صدور كتاب القوة الهادئة- دليل من الحياة للكاتبة فاطنة حجاجي

“لمسة الأمل في التجربة الكتابية للكاتبة المغربية فاطنة حجاجي”
كمال العود
إن المتتبع لمسيرة فاطنة حجاجي الكتابية، ليخلص إلى نتيجة جلية، في كتاباتها التنموية والتثقيفية على نحو خاص، سواء من خلال منجزها السردي “ابتسامة من رحم المعاناة” أو عملها الثاني “أصابع الأمل”، أو عبر عوالم عملها هذا الذي بين أيدينا وقد انتقت له وسوم “رحاب القوة الهادئة” وهي سمة تكمن في وجهة النظر المؤلفة لتيمة الأمل، أو القوة الذي تنتدب له الكاتبة، دلائل وارشادات عملية وعلمية لفهم النفس الواقع.
من هنا يكمن الحديث عن هيمنة الأمل والقوة في كتابات فاطنة حجاجي، من زوايا نزوع خطابها إلى تنمية الذات والواقع، وتوغلها في أعماق النفس البشرية.
يقدم لنا كتاب “رحاب القوة الهادئة” قيد الدرس، واقعا جديدا وحياة أفضل من الحياة التي تعيشها أنت الآن، وأنك جدير بهذه الحياة، وأنك أخيرا تستطيع تحقيق هذه الحياة، وما عليك الآن إلا أن تقوم بالخطوات الأولى ومنها سيتراءى لك المسار الذي عليك أن تسلكه حتى تعيش الحياة التي تليق بك، وتتناسب مع طموحاتك وأحلامك ويضعك حيث يجب أن تكون في مشهد هذه الحياة.
كما يشير العنوان، فالقوة “ليست قوة خارجية تفرض سيطرتها، بل هي قوة داخلية تولد من رحم التقبل والإيمان”، فالقوة خطوة لابد أن تؤدي إلى مسار. خطوة ضرورية قبل أن تأخذ حياتك مسارها نحو السلام.
الخطوات الأولى ستقف بك على العقبات في الطريق نحو ذاتك أو ما أطلقت عليه الكاتبة بالصدمة الأولى، وبمجرد صعودك فوق واحدة من هذه العقبات سترى الطريق واضحة أمامك، كما لم تكن واضحة من قبل، هذه المرحلة سمتها فاطنة بالإيمان بالعدالة الإلهية والتي تجعلك تسمو إلى مرحلة سكينة الروح.
تذكرك الكاتبة وأنت في أسفل العقبة (الصدمة/ الانكار/المساومة/الاكتئاب) لا يمكنك رؤية الطريق تماما، وكلما اقتربت من قمة العقبة أشرفت على جزء أو مرحلة من الطريق نحو التقبل. هنا سترى الطريق واضحة تمام الوضوح وأنت في قمة العقبة، هنا يتحول الألم إلى نور، وقبل ذلك لابد لك من امتلاك سلاح القوة في المعلومة أي اكتساب الوعي الذاتي وهذا يحيلنا على كتاب ” العادات السبع للناس الأكثر فعالية” لستيفن كوفي، الذي يعرف الوعي الذاتي “بأنه القدرة على التفكير في عملية التفكير نفسها، وهذا ما يميز الإنسان عن الحيوان ويجعلنا نتعلم ونرتقي ونبني عادات ونقلع عن أخرى”.
أما مؤلفتنا فترى الإنتقال من الخوف إلى اليقين يمر من القوة في المعلومة أو المعرفة “كلما زادت معرفتك بمرضك، تقلصت مساحة الخوف وزاد شعورك بالسلام الداخلي” وفي موضع آخر “معرفة المرض نصف العلاج أو كله”.
فقصة نور لم تكن اعتباطية، بل تجسد لحظة انكسار تحولت إلى صحوة روحية، ففي ذروة الليل، حين يكون العالم غارقًا في سكونه العميق، كانت روحها تنهار وتنهض في آن واحد، كأنها تمشي على حافة الهاوية، بين ظلام الألم وضوء الوعي بمرضها، ففي سكون انكسارها، انبعثت من أعماق قلبها الجريح نداءات غريبة لم تعهدها، أصوات ترشدها نحو مرافئ الكتاب الذي جذبها إلى وهج النور. لم يكن ذاك السقوطُ ختاما لقصتها، بل كان المخاض الأول لولادة جديدة وصحوة مباركة “غادرت المستشفى وقلبها يضج بالاسئلة كانت تعلم أن الأمر أكبر من مجرد اجهاد فبينما كانت تسير في طريق العودة، بدأت الهمسات تتردد بوضوح أكبر، وكأنها تتكلم معها بشكل مباشر…في تلك اللحظة، أدركت الفتاة أن رحلتها بدأت للتو”.
وكما هو الشأن بالنسبة لكتابات المؤلفة فاطنة حجاجي من أجل حياة ذات جودة عالية، فإن هذا الكتاب توخ أن يكون مادة مفيدة ليس فقط للمهتمين بالتنمية الذاتية من أجل تطوير الذاتي، بل أيضا كي يكون مرجعا مهما للمدربين والأساتذة الذين يهتمون بتطوير غيرهم. ويهمهم تقديم مفاهيم التنمية الذاتية بشكل ملموس وبسيط، لذا فقد حرصت الكاتبة على إضافة مجموعة من التمارين والتطبيقات والقصص الواقعية حتى تكون دعامة لمن يستعمل الكتاب حثا له على المضي في طريق تنمية ذاته وتطويرها بما يساعده على تحقيق القدر الأكبر من الرضا النفسي والسلام الداخلي أو كما جاء في فصول الكتاب “التقبل هو أن تقول لواقعك أنا أراك، وأنا أتقبلك، وسأجد طريقي في العيش بسلام معك”.
فالقارئ يدرك جيدا أن الحقائق والمهارات والعادات لا تستقر في حياتنا إلا عن طريق تكرارها عددا من المرات حتى تأخذ مكانها في حياتنا اليومية وتصبح جزء من نشاطنا الذي يعزز جوانب من أدائنا لبعض الأعمال التي نزاولها وتتوقف عليها حياتنا.
في النهاية، يمكننا القول إن كتاب “رحاب القوة الهادئة” عمل به قدر كبير من الاجتهاد في اختيار التيمة، كما أنه عمل مهم، بمثابة دليل عملي يقدم خريطة طريق لتجاوز الصدمة لمرحلة التقبل الحكيم والسمو الذات نحو السلام الداخلي.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي