الرئيسية / إبداعات / نقطة خضراء – عبد المجيد سليمان

نقطة خضراء – عبد المجيد سليمان

​نقطة خضراء

عبد المجيد سليمان*

 

 

شبه صحراء قاحلة، وكثبان من رمال حارقة في قيظ ظهيرة شديدة الحرارة، وهواء يواصل إرسال تياراته المضخمة بالسخونة، ونباتات قليلة على بُعد مسافات، ذابلة ويابسة..

المشي في هذه القفار المرهقة أمر شاق، متعب للعينين والرئتين، شواء خارجي وداخلي معًا للجسد والروح..

تبدو الحياة أعجوبة هنا، ومن ينجُ من نباتات الصحراء معجزة، لكني أواصل المشي متحملًا كل هذا العذاب، ولشدة تعبي الذي فاق كل مرة سابقة عبرت بها من هنا، أقرر أن أحيد عن طريقي وألجأ إلى شجرة على بُعد ميل، فقد بدت لي دائمًا خضراء من بعيد، ولا أعلم الحقيقة بعد بدقة، فهي تظهر من طريقي ككومة أو كرة خضراء..

بصعوبة تحاملت على نفسي حتى وصلت، ومن تحتها رحت أفحصها بفضول مستكشف ومنبهر.

كانت خضراء كثيفة الأوراق، مستلقية بعض أخشابها، وتبرز منها أغصان إلى الأعلى، كانت ككوخ شجري متجدد لا يبلى.

جلستُ في فيئها الظليل، وللروعة، فقد كان الهواء الحار خارجها يتلطف ويستحيل إلى دافئٍ ومنعش في داخلها.. شربت الهواء العذب حتى ارتوت رئتاي وتعافتا مما واجهتاه.

في أسفل الشجرة، كانت الأوراق اليابسة التي تساقطت وتتساقط كثيرة ومتراكمة، وبدا أن الشجرة تعوض كل ما يسقط بغيره، وربما ضعفه، وحتى الأخشاب التي انحنت والتصقت بالأرض جانبًا كانت انشطارية الجذور والتبرعم عاليًا، كان كل هذا شهادة على كفاح الشجرة، على عظمتها وقوتها.. تعاني الأوراق العلوية منها، تغذيها بالضوء، لتنعم بقية الأوراق بمرح الاخضرار وبهجته، وتمتص الأوراق الخارجية الحرارة أيضًا لتدفئ بقية الأجزاء..

وتحت هذه الشجرة الظليلة كانت هناك مملكة كاملة من الكائنات الحية.. حشرات وخنفساء وسحلية وبيت عنكبوت وفراشات تحوم بين الأغصان.. كنت أنظر إلى كل ما حولي مفتتنًا، ثم فجأةً غردت حمامة من أعلى الشجرة، لتذكرني أن هناك المزيد، وبتجول بصري وانحناءات تمكنت بصعوبة من رؤية عش الحمامة في الأعلى، محتجبًا داخل الاخضرار العميق..

كنت منبهرًا ومشدودًا في هذا العالم النائي والجميل، وللحظاتٍ رغبت في الانضمام لهذه المملكة الحية والعيش هنا..

تنفست الهواءَ الدافئ بمتعة كبيرة بينما أصغي لحفيف الأوراق، وأراقب فراشة بيضاء تتموج قرب الأغصان، محاذرةً أن تخرج قليلًا كي لا تجرفها الرياح الحارة بعيدًا.

في الخارج كانت الرياح الساخنة، وقيظ الصحراء الجحيمي، يواصلان جنونهما وعنفوانهما..

 

قاص من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً