الرئيسية / إبداعات / معاشُ الغابة أو عيد المتقاعد – مصطفى الوراد

معاشُ الغابة أو عيد المتقاعد – مصطفى الوراد

معاشُ الغابة أو عيد المتقاعد

مصطفى الوراد*

 

كان هناك…. هناك في مملكة الغابةِ العظيمة، حيث كانَ الدستور واضحًا في فصوله….. كانت الحيوانات تفتخر بأعظم بنوده وهو قانونٌ لا يُكَسَّرُ: ” من خدمَ الغابةَ وحمى حدودها من الأعداء بروحه ودمه، نالتْهُ الراحةُ في الكبر وعاشَ بمعاشٍ كري وهذا البند كان وحده هو الضمانة والدافعية معًا للأشبال حتى ينخرطون في صفوف المدافعين عن كل حبة حصى في غابتهم.

نعم !!!! جميل وجميل جدا !!!! لكن شمس النهار دومًا لها فعْلٌ في زبدة كلام الليل، إنها القوانين التي تُكتبُ بالحبرِ، وتُمحى بالمصالح.. مصالح من بيده زمام الأمور..

فقد تقاعدَت الأسودُ. التي كانت تزأر على طول حدود الغابة تهيب الأعداء، وترد كل هجوم غاشم بشجاعة فائقة.. كانت الأسود تدافع عن وطنها. لا سعيًا لجاه أو منصب أو حتى كلمة ثناء، بل بدافع من ضمانة المحبة والتقدير، ولم تكن تبالي الموت أو الجراح.. فشرف ما تحمل من معنى يستوجب شرف الفعل.. هكذا ظلت عقيدة قلبها.

لكن وبعدَ ثلاثينَ سنةً من التضحيات صارَ معاشُ الأسد مجرد ورقة شجرٍ يابسة، لا تستر دهشة، ولا تغني من جوع..  كلَّ شهر ورقة شجر.. أو حفنة بذورٍ مع نتف لحم لا تسد رمقًا.. ولا تمنح رضًا.

لقد تقاعدَ أولئك الأسد الذين كم سهروا على أمنِ ليل الغاطّين في نومهم على طول وعرض الغابة، فصارَ معاشُهُم صمتًّا وقهرًا ووحشة، وجوعًا مجدولا بدموع عزة تنزل كلما أضواهم الليل.

اجتمعت الأسود يومًا تحتَ شجرةِ السنديانِ العجوز؛  يتقوتونَ الذكرياتِ بدلَ الطعام.. ويلعبون الورق كما تلاعبت بكرامتهم الأيدي، علهم يتناسون مصابهم هذا.

قالَ أحد الأسود الذين بثرت رجله في حرب ضد مرتزقة كانوا يريدون دمارًا للبلاد: “كنا نُسمَّى صُنّاعَ الهيبة أيام الحرب، واليومَ صرنا اصنام الخيبة حتى عدّونا عالةً على من كنا نحميهم محبة، بينما يلتصق استهم بالكرسي.. وينبذون وجودنا ”

أنّ أسد آخر : “المتقاعد منا صارَ كتهمة، وجروحنا صارتْ ثقلاً”

وأضاف ثالث: صيرونا نقيصة في صفحة أيام الغابة، بعد أن زينا سطورها بجوهر الفخر”

تحت قبة البرلمان كان الذئب “قاهر الحيوانات”، السيد السري للغابة، يعقد اجتماعًا سريًا..

قالَ وزيرُ المالية الثعلب: “يا سيدي ، كبارُ السنِّ هؤلاءِ عبءٌ على خزينةِ الغابة: يأكلونَ ولا يصطادون، يحتلون مساحة ولا ينتجون.  الآن يزعجوننا.. يخرجون للشارع ولا يُطيعون.. يُثيرون نقعًا فوق رؤوسنا.. لو تخلصنا منهم،  تشتمّ انوفنا نسيما اكبر وتحتل كراسينا براحًا أوسع.. وسنوفر ثلاثةَ أنهارٍ من العسلِ سنويًا وجبلا من اللحم”.

جحظت عيون الذئب وسألَ بلهفة : “وكيفَ نتخلصُ منهم دونَ أن تكتب عنا ألسنة وتغريدات عصافير الصحافة وطيور المنظمات الحقوقية؟ وكيف نتفادى ما ستقوله عنا الوحوش الطيبة؟

ثم الأهم كيف سنواجه الشعور القدسي المترسخ لدى الحيوانات… إن شعب غابتنا يُحبُّ هؤلاء الأسود العجزَة ويُقدّسُهم”.

ابتسمَ الثعلبُ ابتسامة المتنبي. فتر ثغره بما لا يظهرُ إلا عندَ المصائب: “سنخترعُ لهم كذبة سياسية، ونصنع لها هيكلا إعلاميًا جيدًا.. لدينا فيلق جاهز يُلمِّع صورتنا قبل التنفيذ.

“وكيف ذلك يا ثعلبي المكار صاحب الحيل والأفكار؟!  قالها قاهر الغابة.

تباهى الثعلب تيهًا بتقدير الوزير له، فأضاف مجيبًا: “هذه لعبتي.. سننشر كذبة ذات الوان جاذبة.. أليس هناك كذب أبيض؟ نتفق نحن ونقدم كذبة ملونة، سنسميها (رحلةُ الأجدادِ إلى وادي السعادةِ).

اما تفاصيلها فسأخبرك بها في الخلوة المعهودة عند اتخاذ قرار يحمينا…  اقصد يحمي” غابتنا ” .

الآن أرجو موافقة أعضاء البرلمان الموقرين على هذا القانون الملوّن.

اتفق الجميع تحت القبة على الخطة الجهنمية التي اقترحها الثعلب الماكر.

وبعد أيام خرج على وسائل الإذعان الوزير الناطق الرسمي فقال: ” بشرى سارة أيها المتقاعدونَ الكرام:  اعترافًا من حكومتنا الموقرة بما قدمتموه من تضحيات جليلة لهذا الوطن، فإننا قررنا   تكريمكم برحلةٍ استجمام لبعضكم، ورحلة علاجيةٍ للكثير منكم.. رحلة إلى وادي السعادة، حيثُ الماء عسل، واللحم دسم. والشجر حلوى، لا عملَ ولا تعب!”

صدق العجزة تلك الخرافة وقالوا:  — أخيرًا اعترافٌ بالجميل!

انشرحت صدورهم لهذا التقدير، وارتسمت بسمة الرضا على الوجوه، وسرحت الأفكار في جمال هذه الرحلة المرتقبة.

حُمِّلوا في حافلات جديدة مبهجة، وقادَهم أصدقاء الذئب “ماكر” عبرَ الطريقِ الطويل.. يعزفون نغمات التمنّي ويبشّرون بجميل الملتقى، امتد وقت التخييل ولم ينتبه الواهمون لاستطالة الطريق.. وحين انتبهوا كانت العتمة تداهمهم بأن سبيلهم لم ينتهِ لوادي.

قاص من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً