور القمر، وضياء الشّمس”، تفوز عيناها ويخسر القمر.. وتتبخّر الشّمس”.

تحضر “للكنائس” التي تحتضر نائبة عن كلّ مقدّس، ومعْلمٍ، وكلّ ماله علاقة بالزّمن، بحركة الدّوران، بالاستمرار بحركة الظلّ، والانعكاس، بالحساب، بالوقت، بالتّوقيت، وبشدّة التّنظيم بالصّيرورة، بالإيقاع، فالكنيسة ومن ورائها الجرس أيقونة دلاليّة، ترمز للصّوت، للإنشاد الرّوحي للإنذار والتّحذير للدّقة والدّقيقة والثّانيّة وفي شموليّتها، هي إعلام بحضور ساعة الزّمن الحاضر وبدخول التي سبقتها إلى التّاريخ، ترمز إلى فناء كلّ مخلوق وبقاء الخالق إلى الأبد، كلّ هذا وذاك، حفّز الذّاكرة وحرّك الصّور وحرّرها من الإنغلاق، بروح الكلمات المنتقاة، بعناية، فحصل الانسجام بين المعنى والمبنى، بين روح القصيدة وجسدها، بين إيقاعها الظّاهر، والباطن، بين المكان والزّمان، في اللّامكان واللّازمان، في الذّاكرة بين الملفوظ والمحذوف، بين الواقع والوهم، بين الحقيقة والخيال والوهم والإيهام والإبهام، بين اللّغز والمغزى، من الحياة، من الموجود والوجود والعبث، بين التَّشْيِيئ والأنْسنة، يغيب المفقودون، على الجسر، فيفتقدهم الزّمكان كما الشّاعر، يعبّر عنها هذا الأخير، بصورة مكنيّة على غاية من البلاغة، كأن يقول: “يعبر الجسر فوقي: وكأنّه يريد القول بأنّه يرجع ذاكرته إلى الوراء لتستحيل مشهدا سينمائيّا، فيستوقف الزّمان لحظة، مستعملا تقنيّة التبطؤ، ليستحضر الوجه الآخر للجسر، وللمدينة ساعة الإزدحام والاكتضاض، قبل غياب حبيبته، مكتفيا بالتّلميح بدلا عن التّصريح، عن ذكر هويّتها عن إسمها وعنوانها فاسحا المجال للمتلقّي لمشاركته في نسج نصّ، يتعالق معه، يتعالق مع كلّ أنثى، هي رمز للحياة، في حيويتها، وفي قدرتها على منح الإمتلاء بالسّعادة الأزليّة لكل محبّ، محب للحياة وإن كان عمره سبعين عام ونيف، إضافة إلى تعابير مجازيّة مكنيّة أخرى تُؤَنْسِنُ الشّيء كـ “ويغزو الصّوت صوتي” ليعلو الضّجيج بداخله، ذاك الضّجيج سبب توتّره، الذي أرهقه وأرّقه وأزّمه فتتقاذفه أمواج الذّكريات، يبدأ الشّاعر بالتّوهان، والدّوران يغيب في ضياء عينيها، يقبض على الزّمن يعيدها إليه، ليستعيدها حلما آملا في عودة الضياء يرى بنور حبيبته، بعد أن غابت ملامحها في الواقع وما غاب محيّاها عن ذاكرته، وعن الأمكنة، تاركا قرار العودة واللّقاء من جديد، للقدر وللصّدفة بعد أن تبخّرت شمسه وتبدّدت أحلامه، واغترب المقيم كما المهاجر بفعل الفقد، وغياب كل حبيب، كبير مهْمَا كان جنسه، وجنس فراقه وتغيّبه وتغييبه، إن كان بفعل هجرة فرديّة أو جماعيّة بفعل الاختيار أو مقدّرة بالسّفر بالموت أو الطّلاق منتجة تصحّر المشاعر والأمكنة .

من خلال متونه في الديوان نرى الشاعر غاص في أعماق ذاته، يسبرها ويستمع إليها لينقل صوته ومن خلاله، نقل إلينا، صوت كلّ عاشق مكلوم، بفعل العشق في الحضور، والغياب يهيم بمحبوبه، ليوصل أصواتهم ومعاناتهم من خلال ترجمة واعية، لذاته ولكلّ الذوات، وتشربه لواقعه، ولمحيطه، للأمكنة التي تعوّد ارتيادها مع حبيبته في الزّمان في الحقيقة والواقع وفي اللّازمان في التخييل والخيال.

الخاتمة:

تميّزت النّصوص بالدّيوان بالعمق وبالتمرّد على القصيدة الكلاسيكيّة، والنّثرية، محافظة على عنصر الشّاعريّة، كما اتّسمت بالحداثة في العرض، والطّرح، وشكل الكتابة، والتّيمة والتّجديد في صيغ الاستعارة، والصّور، والمحاكاة، والمشهديّة، المستوحاة من التّراث، كـ “أعشقك كعود بخور” والمزج بين الحقيقة والخيال، والأسطورة.

*للقطع مع الأساليب القديمة، لكسر حاجز الزّمكان، واختراق الأسطورة باجتياز وتحدّي المسافات، في كتابة إبداعيّة، استشرافيّة، استثنائيّة، تنهل من الماضي أفضله، ذاكرته، تراثه، طيب عطوره، وروائحه المعتّقة السّاحرة* .لنستنشق معه عبق الأزمنة. *لننتشي بذاكرة عود البخور في الحاضر.* لنستحضر حضارة ضاربة في القدم.  *لضرب الواقع، وزعزعة حالة الرّكود، والبؤس العالقة بالأذهان، التي لحقت الشّعوب العربيّة، بعد النّكبة حيث ظلّت الخيبة معشّشة فيه، حتى بعد الانتصار، من أثر قوّة الصّدمة، التي علّمت علامتها في ذهنه ولم يزدها العبور رغم العبور، إلا تشتّتا وانقساما. *ليؤسّس ذاكرة وثقافة للمستقبل، لواقع آخر، من خلال التّأمّل والاهتمام بهموم الذّات ال”أنا” الجزء المجزوء من الكلّ، الواحد المتوحّد في الآخَر، ذاك ال”كلّ” في بعده الكوني الشّبيه، مسلوب الذّات، والقرار والحرّية والتّصرّف وإدارة شؤونه، المكلوم والمقهور بالزمن بالفقد وبالقدر. *للبحث عن أصوله وجذوره، المعتدّ بأصله وفصله، ليحتمي بهما، من الاغتراب، في موطنه ودياره في غياب ملامح الأمكنة، ككلّ مقهور كما جاء في كتاب التّخلّف الاجتماعي (سايكولوجيّة الإنسان المقهور للدّكتور مصطفى حجازي) لتأصيل كيانه وتأطيره في الزّمكان وجغرافيّة الهنا والهناك، في قصائده التي احتواها الدّيوان، والتي تتعالق فيما بينها في تيمة الغربة، والتّغرّب، والتّغريب والاغتراب، والتّقوقع وفضّ بكارة الخلاف والاختلاف، من أجل بعث وتأصيل كيان الإنسان الحديث، الذي يشعر بالاغتراب في الصّخب، من خلال العثور على “الآخر”، الشّريك، المعدِّل للمزاج، وللقرار، وللسّلوك، وللتّوازن، من أجل التّغيير، عبر تشريكه، بإعلاء صوته عبر تساؤلاته، من حين لآخر، لأجل التّغيير وأخذ القرار معه. عبر طرح معاناة الكتابة، لتشريك المتلقّي معه، لجذبه وانجذابه، لحمله على تبليغ صوته، من أجل عزف سمفونيّة الوجود والحياة السّرمديّة الحديثة، كلّ هذا وفق أنساق دلاليّة تتجاوز المعنى الضّيّق للكلمة، لتطال الملفوظ المركّب، ليستحيل نظاما لغويّا، كشبكة عنكبوتيّة، معقّدة، ليس لها بداية ولا نهاية، ولّادة، فيّاضة – للمعنى، والصّورة، والأصوات والرّوائح والتّفضية ذات رؤيا بانورامية الأبعادمتطوّرة تنمو وتتعاظم وفق مقاصد المرسِل، الشّاعر، ليحتضنها المرسل إليه، المتلقّي، ليطوّرها على حسب توافقها مع مخزونه الثّقافي ورؤيته من دون خروج عن النّص الأصلي.

لتناغم وتناسق الظاهر مع الباطن وتمازجه مع رؤية الشاعر المربوطة بحبل رفيع سرّي، وقد عمد هذا الأخير، إلى تزويق قصائده، وترصيعها، بآليات البلاغة وزخرفها، لتأطيرها في ذهن المتلقّي، حتى لا يحيد، ويتوه عن مقصده، لذلك نراه أحكم توجيه كامراته، بطريقة ممنهجة لتهييج التّخييل، عبر الاستبصار، بالاختزال، والإيحاء، والتّكثيف، والتّكرار، بالدّقّ والقرع، والإيقاع، والتّجريس، عبر المحسّنات البديعية واللفّظيّة كالجناس، والاقتباس والتّضمين والطّباق، والميزان، والموازنة، في مدّ وجزر، وإظهار وإضمار، من أجل اختراق فكر، ووجدان المتلقّي، لإحياء كلّ ميّت، وإيقاظ كلّ نائم، لأجل استمرار الحياة في جدليّتها، وصيرورتها، لترتوي الضّفاف من نبع الحياة نبع جداول دجلة والفرات.

جاءت عناوين القصائد متشظّية، زئبقيّة، مشاغبة تحاكي الواقع والحقيقة تارة، وتحاكي الخيال تارة أخرى، وتجادل الفكرة بالفكرة مرة أخرى، وتتحاور مع الوجدان في مواقع عديدة، بحيث جعل سماء النصّ منفتحة على فضاءات شاسعة، رحبة لا تقبل التّنميط والتحنيط والخضوع، وتكسّر كلّ القيود، فكانت حداثيّة، شموليّة، تدفع نحو التّغيير، لتحقيق الطّموح المأمول، وما يمكن أن يكون لتأصيل كيان إنسان جديد، متصالح مع ذاته من الدّاخل والخارج يعترف بالاختلاف، ويقبل به نظاما كلّيا، إذ لا تحلو الحياة، ولا تكتمل إلّا به، اعترافا بإبداع الخالق، لزخرف الألوان المختلفة، التي تشكّل اللّوحات، وبباقات الزّهور الجميلة المشكّلة للطّبيعة الغنّاء، قصائد تشرّع أبوابها لتأويل الدّلالة لتتحصّن من الزّمن، من الحدود، من الفناء، باستمرار السّلالة، عبر ثنائيّة الذّكر والأنثى، من خلال الشّاعر، (ألفل”أنا” و البذرة)، و(الهي المرأة) الصّاحبة، والشّريكة، والزّوجة، والحياة، والأرض، والحقل، والحصن والسدّ والنّهر والوطن والحاضنة، فكأنّه في شعوره بالمرأة وحمايتها، حماية للهي وحماية للتّراث وللثّقافة وللرّوائح، مشكلا بواسطة اللّغة أنظمة بصريّة سمعيّة سينمائيّة تتّخذ من القصيدة ومن خواطره، ركحا، وفضاءً ومن العنوان “آفيشا” ومن اللّغة مؤسّسة تعبير سمعيّة، بصريّة، دلاليّة سيميائيّة مثيرة محفّزة للأذهان منشّطة للذّاكرة للقبض على “الضّوء الهارب” من خلال : – المناجاة-  والبوح والغزل  واللّوم والعتاب-  والشّكوى-  والأمل-  والتأمّل- في حقيقة الوجود والعبث والحياة والموت- والغربة- والقلق- والحيرة- والمعاناة- والفقد- والسّند والونيس- والتّلاقي والتّعارض- والبيان والتّبيان- والسّؤال والحيرة والقلق، لا تعنيه كلّ الانتماءات العقائديّة، والمذاهب، والسّياسة، ساعة اختيار حبيبة، وشريكة دربه، كل مايعنيه طينتها الفاخرة، المشرّفة، بمعنى أصلها وفصلها، ووزنها، امرأة لها حضور تحتلّه، تخترقه، تتوحّد فيه، وبه، تناغمًا إنسانيّا، حضاريّا، ثقافيّا، بكلّ خطوط العرض، والطّول، للكرة الأرضيّة، في أيّ نقطة، شريطة التّوافق الكلّي، ليمتزج بها وفيها، لينتشي بسحر عطرها السّرمدي، تلك الماركة المسجّلة، التي يغار عليها ولا يغار منها، تلك التي ختمها الزّمان بختمه الفاخر، “المفخور” كما جاء في قصيدة “سألتني”

“فمالي وانتماءاتك فأنا احبّك

امرأة تحتلّني بكل حضور  “

تخترقني من الطّول إلى الطّول

إنسانة من الطّين المفخور

عندما أحببتك

لم يخطر ببالي أن أسأل

عن أبعادك الفكريّة

انتماءاتكِ السّياسية

أو فلسفتِكِ الدّينية

فمالي بكلّ ما أنت تسألين”.

والحقيقة أني تهت بين القصائد، وبين “الأنت” و”الأنا”، أقصد بين “الهو” الشّاعر المفتون بالهوى، و”الهي” الحبيبة المعبودة الأسطورة، المتلوّنة بألف لون ولون كالحرباء، فهي اللّيل، والنّهار، والنّور والضّياء، والفصول، والتّيه، والزّهد، والحبّ، والتّاريخ، والأرض، والعراق، وتونس “وباقي الدول التي زارها”، واليوم، والأمس، الذي غدا، والحاضر، والغد المنظر، فهي في الهنا، أمازيغيّة تونسيّة حوريّة مستلقاة على الشطآن، معطّرة ببخور أهل الدّيار، وفي الهناك آلهة الحب عشتار، وأنثى من عسل معطّرة بنكهة الشّام والعنب المعتّق كذلك، زهوّ الشّاعر بنفسه وبفحولته، المضمرة المعتزّ بماضيه بأصله، وفصله، يشدّه الحنين إلى الدّيار، يبكيها بترفّع، وتعفّف، بقلم سخيّ قادر على القذف والتّخصيب، خصب الذّهن، فصيح الكلام، بليغ البيان والتّبيان، ترهقه ملاحقة طيفها، من شدّة الدقّ في أعماقه، كلعنة فرعونيّة، كوشم بابلي، وأسئلة وجودية، مخمّرة في ذهنه، موسومة بقلق وجودي شرقيّ وعدم استقرار على حال مخافة، أن تقلق منه وتسأم رفقته، وكخبير في الألوان لا يفوته اختفاء بريق ألوانها، فنراه في لهفة يسألها في دلال، وحيرة عاشق متقطّعة أنفاسه بالكاد يجمع بعض الكلمات”: ما بك.. باهتة ألوانك اليوم سيّدتي لم تعد كما ألفيتها دوما …”

يحضرني بودلار بقصيدته محادثة حيث يقول :

فلا تبحثي عن قلبي لقد التهمته الوحوش، قلبي عبثت به الغوغاء، فيه يسكرون ويتذابحون يأخذ بعضهم بنواصي بعض، في حين يطوف حول عنقك العاري عبير منعش أيّتها الحسناء – أيّتها الحسناء – يا مصيبة قاسية على النّفوس، هذه هي إرادتك، وبعينيك النّاريتين المضيئتين كالأعياد، أحرقي هذه المِزَقَ التي عقت عنها الوحوش.

ص 43 من ديوان بودلار أزهار الشرّ ترجمة حنّا وجورجيت طيّار..

كلمة الختام في النص وخارج النص :

في الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بالشّكر لصاحب الدّيوان الدّكتور مهند الشّاوي الذي له فلسفته الخاصّة في التّجنيس حيث يقول”: فلسفتي مختلفة في التّسميات.. البعض يرى أنّ الشعر هو العمودي وغيره عبث.. أنا ضد هذه النظرة السّطحية كل ما نكتبه هو شعر وإحساس، بعيدا عن التنظير في التّسميات، لا تعنيني المسميات، الشعر الحر، النثر، الهايكو، الومضة، ليكتب كل من يحب بتجسيد الجمال ومضامينه وكفى، هذه وجهة نظري البسيطة، ونظرته هذه تشمل أيضا كل الفنون التي يمارسها، وقد قبل بتصنيفي لنصوصه ولكنه وجه لي الملاحظة التالية: “رغم أني لا أحبّ أو أميل إلى تجنيس نوع الكتابة لأني أعتبره قاتل للإبداع، ليس في الشّعر فحسب، بل في الرسم ومدارسه والخط العربي وأنواعه وأدعو المختصين من أهل الذكر نقادا وطلابا أكاديميين وممن ربما قد يخالفونه الرأي أن يتوقّفوا عند نصوص الديوان ليتأملوه، بموضوعيّة وجدّية ليتفحصوا ويتأملوا مدى نسبة الكونيّة وإلانسانية والمعاناة الوجودية الشرقية وليبحثوا في سببها الرئيسي في الّنصوص الواردة في الديوان، ولمدى صدقه وإخلاصه للمرأة واحترامه لها لا في منجزه هذا فحسب، بل لتتبعه من خلال تطور الفكرة لديه منذ بداياته عبر منجزاته السابقة واللاحقة وربما مقاربتها مع من دافع على المرأة كمصطفى أمين والطّاهر الحدّاد من السّلف ومن معاصريه وبمن عُرفوا في كتاباتهم بعدائهم للمرأة أمثال العقاد وأنيس منصور بغرض رجّ المتلقي لحمله على التفكير من جديد بما يجب أن يكون .

“وتسبقني المسافات…” ديوان قابل للبحث والتمحيص للاشتغال على الذّاكرة والأمكنة والأزمنة والتجريس والمفردات والأسطورة والفلسفة والرؤيا والمفردات والمعجم المكرر وغيرها ومدى التزامه بدفاعه وانحيازه للمرأة ومدى احترامه لها والتي يعتبرها الحياة حيث يؤكد خارج الديوان بأنّ:

المرأة عندي لا يمكن وصفها إطلاقا، اختصرتها بجملة صغيرة سجلتها منذ سنين طويلة، وهي: يقولون أن المرأة نصف المجتمع، لكنها من تلد النصف الآخر وتربيه.. فهي المجتمع كله، وهي الحياة كلّها بلا منازع”، كما يتساءل :من نكون دون المرأة وكيف نكون دون المرأة، وكيف يكون شكل الحياة بدون المرأة، ولمن نكتب وبمن نتغزل.

نظرة وفلسفة، يمكن أن نتتبعها، ونترصدها لا في الدّيوان الذي بين ايدينا فحسب، بل يستوجب من أهل الاختصاص أن يعملوا عليها في المختبرات الأدبية في الكلّيات والجامعات، بالعمل على مقاربة فكره، بفكر السابقين، من امثال مِنْ مَنْ كنا قد اشرنا اليهم سالفا، مِنْ مَنْ عرفوا بدعمهم للمرأة والدفاع عنها، أو اولئك الذين عرفوا بمناهضتهم لها من أجل التامّل، بغية إحداث رَجَةٌ لدى المتلقي لإرجاع العامة إلى الجادّة من أجل إحداث وعي جديد، وعي يطيب فيه العيش للجميع.

 ناقدة من تونس

 

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً