الهايكو في المدرسة المغربية نحو تربية الحساسية الجمالية

محمد بنفارس*
تمهيد
على غصنٍ يابس
حطَّ غرابٌ وحيد —
مساءُ الخريف
ماتسوؤو باشو[i]
ليس من الذائقة الشعرية في شيء اعتبار هذا النص القصير مجرد تمرين وصفي سطحي أو شكل ثلاثي لا غير. إنها فعلا ثلاثة أسطر بسيطة اللغة ولكنها كافية لخلق مشهد كامل، ومناخ هادئ، وأثر يتجاوز منطوق الكلمات نفسها. لا شرح، لا انفعال معلن، لا خطاب مباشر، ومع ذلك يظل النص قادرًا على مرافقة القارئ طويلًا. تلك إحدى الخصائص التي جعلت الهايكو ينتقل من اليابان إلى العالم، ويجد مكانه داخل ثقافات ولغات وتجارب تعليمية متعددة.
أما في المغرب، فما يزال هذا الفن شبه غائب عن المدرسة والجامعة، رغم حضوره المتزايد داخل الفضاء الثقافي العربي والعالمي، ورغم ما يتيحه من إمكانات تربوية وجمالية ولغوية واسعة. وقد سبق أن دعوت، في حوار مع مجلة “مدارات الثقافية” عدد 29 يوليوز 2022 (ص ص 47-49)[ii].
إلى التفكير في إدراج الهايكو ضمن الأفق التعليمي المغربي، غير أن هذا السؤال ما يزال مؤجلًا، كما لو أن الأمر يتعلق بجنس أدبي هامشي محدود الجدوى.
والحالة هذه، أن النقاش لا يرتبط بإضافة مادة جديدة إلى المقررات الدراسية، ولا بالسعي إلى تنويع النصوص المقروءة فقط، وإنما بإعادة التفكير في طبيعة العلاقة التي تبنيها المدرسة مع اللغة والحساسية الجمالية والانتباه إلى العالم.
من هيمنة التعبير التقريري إلى تربية الانتباه
تعاني الممارسة المدرسية، في كثير من الأحيان، من هيمنة التعبير التقريري والشرح المباشر واللغة المكدسة بالتفاصيل الزائدة. يكتب المتعلم كثيرًا، غير أن النص يفقد غالبا قدرته على خلق الأثر. لذلك يبدو الهايكو فنا بمؤهلات قادرة على فتح أفق مختلف في التعامل مع الكتابة والقراءة.
فالمتعلم، أثناء قراءة الهايكو أو كتابته، لا يواجه فكرة جاهزة تحتاج إلى إعادة صياغة، أو معنى يتطلب استخلاصا، وإنما يقترب من مشهد يقتضي التأمل والانتباه والإصغاء. يتعلم كيف يلاحظ التفاصيل الصغيرة، وكيف يلتقط لحظة عابرة دون إثقالها بالتفسير وتفريغ الذات.
إن تربية الانتباه أصبحت اليوم ضرورة تربوية وثقافية، في زمن يتزايد فيه التشتت البصري واللغوي، وتتسارع فيه الصور والكلمات والإشعارات إلى درجة تجعل الإنسان يمر بجوار العالم دون أن يراه فعلًا.
الاقتصاد اللغوي ومقاومة فائض القول
لا تقوم قيمة الهايكو على القصر الشكلي وحده، وإنما على نوع خاص من التقشف اللغوي، يجعل كل كلمة تؤدي وظيفة جمالية داخل النص. فالاختزال، في هذا الفن، ليس حذفًا تقنيًا للكلمات، وإنما بحث عن العبارة التي تترك أثرًا دون ثرثرة.
على أن ما يجعل هذه الخاصية تكتسب أهمية تربوية واضحة، خاصة إذا استحضرنا ما تعانيه الكتابة المدرسية من تكرار وترهل وفائض شرح. فالهايكو من شأنه أن يدرب المتعلم على:
- التخلص من الزوائد،
- مراعاة الصمت داخل النص،
- بناء الصورة بدل التفسير،
- تجنب المباشرة والانفعال المعلن.
إن الهايكو هو ممارسة على الكتابة التي تترك للقارئ حرية ومساحة التلقي والتأمل.
الصورة والمشهد والأثر
الملاحظ أن جزءا كبيرا من القراءة المدرسية التقليدية يقوم على البحث عن “الفكرة” أو ” المعنى” أو “المغزى”، في حين يعمل الهايكو داخل منطقة مختلفة تماما، منطقة أرحب تقوم على المشهد والمناخ والأثر الحسي.
ومن هذا المنطلق، بمقدور الهايكو أن يفتح المجال أمام تلقي أدبي أكثر حيوية وحرية، بدل اختزال النصوص في خلاصات ميكانيكية جاهزة. فالقارئ والطالب لا يُطلب منه استخراج العبرة أو إعادة المعنى، وإنما معايشة المناخ الذي يخلقه النص واستشعار أثره الكامن.
وتزداد أهمية هذا التوجه إذا تمت مقاربة الهايكو من منظور «شعرية المناخات المشهدية»، التي تمنح الأولوية للمشهد والعلاقة بين الصورة والأثر، في استبعاد واضح لفائض البلاغة أو تسويق الفكرة أو التصريح المباشر بالشعور.
فالمتعلم، وفق هذا الأفق المجدد، ستتاح له فرصة التدرب على بناء شروط الإحساس داخل النص، لا على تسمية الإحساس وإعلانه على السطح.
الهايكو واللغات الحية
ومن حسنات الهايكو أيضا، فهو يتيح إمكانات واسعة في مجال تعلم اللغات والترجمة، نظرًا لطبيعته المقتضبة وسهولة تداوله بين اللغات المختلفة. فالنص القصير يسمح بمقارنة الصيغ والتراكيب والإيقاعات بين العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها من اللغات، دون تعقيد منهجي كبير.
كما أن ترجمة الهايكو تدفع المتعلم إلى الانتباه للفروق الدقيقة بين الكلمات والصور والإيقاع، وتجعله أكثر وعيًا بالعلاقة المعقدة بين اللغة والمعنى.
ويكتسب هذا البعد أهمية دالة داخل مجتمع متعدد اللغات والثقافات مثل المغرب، حيث يمكن للهايكو أن يساهم في تعزيز الانفتاح الثقافي والتواصل الأدبي العالمي.
فن عالمي خارج المؤسسة التعليمية
لم يعد الهايكو مجرد شكل شعري ياباني تقليدي، فقد تحول إلى ممارسة عالمية، تحضر داخل الدواوين المجلات والمنصات الرقمية والملتقيات والمعارض وورشات الكتابة والترجمة في مختلف أنحاء العالم.
ورغم هذا الانتشار المتزايد للهايكو عالميا، ما تزال المؤسسة الثقافية والتعليمية المغربية بعيدة عن هذا الأفق الجمالي، وكأن المدرسة مرتهنة داخل دائرة الأشكال التقليدية المكرسة منذ عقود في المقررات والتوجهات، في غياب واضح لمتابعة جمالية تستوعب التحولات الثقافية المعاصرة.
ونعتقد أن استمرار هذا النهج يطرح سؤالًا حول قدرة المدرسة الحديثة على مواكبة الأشكال الجديدة في التعبير والتلقي والكتابة.
تكوين الأساتذة والانفتاح على التجارب الثقافية
وبديهي أن أي تفكير في إدراج الهايكو داخل المدرسة يقتضي الاهتمام ابتداء بتكوين الأساتذة، عبر إدخال هذا الفن ضمن مواد التكوين الفني والأدبي والتربوي، حتى يتمكن المدرس من التعرف إلى جمالياته وطرائق الاشتغال عليه داخل الفصل الدراسي.
فالمقصود بالتكوين هنا لا يرتبط بتقديم معرفة نظرية معزولة، وإنما ببناء تجربة فعلية في القراءة والكتابة والإنصات للمشهد والصورة والإيقاع الداخلي للنص.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى فتح المجال أمام الجمعيات الثقافية والمنصات والمجلات المتخصصة والورشات الهايكوية للمساهمة في تنشيط الحياة الثقافية داخل المؤسسات التعليمية، عبر لقاءات وقراءات وورشات كتابة الهايكو لفائدة التلاميذ، وربما أيضًا لفائدة عموم رواد المؤسسة.
وغني عن البيان أن المدرسة لا يمكن أن تعيش في عزلة عن محيطها الثقافي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفن يقوم أساسًا على المشاركة والتلقي والحوار الهادئ مع العالم.
التدرج في الإدماج
ومن الراجح ديداكتيكيا، أن إدراج الهايكو داخل المدرسة يحتاج إلى رؤية بيداغوجية متدرجة، تتجنب التكديس أو تحويل النوع إلى مادة جامدة أو قالب تقني مغلق.
لذلك نرى أنه من الأنسب أن يبدأ دخوله عبر:
- النوادي الثقافية،
- الأنشطة الموازية،
- نصوص قصيرة داخل المقررات،
- ورشات القراءة والكتابة،
- أنشطة الترجمة والتعبير.
بعد هذه المرحلة الاستكشافية، يمكن توسيع حضوره تدريجيًا وفق رؤيا تربوية تتطور بوعي وتراكم.
نحو تربية الحساسية الجمالية
إن الحاجة إلى الهايكو داخل المدرسة المغربية ترتبط، في عمقها الفلسفي والبيداغوجي، بالحاجة إلى تربية جمالية جديدة، تعيد الاعتبار إلى الانتباه والصمت والاقتصاد اللغوي والتفاعل المنصت للعالم.
فالمدرسة التي تمنح المتعلم فرصة رؤية التفاصيل الصغيرة، والإصغاء إلى ما يمر عادة دون التفات، تساعده على بناء علاقة أكثر حميمية مع اللغة والحياة والآخرين.
وفي زمن يتزايد فيه فائض الكلام والثرثرة والانفعالات المعلنة والصور السريعة عبر وسائط التواصل والسوشيل ميديا، يبدو الهايكو فنا مؤهلا أكثر من غيره لإعادة شيء من الطمأنينة والهدوء إلى/ في علاقتنا بالكتابة والعالم.
بعدَ العاصفة
الفراشاتُ الصغيرة
فوق الحصى المبتل
ماساوكا شيكي[iii]
هايجن ومترجم من المغرب
[i] (1664- 1694)، شاعر هايكو ياباني يعرف بالمعلم الأول كمؤسس للهايكو.
[ii] https://drive.google.com/file/d/1HXcrqGhPMmJrO82O9pJ3TezRvNKMy1n0/view?usp=sharing
[iii] )1862-1902) شاعر هايكو ياباني من المعلمين الأربعة الكبار، ويعتبر أبا للهايكو الحديث.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي