الرئيسية / الأعداد / الأدب والفن والسياسة في ظل التحولات الرقمية – محمد سعود

الأدب والفن والسياسة في ظل التحولات الرقمية – محمد سعود

الأدب والفن والسياسة في ظل التحولات الرقمية

محمد سعود*

 

“ما أخشاه هو الذكاء السطحي وليس الذكاء الاصطناعي”

 الفيلسوف الفرنسي إدغار موران

    

    حصر َ الفيلسوف والكاتب الفرنسي “ريجيس دوبري Régis Debray ”  تاريخ الصورة في ثلاثة عصور ، الأول هو اللوغوسفير  Logosphèreويمتد إلى ظهور الطباعة ، والثاني الغرافوسفير   graphosphèreويمتد من اختراع المطبعة إلى اختراع الشاشة الملونة ، والثالث هو عصر الفيديوسفير  Videosphère وهو عصر الشاشة الذي نعيشه الآن  . قد تتداخل هذه العصور أو البراديغمات ولكن هناك طغيان سلطة عصر على آخر .

هذا العصر أي عصر الفيديوسفير صوتا وصورة لم تعد فيه سلطة الفكر والقراءة  والكتابة هي التي تتحكم في العالم بل ظهرت فيه سلطة أشخاص من المشاهير توظف فقط ما هو مرئي لفرض وجودهم بقوة مستغلين الشاشة التي أصبحت تتحكم في عقول ملايين الناس .أكيد أننا اذا سألنا أشخاصا عن من هو افضل لاعب في كرة القدم سوف لن يخرج جوابهم عن لاعبين اثنين ، أو عن أي مطرب أو شخصية عامة .ولكن إذا سالتهم عن كاتب أو شاعر أو فنان لن تسمع إلا أجوبة صادمة .

ويجب أن نعترف أننا أمام جيل مختلف وهو “زد” (Generation Z)، جيل ولد مع التحولات الرقمية السريعة و الهائلة ومرتبط ارتباطا وثيقا بالتكنولوجيا  التي تعتبر جزءا من حياته الخاصة والعامة. . وسيشكلون لا محالة قوة شرائية ضخمة تستغلهم الشركات من أجل تسويق منتجاتها من خلال معرفة ميولاتهم وأهوائهم عبر خيارات خفية في هواتفهم أو من متابعاتهم وما يبحثون عنه . كما أنهم يشكلون قوة ضغط على سياسات بلدانهم من خلال مقاطعة منتوجات أو انتخابات أو الخروج إلى الشارع وما حدث في النيبال والمغرب ومدغشقر خير مثال على هذه القوة التي لم تعد خفية واستطاعت تطوير أساليب اشتغالها .دون الحديث عن قوتهم الرهيبة في الرياضة خاصة كرة القدم .  وللأسف لم يستطيعوا تشكيل قوة في مجال الثقافة والفن .

هذه الشاشة الصغيرة بين أيدينا كانت وسيلة لظهور شخصيات عامة من طبقات مختلفة وحتى من  الطبقات المهمشة ،، و أصدرت المشهد  شخصيات أثارت الكثير من السخط والاستهجان من الطبقات المثقفة ، ولكن في الحقيقة تبقى لهذه الشخصيات المثيرة للجدل شعبيتها لأنها استطاعت أن توظف المرئي في مجال اختصاصها ، فبدل أن يبقى شخص تحت حرقة الشمس في حلقة جامع الفنا استطاع أن ينقل هذه الحلقة إلى الشاشة ويحقق ملايين المشاهدات وينال شهرة واسعة ويحسن من وضعه المادي والاجتماعي ، علما أن آخر الإحصائيات تشير إلى أن المنصات الرقمية يستفيد منها ماديا عبر أرباح من المشاهدات أكثر من تسعين  مليونا شخص .

ونظرا لانتشار التفاهة بشكل خطير جدا أعيد الاعتبار لمجموعة من المؤلفات التي نبهت للظاهرة قبل وقوعها ومنها  كتاب  نظام التفاهةLa médiocratie للفيلسوف الكندي  الان دونو Alain Deneault  الذي لقي تجاوبا  كبيرا مع شرائح كثيرة من المثقفين في المجتمعات البشرية،، لأنه استطاع أن يحلل نظام التفاهة على اعتبار أنها أيضا نظام وصناعة لها من يشرفون على إنتاجها  والترويج لها ورعايتها وأيضا أتباعها الذين يتزايدون يوما بعد يوم، إلى درجة أن بعض المثقفين انساقوا وراءها وأصبحوا يدافعون عنها .

ورغم أن هذا الكتاب الذي ألفه آلان دونو قام بتحليل هذا النظام  ،إلا أن كتابا مهما آخر يحلل التفاهة بطريقة أخرى دون الحديث عنها ،،وهو  كتاب “الحيوان الحكاء -كيف تجعل من الحكاية بشرا” للكاتب الأمريكي جوناثان غوتشل .هذا الحيوان الحكاء يمكن أن نجد له مقابلا في لهجتنا الدارجة وهو كلمة “حلايقي” ،،وإن كانت هذه الكلمة تحمل في طياتها قدحا لشخص تافه يقول أي شيء ء ومحتوى حديثه لا شيء فإن نفس الكلمة قد تحمل معنى أخر،، وهي صفة  لشخص يمارس هذه المهنة ويتمتع بموهبة في لفت الانتباه وجذب الأنظار إليه بطريقة بديعة في السخرية وسرد الأحداث وتفسيرها بطريقة ساخرة مرة وممتعة في نفس الوقت  ..

هذا الحيوان الحكاء تطور مع تطور التكنولوجيا فاستعان بأحدث الآلات والوسائط ليحكي لنا عن السياسة والطب البديل والرياضة وقضايا مجتمعية،، وأصبح له أتباع يتزايدون يوما بعد يوم،، لم تفلح التبليغات عن المحتوى ولا الشخص في إلجام هذا الإنسان الحكاء ،،وحتى ولو تم إقفال قناته يفتح أخرى،، لا شيء يردعه ولا يعير أي اهتمام للسب أو الشتم أو التعليقات التي تسيء لمحتواه ولا إلى شخصه،، فما دامت التعاليق موجودة والمشاهدات كثيرة فكلها تدخل في إنجازاته ويرفع من جرعة الاستفزاز  ويضاعفها،، لأنه أصبح مؤثرا ولا يهم نوع التأثير،، ولتشجيع هذه الصناعة لجأت شركة اليوتوب بحذف علامات عدم الإعجاب وتركت علامة واحدة فقط وهي الإعجاب بالمحتوى.. بمعنى أن لم يعجبه المحتوى فليتركه ،،

فالحكاء غالبا ما يلجأ إلى نظرية المؤامرة، ،والأرض لا زالت في نظره مسطحة وأن في القطب الشمالي حفرة تقودنا إلى العالم السفلي تخفيها الأقمار الاصطناعية، وأن وكالة الفضاء الأمريكية تخفي عنا الكثير من الأشياء التي تفسر في نظرهم بعض الظواهر الغيبية، ،وبعد أن بدأ الإنسان يتخلص من رؤية الجن أصبح يعيش مع كائنات أخرى فضائية. والأخطر من كل هذا أن يتم استغلال هذه النماذج لخدمة أنظمة استبدادية ويتقاضى عنها المؤثرون أجرا ،،كما أن هذه الأنظمة تساعدهم بتسريب معلومات حصرية عن خصومها من مخافر الشرطة والمخابرات  للرفع من نسبة المشاهدات وإضفاء المصداقية على هؤلاء المؤثرين في نقل الأخبار وتحليلها،، وذلك للتغطية على كل الأخبار الكاذبة التي نشروها في خيالهم ،، فبدل أن يتحدث هؤلاء المؤثرون عن مشاكل بلدانهم يتحدثون عن مشاكل بلدان أخرى وغالبا ما تكون مجاورة لهم. وأن بلدانهم عرضة لمؤامرات ويعلقون دائما فشلهم على دول أخرى مهما كان نوع هذا نوع الفشل ،وذلك لتبرئة الأنظمة في ما يحدث واستباقا  لما سيحدث مستقبلا .

هذه التفاهة تجاوزت كل الحدود وقد أكد  الروائي والكاتب التشيكي الأصل ميلان كونديرا في روايته الأخيرة  “حفلة التفاهة” إلى أن «التفاهة» هي المُنْقِذ الأول لإنسان الألفية الثانية.ويقول: «أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا وقف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة مُمكنة: ألا نأخذه على محمل الجدّ»  وفي كتابه «ثلاثية حول الرواية: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار» يقول :«لقد صار الإنسان الذي ارتقى سابقاً مع ديكارت مرتبة سيّد الطبيعة ومالكها مجرّد شيء بسيط في نظر قوى التقنية والسياسة والتاريخ التي تتجاوزه وترتفع فوقه وتمتلكه. ولم يكن لكيانه المحسوس، لعالم حياته في نظر هذه القوى أي اعتبار”

لا أحد منا ينكر سلطة التفاهة التي بسطت نفوذها على جميع المجالات،، وأصبح بعض المؤثرين Influencers في وسائل التواصل الاجتماعي تفوق شهرتهم شهرة أي كاتب أو شاعر أو فنان أَو فيلسوف فعدد المتابعات لمحتوى شخص واحد يفوق عدد من يقرأون نصوصا لكل كتاب العالم،، علما أن المحتوى الذي يقدمونه غالبا ما يكون مجرد دغدغة للمشاعر من خلال أخبار كاذبة أو إشاعات أو يكون مبنيا على نظرية المؤامرة ،، وحتى لو أخطأ وعبر غن مستواه المنحط ثقافيا سيتحول إلى إنجاز.

وإذا كانت وكالة ناسا نشرت مؤخرا صورا لأبعد نقطة في الكون استطاع أن يلتقطها تلسكوب “جيمس ويب” الذي  صرفت عليه ملايير الدولارات وتطلب سنوات من العمل والجهد من ثلاث وكالات فضائية  فإن بعض المؤثرين لازالوا يتحدثون على أن الأرض مسطحة،، لأن خطابهم موجه أساسا إلى من رؤوسهم مسطحة،، وما أكثرهم. وهناك من ذهب إلى أكثر من ذلك وبدأ في إعطاء الدلائل على أن سحابة سديم كارينا  تحمل خريطة بلده. بدل البحث عن ما يخفيه هذا السديم الذي تعكف واحد وأربعون دولة بخيرة علمائها في الكشف عن بعض أسراره.

قد نجد عذرا لعامة الناس الذين ينشرون محتويات تفتقر لكل الضوابط الأخلاقية و المصداقية ل. ولكن ما لا يمكن قبوله هو سقوط بعض المثقفين في هذه التفاهة .فبدل اللجوء إلى النقد أو إبداء الآراء في كتابات أو أعمال فنية يلجؤون إلى أبشع أنواع السب والشتم والتملق لبعضهم البعض من خلال محتويات سوقية رديئة .،  وأصبحنا في القرن الواحد َوالعشرين نستحضر بقوة شعراء الهجاء  والمديح،، وإن كنا دَرَسْنا شعرهم في الماضي كأغراض ظهرت في عصور خَلَت،، فإنها عادت بقوة وبابتذال يفوق الخيال،، .والسبب في كل هذا هو أن التفاهة ضمنت لهم موقعا في الحقل الثقافي والفني،، وبمحاربة التفاهة سيكونون أول الضحايا.

ستستمر التفاهة في حصد الملايين من  المعجبين،، لأن سلطتها كبيرة وتتعاظم يوما بعد يوم،، انخرط فيها جيش عرمرم من التافهين ولم تبق إلا أقلام قليلة تنتقد هذه الوضع ولها الجرأة الكافية لوضع الأصبع على الجرح رغم أنها تتعرض أحيانا إلى سيل من الانتقادات التي تتجاوز كل لباقة في الرد..

و هذا الوضع الذي نعيشه نجد فيه مسؤولية كبيرة للمثقفين الذين لم  يستغلوا هذه الوسائط  في التعامل مع جيل جديد مختلف  بالشكل المطلوب رغم  مزاياها الكثيرة  ،فالأفاق الجديدة للفن مع ظهور الذكاء الاصطناعي يجب توظيفها  ولا يمكن  تجاهلها والقفز عليها. ومن بين أبرز الفنانين الذين وظفوا هذا الذكاء الفنان الأمريكي دافيد دورال الحاصل على الماجستير في تاريخ الفن، وهذا يعني أنه ابن الميدان ولخبرته أيضا في مجال الاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة في مجال الرقميات أنتج لوحات تبدو وكأنها لوحات زيتية من العصر الكلاسيكي ونهج أسلوبا خاصا في رسمها حيث كل لوحاته عبارة عن شخوص في حالة استرخاء وتأمل مما يدعونا نحن أيضا إلى التأمل في هذا النوع من الفن، طبعا هناك من يستهجنه ويعتبره نتاج آلة وهناك من يعتبره فنا وتيارا يجب مجاراته وعدم السباحة ضده وإلا سيجرفنا ونعود من مخلفات العصر الذي سبق هذا الذكاء .

فمع التقدم التكنولوجي الهائل الذي انعكس على جميع المجالات ومنها الفن أيضا خاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي الذي تجاوز كل الحدود رغم حداثته أصبح الفنان  قادرًا على إنتاج أعمال فنية معقدة ويبقى السؤال المطروح  هو هل الفنان ملزم اليوم بأن يكون على مستوى عال من الحرفية في هذا المجال ومتمكنا من الخوارزميات لدمج إبداعه البشري بآلة الإنتاج الرقمي ؟ .. وما مصير الفنانين الذين لا يسايرون هذه التحولات خاصة أننا أمام جيل لا يحضر المعارض بشكلها التقليدي ؟. ونفس السؤال يمكن طرحه على كل أشكال الإبداع .  فالعالم يتغير بسرعة مذهلة والجيل الجديد يلتقط عشرات الصور يوميا قد لا تمر ساعة واحدة  لنرى صورة أخرى.. حتى وسائل التواصل الاجتماعي تنصح أصحاب الصفحات بتغيير صور بروفيلاتهم وتذكرهم بين الفينة والأخرى بأن صورهم لم تتغير منذ مدة. ومع هذا الدفق أو السيل الجارف من الصور والفيديوهات ظهرت متلازمة تخزينها لرؤيتها مرة أخرى ،وأكيد أنه لن يتم الرجوع إليها لمشاهدتها ما دامت صور وفيديوهات أخرى تظهر دون توقف ،

ولكن ما يجب التنبيه لخطورته هو استغلال الذكاء الاصطناعي للغش والتدليس .ولنأخذ على سبيل المثال الصورة الفوتوغرافية التي   فازت سنة 2023 بالجائزة الأولى في إحدى الجوائز المرموقة عالميا لشركة سوني للمصور الفوتوغرافي الألماني بوريس إلداغسن رفض تسلمها . واعترف أنها صورة بالذكاء الاصطناعي بنسبة مائة في المائة ولا وجود للشخصين في الواقع. وإذا كان بوريس استطاع خداع لجنة التحكيم التي تتوفر على خبرة كبيرة وبرامج جد متطورة في كشف التزييف فكيف سيكون الأمر بالنسبة للآخرين؟   فالمصور بوريس إلداغسن من خلال رقصه للجائزة طرح إشكالية كبرى من حيث المفهوم ومقاومة الفن لهذا التطور الهائل للتكنولوجيا. كما  ظهر فنانون لا وجود لهم على الإطلاق وكذلك لوحات وأعمال حفر مصممة بالذكاء الاصطناعي منها ما يعود إلى القرن الخامس عشر فقط للبرهنة على حدث تاريخي أو النبش في تاريخ أمة .

و في مجال الإبداع الأدبي يتم أيضا توليد نصوص شعرية وقصصية وأحيانا نقدية بالذكاء الاصطناعي. كما أصبحت الصور المثيرة المصاحبة النصوص اكثر أهمية من الكتابة لأنها توظف بمكر   .فتجد آلاف التعليقات وعلامات الإعجاب ، ولكن ما هو مؤكد أن لا أحد قرأ ما كتب .ومن قرأ فعلا سينصرف دون عودة تاركا وراءه سيلا من السخط العارم .

وما قلناه عن الفن والصورة يمكن أن ينطبق على السياسة أيضا .ولعل الكتاب الذي نشره الفيلسوف الفرنسي مؤخرا الصحفي والفيلسوف الفرنسي” الان دو بونوا” Alain de Benoist عن” اللحظة الشعبوية ونهاية ثنائية اليسار واليمين” Droite-gauche, c’est fini ! : Le moment populiste

لخير دليل على ذلك وهو عدم إيمان الناس بالأحزاب ، بل بأشخاص ، وهو ما افرز بعض الرؤساء الذين لهم خطابات شعبوية لا هي يمينية ولا يسارية ، رغم انتمائهم لبعض الأحزاب ، وقد يظهر رؤساء دون أحزاب . لان المجتمعات لم تعد تؤمن باللامرئي L’invisible  الذي لم يعد إلا خرافات ،أو المقروء Le lisible لأنه مجرد حبر على ورق من برامج سياسية ،فهي تؤمن فقط بالمرئي Le visible .وداخل هذا المرئي نعيش حالة ذعر مما نرى ونسمع ، وانتهكت فيه كل القيم ولم تسلم منه حتى الخصوصيات الفردية وأصبحنا في قلب “ثقب كبير يلتهم نفسه ” على حد تعبير سكارليت جوهانسون التي كانت نجمة هذا الهيكل وتحولت إلى ضحية له .

فنان تشكيلي وباحث من المغرب

 ملاحظة: اللوحتان من ابداع الفنان النمساوي غيرهرت هيدرير

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً