الرئيسية / الأعداد / ديوان “أولاد العَرَّام” بين الهم الذاتي والهموم الاجتماعية للزجال: حميد تهنية – عمرو گناوي

ديوان “أولاد العَرَّام” بين الهم الذاتي والهموم الاجتماعية للزجال: حميد تهنية – عمرو گناوي

ديوان “أولاد العَرَّام” بين الهم الذاتي والهموم الاجتماعية للزجال: حميد تهنية

عمرو گناوي*

 

1- بصدد التعريف بالشاعر حميد تهنية:

حميد تهنية، أستاذ مارس مهنة التربية والتعليم بالسلك الثانوي الإعدادي لسنوات طوال. ولد بمدينة فاس سنة 1963، وزاول أنشطة عديدة منها:

  • مهمة كاتب عام للاتحاد المغربي للزجل (فرع فاس).
  • مشاركته في عدة مهرجانات زجلية.
  • اعتباره عضواً فاعلاً في عدة جمعيات رائدة.
  • ممارسته لعدة أنشطة إعلامية، كعمله مراسلاً لجريدة المنعطف، وجريدة صدى فاس وغيرهما.

ومن مؤلفاته:

  • ديوان “نوار الظلمة” (2009).
  • ديوان “مولاة السِّر” (2015).
  • وأخيراً ديوان “أولاد العرَّام”، الصادر عن مطبعة ووراقة بلال – فاس، سنة 2025، والذي نقدم بشأنه اليوم هذه الورقة النقدية.

2 – حول عتبة الديوان “أولاد العرام“:

لا شك أن عنوان “ولاد العرام” بهذه الصيغة يثير في القارئ مجموعة من التساؤلات، أولاها: ما السر في اختيار الشاعر لهذا العنوان؟ وما المقصود منه بالتحديد؟

ونحن نواجه هذا العنوان، نستطيع القول إننا أمام مجموعة من الأبعاد الدلالية والرمزية، سيما ما يرتبط منها بالبعد القدحي؛ ذلك أن مصطلح “ولاد العرام” يحيلنا مباشرة على مرادفات: “أولاد السحت” والأولاد غير الشرعيين، وانتهاءً بأبناء الفقراء المهمشين المتمردين على واقعهم بدافع تحرير الذات وإثبات وجودها، في واقع لا يقيم وزناً لهذا النوع من الفئات الاجتماعية.

ومما يزكي هذا الطَّرْحَ ويزيده متانةً، ما يثيره حرف العين في عتبة الديوان “ولاد العرام” من دلالات التعبير عن الغضب والألم والمعاناة. ففي الخطاب الأدبي والزجلي على وجه التحديد، يستعمل حرف العين أداةً لمساءلة الواقع والكشف عن خباياه، وكل ما تراه العين يتحول إلى شهادة على ما يحتويه.

وفي الثقافة العربية، يتخذ حرف العين بعداً رمزياً مركزياً يتجاوز دلالة اعتباره عضواً جسدياً إلى علامة ذات دلالة مركبة تجمع بين الرؤية والوعي، باعتبارها أداةً لكشف الحقيقة وفضح المستور. وبذلك يكون الشاعر، حسب تعبير الشاعرة أمينة المريني:

“عيناً لاقطة، مشخِّصة للأدواء التي تنخر جسد المجتمع” (الديوان، ص: 15، بتصرف).

وعطفاً على ما سبق، فالعين من الحروف الصوتية المجهورة التي غالباً ما ترتبط بالمعاني الباطنية والتي توحي بشدة وغِلظة المعاملة. ونظراً لأهمية حرف العين في لغة الضاد، فقد ألف الخليل بن أحمد الفراهيدي في شأنه كتاباً سماه “العين”، حيث يقول في مقدمته:

“فرأيت أن ابتدئ بأقصى الحروف مخرجاً، ثم أتلوه بما قرب منه حتى إذا أتى على جميع حروف المعجم، بدأت بحرف العين إذ كان من أقصى الحلق، فسمي الكتاب به” (الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق: محمد المخزومي وإبراهيم السامرائي، المقدمة، الجزء الأول، ص: 47).

ولئن كانت العين في كتاب “العين” تجمع في دلالتها بين المصدر والرؤية والحقيقة، فإن العين بالنسبة للشاعر إنما هي رمز للإدراك وتَجَرُّع الحقيقة المرة.

3 – بصدد بناء الديوان:

قبل الخوض في طريقة بناء الديوان، أحب أن أمهد لذلك بتقديم فرشٍ أفتتح به هذا الباب ببعض مميزات الكتابة الزجلية عند الشاعر حميد تهنية، استناداً لما تحفل به قصائده من تنوع في لغة الخطاب:

  • لغة المدح والرثاء: كما في قصيدة “رتاحت ومشات”.
  • لغة المدح: في قصيدة “الماحي”.
  • لغة الإشادة: بشيوخ الزجل وأصحاب الفضل والمنة، كما في قصيدة “شيخي”.
  • لغة إدانة الواقع: في قصيدة “ولاد العرام” التي سُمي الديوان بها.
  • لغة “الكرمومة“: غير المفهومة، كما اصطلح الشاعر على تسميتها، قبل أن تتوج هذه اللغات بلغة الزجل المغنى، حسب ما كان يسمح به حضور الشاعر في عدد عديد من المهرجانات.

وعن بناء الديوان، فقد جاءت قصائده موزعة على أربعة وثلاثين باباً؛ تتصدرها قصيدة “ارتاحت ومشات”، تليها قصيدة “ولاد العرام”، و”بدهوار”، مروراً بـ”شيخي” و”المقهور”، وانتهاءً بقصيدتي “الشاهد” و”زارع الشوك”، علماً أن أربعة من هذه القصائد مهداة للأحبة والأعزاء وأصحاب الفضل منهم.

وأمام ما نراه من أهمية هذه القصائد الأربعة وما تحظى به من حضور مركزي، فقد حاولنا قراءتها معيدين تراتبيتها لتستقر على الشكل التالي:

  • قصيدة “ارتاحت ومشات“: هي قصيدة رثائية افتتح بها الشاعر ديوانه، فبكى فيها أخته المرحومة الدكتورة رشيدة تهنية وأبكى بها الأقربين والأبعدين، معدداً مناقبها ومستحضراً مواصفاتها الخِلْقية والخُلُقية، علَّ ذكرياتها تبقى خالدةً مخلَّدةً بعد رحيلها. يقول الشاعر في حقها بلغة الفصيح في أولى عتبات الديوان (ص: 3):

إلى التي رَوَّضَت سنوات المعاناة،

واستمرت نَبْعاً لا يعرف النضوب.

إلى التي وهي تدرك تتمة كلماتي.

أختي الغالية، المرحومة الدكتورة رشيدة تهنية،

أُهدي هذا الديوان مع خالص دعواتي وصدق محبتي.

  • قصيدة “شيخي“: المهداة إلى عميد الزجل المغربي إدريس أمغار المسناوي، يعترف فيها بجميل شيخه، مشيداً بفرادته في مجال الزجل، معتزاً به وبشعره، معبراً له عن فيض مشاعره.
  • قصيدة “عبد.. وقادر“: قالها الشاعر بمناسبة تكريم الفنان المرحوم عبد القادر البدوي.
  • قصيدة “الشاهد“: المهداة إلى الزجالة المغربية نهاد بنعكيدة، بمناسبة صدور كتابها: “أنثروبولوجيا الزجل المغربي” (2007).

وقبل هذه القصائد وبعدها، سبق للشاعر أن دَبَّج ديوانه بمجموعة من الشهادات التي جادت بها في حقه قرائح مجموعة من الشعراء والنقاد المعجبين بشعره، مشيدين بديوان “أولاد العرام” من حيث طريقةُ بناء نصوصه، وجماليةُ أسلوبه، وحداثةُ تجربته.

ومن هؤلاء النقاد: العراقي رحمن خضير عباس، والشاعرة أمينة المريني، والدكتورة الشاعرة ثريا ابن الشيخ، والزجال الراحل محمد الراشق، وعميد الزجالين المغاربة إدريس أمغار المسناوي، فضلاً عن شهادات كل من الزجال علي مفتاح، والزجال إدريس بلعطار، وعزيز محمد بنسعد وغيرهم. وقد أجمع أصحاب هذه الشهادات على جودة شعر الشاعر ورقي زجله، سيما ما اقترن منه بالإنشاد.

4 – مستويات إعجاب القراء بشعر الشاعر:

في هذا الإطار، أنجزت مجموعة من القراءات تم فيها تعزيز أحكامِ القراء بتألق الشاعر، معَضِّدين حضوره في مجال الكتابة الزجلية وفق ما ورد في حقه من شهادات:

  • تقول الشاعرة أمينة المريني عما يميز شعر ديوان “أولاد العرام” وشاعره:

“يأتي متدفقاً، من قريحة شعرية ثَرَّة” (الديوان، ص: 14).

وتضيف قائلة:

“لقد جالستُ الديوان وكأني أجالس صاحبه، فأقرأ فيه أدبه، ودماثة خلقه، وجمال روحه، وحرصه على القيم الرفيعة، من صدق ووفاء، ومحبة للناس” (الديوان، ص: 15).

  • وتقول الدكتورة الشاعرة ثريا ابن الشيخ متحدثةً عما يحمله شعره من هواجس فنية وهموم اجتماعية:

“هو الشاعر المحتقِن بوجع الشعب.. لم يعد يسعفه السكوت على فعل الإقصاء والإلغاء الذي تتعرض له الفئات المستضعفة، فخرج ملتزماً بالكلمة الهادفة.. وهو يلبي نداء حب الشعر من جهة، والتفاعل مع قضايا المعيش اليومي في نفس المستوى” (تقديم الديوان، ص: 13).

  • وهذا الكاتب العراقي رحمن خضير عباس يتحدث بدوره عما تحمله أزجال الشاعر من هموم اجتماعية قائلاً:

“لقد جاءت تلك الأزجال معبرةً عن هموم المتعبين، برسم ملامح وجوههم.. إنهم (الأولاد) المهمشون، الذين يتوسدون الأرصفة القاسية” (الديوان، ص: 6).

  • أما الزجال محمد بنسعد فيعتبر الشاعر حميد تهنية في أضمومته الشعرية هذه متعدد المشارب يجمع بين:

“الْمْبَيَّت” و”مكسور الجْناح” و”السوسي” دفعة واحدة (الديوان، ص: 185، بتصرف).

  • وأخيراً، شهادة عميد الزجل المغربي إدريس أمغار المسناوي التي يقول فيها:

“ونحن نقرأ قصائد الزجال حميد تهنية، نجزم أنها بالفعل مٌلحَّنة على الورقة، ولا تحتاج إلى جودة موسيقية أو لصوت ناعم يقدمها لنا في طقوسها الفنية، سِمَةً ينفرد بها المبدع عن غيره من الزجالين” (الديوان، ص: 168).

كل هذه الشهادات وهذه القراءات إنما هي اعتراف صريح بجودة شعر الشاعر وحداثة تجربته الإبداعية، وتعبير عن رؤياه الشعرية وموقفه من القصيدة الزجلية التي عمل جاهداً على تجديدها واستكمل بناؤها الذي هو استكمال لموقفه من الواقع ونقمته على استشراء الفساد، متوعداً المفسدين والظَّلَمَة بما ينتظرهم من حساب عسير:

وااااه يا الظَّلاَّمة

حَالْ لَحْنَا

فَاشْ أَحْنَا (الديوان، ص: 46)

***********

لازم في الفانية

نتحاقر لحساب؟! (الديوان، ص: 47)

5 – مستوى الهموم الذاتية:

وأول مسلمات هذا المستوى أن يبر الشاعر بأخته ويدعو لها بالرحمة عقب كل صلاة. وأهم القصائد التي تستعرض هذا النوع من الهموم الحارقة قصيدة “ارتاحت ومشات”؛ فيها يستعرض الشاعر محاسن الفقيدة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وقد نظم هذه القصيدة الرثائية على منوال ما يشبه معلقةً، يفجر فيها بسخاءٍ كبير مشاعر الحزن والأسى.

هذه القصيدة التي تغطي وحدها عشرين صفحة (بدايةً من ص: 19 حتى الغلاف الخلفي للديوان)، وأهم ما جاء في هذه القصيدة المفتاح:

  • ارتباط الشاعر بفترة معايشة الفقيدة حتى لحظات أيامها الأخيرة، يقول في ذلك:

تْبَسَّمْ ثَغْرْ السِّلْوَانْ

تَزَيَّنْتْ لَالَّة فْ سْبَعْ أَلْوَانْ

عَيَّاهَا ثْقَلْ، عَوَّالَة تَرْحَلْ (ص: 19)

نَطْقَتْ بْ شْهَادَة، دْمُوعْ هَوَّادَة (الديوان، ص: 20)

*********

بِينْ حْيَا وْمُوتْ (الديوان، ص: 24)

*********

شَهْقَتْ لاَلَّة شَهْقَاتْ

سُبْحَانْ رَبِّي أَلِّي بْغَاهَا

سُبْحَانْ رَبِّي أَلِّي دَّاهَا (الديوان، ص: 25)

  • استعراض الشاعر لمواصفات أخته قبل وبعد وفاتها إذ يقول:

عَرُوسَة بَاهْيَة، مَحْرُوسَة زَاهْيَة (الديوان، ص: 19)

الْبَارَحْ وَالْيَوْمْ بَانَتْ لَالَّة، بَانَتْ شْمَيْسَة ضَاوْيَة (ص: 23)

  • استحضاره لِرشيدة الإنسانة:
    • حيث يستعرض مكارمها الأخلاقية ومواقفها النبيلة من خلال دعمها للمحتاجين ومساندتها للمستضعفين، فكان من شأن هذا الرصيد الأخلاقي أن يرفع درجاتها ويزيد من ميزان حسناتها “يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً” (سورة آل عمران، آية: 30). يقول الشاعر في هذا الشأن:

تْهْزَمْ بَاطَلْ، تْوَاسِي يْتِيمْ، تْناصَرْ مَقْهُورْ (الديوان، ص: 27)

  • اعتبار الشاعر الراحلة دعمه وسنده:
    • من خلال التذكير بطيبوبتها وأهمية حضورها وجدوى وجودها إلى جانبه. ونظراً لأهمية هذه المواصفات، فقد كان لزاماً أن يذكر الشاعر بأفضالها في رثاء حار وساخن قائلاً في حقها:

أُخْتِي يَا أُخْتِي، يَا اللِّي كُنْتِ حْدَايَا

يُمْكِنْ مِنِّي، يُمْكِنْ مَنْ ظِلِّي

يُمْكِنْ مَنْ حُضُورْ الْمَوْتْ السَّاكْنَة فِيكْ.

*******

لازم في الفانية نْتْحَاقُّو لْحْسَابْ (ص: 46 / 47)

وعلى أساس هذه المعطيات، سيتخذ الديوان طابع نقد اجتماعي، تندرج ضمنه مجموعة من التمظهرات أهمها قوله:

يَا الْجَايَلْ فْ مْعَانَاتْ بْلَادِي

الْمِسْكِينْ فِيهَا حَالُو مَقْهُورْ

طِيرْ نْغِيرْ حَقِيرْ مُوَاجَهْ نْسُورْ

هُمَا يْعِيشُو وْهُوَ لَالَّا

شْرَابُو صَدِيدْ قُوتُو زَقُّومْ حَالْتُو مْدْبَالَة (قصيدة أولاد العرام، ص: 38)

********

وَاحِدْ نْهَارْ فُقْتْ جْبَرْتْ رَاسِي مِّيِّتْ

مْكَانْ بْ كْفَانْ مْتْقَّلْ بْ حْزَانْ

كِيفْ أَهْلْ الْمَدِينَة كِيفْ نَاسْ الدُّوَّارْ

رْكَبْنِي لْهْلَالْ لْبْنَانِي حِيرَة

كِيفْ لْعْبَتْ بِينَا لَشْرَارْ قَوْمَانْ غَادْرَة

نَازْلَة بِينَا لْ قَاعْ مْعَاهَا لَوْقَاتْ عَامْلَة

تْكَدِّي فْ رْهُوطْ دَابْلَة

هَمْ يْضْحَكْ لْ الْهَمْ وَالْفَمْ عْلِيهْ كَمَّامَة

وَاااهْ يَا السَّلَامَة (الديوان، قصيدة بودهوار، ص: 44 / 45)

***********

أَخْ خْ خْ عْلِيكْ يَا عِيشَةْ لْكْلَابْ

لْفْسَادْ تْقَوَّى وَدَارْ تْبَاعُو كْتَرْ صْدَاعُو (قصيدة بودهوار، ص: 47)

وعليه، فليس غريباً أن يكون لحرف العين علاقة بموقف الشاعر من الواقع، إذ بحضوره يتجدد مفهوم الانكسار؛ انكسار الذات في علاقتها بالمثبطات الاجتماعية كالغدر والفساد و”آهات” الشاعر من “عيشة لكلاب” التي طالما أنهكته وأرقت كاهله.

ففي قصيدة “رْتاحتْ ومْشاتْ” المذكورة آنفاً، يرثي فيها الشاعر أخته على امتداد 19 صفحة فيما يشبه معلقة، بها 67 حرف عين؛ توزعت حركات حرف العين فيها بين ساكنة ومفتوحة ومكسورة، باستثناء واحدة جاءت مرفوعة في قصيدة “عود بلا دخان”، التي لم يعد فيها العود يحترق إلا بعد وفاة صاحبة العين. يقول الشاعر ارتباطاً برفع العين وتوقف انبعاث الدخان:

عود بلا دخان

******

سبحان ربي اللي بغاها

سبحان ربي اللي الداها (الديوان، ص: 25)

إن العين التي لم تُرْفَع في قصيدة “ولاد العرام” إلا مرة واحدة، إنما هي شاهد إثبات على ززلزلة الشاعر وعظيم انكساراته. وتتجلى هذه الانكسارات في معاناته من أثر مخلفات الفقدان، وما ارتسم في أعماقه من مخلفات الذكريات الأليمة. يقول الشاعر في ذلك:

بَانَتْ شْمَيْسَة ضَاوْيَة

تْشَالِي بَ حْرُوفْ تْلَوَّحْ بَ كْفُوفْ (الديوان، ص: 23)

6 – مستوى الهموم الاجتماعية:

تجدر الإشارة إلى أن الفصل بين الهم الذاتي والهم الاجتماعي لا يعدو أن يكون فصلاً منهجياً، والإقرار بتداخلهما إنما يشكل وحدةً دلاليةً منسجمةً لن تزيد عاطفة الشاعر إلا تأججاً واشتعالاً، سيما وأن “الشاعر محتقن بوجع الشعب” (الدكتورة الشاعرة ثريا ابن الشيخ، تقديم ديوان “ولاد العرام”، ص: 10).

سوف تزداد هموم الشاعر استفحالاً وضراوةً كلما ازدادت كثافةً وانصهاراً؛ إننا أمام هموم مفردة بصيغة الجمع، أرخت بظلالها في قصائد كثيرة، منها قوله في قصيدة “ولاد العرام”:

يَا الْجَايَلْ فْ مْعَانَاتْ بْلَادِي

الْمِسْكِينْ فِيهَا حَالُو مَقْهُورْ (الديوان، ص: 37)

وقوله في قصيدة “بودهوار”:

وَاااهْ يَا السَّلَامَة، حَالْ لَحْنَا فَاشْ أَحْنَا

حَتَّى الشَّمْسْ دِيكْ الشَّمْسْ أَلَيْسَ كَانَتْ رَاكْدَة

مْرِيرَة مْرِيرَة كَانَتْ تْطُلّْ عْلِينَا

طْلْعَتْ فْ عْيُونَّا كْدَّابَة (الديوان، ص: 45 / 46)

على سبيل الختم:

في نهاية هذه المقاربة المبتسرة، نستطيع القول بخصوص ديوان “ولاد العرام” للشاعر حميد تهنية، إنه يمثل مرآةً للثقافة الشعبية، سواء ببساطة لغته أو عمق معانيه. كما يمثل في نظرنا قفزةً نوعيةً في مجال الكتابة الزجلية، وبذلك يكون قد أعاد للزجل المغربي إشعاعه وبريقه.

وحتى تكتمل لذاذة ديوان “ولاد العرام” ويجد القارئ فيه ما يغني بغيته، يُنصَح بتعدد قراءاته باعتباره عملاً إبداعياً متفرداً.

 

ناقد وباحث من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً