الرئيسية / أمازيغيات / النشيد التربوي الأمازيغي وأهميته في التربية على القيم الإنسانية النبيلة – عمر ايت سعيد

النشيد التربوي الأمازيغي وأهميته في التربية على القيم الإنسانية النبيلة – عمر ايت سعيد

النشيد التربوي الأمازيغي وأهميته في التربية على القيم الإنسانية النبيلة

عمر أيت سعيد*

 

ثمة اقتران عضوي وراسخ بين التربية والفن في مختلف صوره وتجلياته: غناءً وأنشودةً ورسمًا. فالفن يعمل في النفوس ويُحدث في الأحوال ما لا تستطيع السياسة ولا القوة تحقيقه. ولا يختلف اثنان في أن التربية أقرب إلى الفن منها إلى العلم الصارم، وأن القيم والمعطيات الإنسانية لا تنبت في نفوس الناشئة إلا إذا سُقيت بماء الجمال وروَّتها أنهارُ الإبداع.

في هذا السياق يأتي اهتمامنا بالنشيد التربوي الأمازيغي اهتمامًا مشروعًا وضروريًا، لا لكونه ضربًا من الترف الثقافي أو الانشغال بالهامش، بل لأنه يُمثّل وسيلة إعلامية وتربوية بارزة، ومجالًا أصيلًا لتجسيد المشاعر والعلاقات الإنسانية بعمق وصدق. والحديث عن الشعر الأمازيغي حديث جذاب يجعل الباحث يسبح في عالم من الجمالية الأخّاذة، لفظًا وتركيبًا وإيحاءً.    يقول جان بياجيه :

‘’إن الهدف الأساسي من التربية هو خلق رجال قادرين على صنع أشياء جديدة، لا يقومون فقط بتكرار ما صنعته الأجيال السابقة، رجال مبدعين مبتكرين مكتشفين’’

أولًا: في معنى أدب الطفل ورهاناته

أدب الطفل جنس أدبي يشمل أشكالًا متنوعة من النثر والشعر، مؤلَّفةً بشكل خاص للأطفال دون سن المراهقة. وقد بدأت تتضح ملامحه في القرن السابع عشر بأوروبا، ثم ازدهر في منتصف القرن العشرين مع انتشار أنظمة التعليم وتطورها. غير أن التعريف الأعمق لهذا الأدب يتجاوز الوصف الشكلي ليُقرّ بأنه “نصوص إبداعية تحمل خبرات لغوية موجَّهة للأطفال، تستهدف التربية الاجتماعية والنفسية والفنية والجمالية، فضلًا عن التنمية العلمية والفكرية واللغوية.”

ومن أبرز ما يميز هذا الأدب حين يُصاغ في قالب النشيد أنه يتسلل إلى وجدان الطفل دون استئذان، يُحرّك فيه الدوافع الجمالية والأخلاقية معًا، ويُهيئه لأن يكون فاعلًا في مجتمعه لا متفرجًا عليه. وهكذا تتشابك التربية الإبداعية مع التربية الفنية في نسيج واحد، يخدم الناشئة ويُثري مخيلتهم.

ثانيًا: النشيد الأمازيغي — من التراث إلى التجديد

يظل البحث في التراث الأدبي الأمازيغي في بداياته، وقد أسهم نفرٌ من الكتاب والنقاد والمبدعين في استحضاره وإعادة تقديمه إلى جمهور كاد يُمحى الوجود في ذاكرته نتيجة إهمال مديد وحيف إعلامي لا يُنكر. وفي هذا المنحى تتموضع تجربة فنية جديرة بالتأمل والتثمين، هي تجربتنا المتواضعة في النشيد التربوي الموجَّه للطفل الدي وجدنا فيه فضاءً إبداعيًا واعدًا.حيت انتجنا ألبوما غنائيا خاصا بالطفولة باللغة الامازيغية ولعل ما يُميّز هذا الألبوم الغنائي التربوي أنه يستثمر التطور الحاصل في مجال الموسيقى ويُوظّفه في خدمة أنشودة الطفولة، بإيقاع جذاب وكلمات شفافة أخّاذة، مألوفة في عالم الطفل ومرتبطة بواقعه المعيش.

ثالثًا: قراءة في نماذج من الألبوم

في أنشودة “ألمود” (التربية والتعلم)، يُغازل الشاعر روح الطفل بلغة بسيطة تستبطن قيمًا عميقة: المساواة بين الفتى والفتاة، وقيمة العلم، والانتماء للأسرة والمجتمع. يقول:

Almmud almmud —

Almmud a icirran

zund arba zund tarbatt — tusna tssudu

ssudmv afus i imma — ssudmv afus I ibba

التعلم يا أطفال…

 الفتى والفتاة سواء،

 العلم في طريقه إلينا،

أُقبّل يد أمي،

أُقبّل يد أبي، وجميع إخوتي.

هذه العبارات البسيطة لها وقع عميق في نفوس الناشئة لأنها تُحيلهم إلى واقعهم وتُعزز التشبث به. وقد ردّد الأطفال هذه الأنشودة في الحقول والأزقة فور صدورها. أما في قصيدة “بلادي” فيُحدّث الشاعر عن الوطن بوصفه زهرة تسكن الشعر والكلام، وعن وفاء لا يُزعزع:

Tamazirt inu —

Ajddig at tgit

Ur sar i dm bdiv —

 Ammas n wul inu

agn tllitt

بلادي أرضي، زهرة أنتِ، لن أفارقكِ أبدًا، أنتِ في عمق قلبي.

وبهذه اللغة العذبة التي قد تُسيء إليها الترجمة في بعض أبعادها الإيحائية، يُعيد الشاعر إلى الأذهان طواعيةَ اللغة الأمازيغية على احتضان شتى الفنون الإنسانية، كأختها من اللغات العالمية.

رابعًا: القيم التربوية — دور النشيد في بناء الشخصية

لا يتوقف دور النشيد التربوي الأمازيغي عند حدود المتعة السمعية أو الترفيه البريء، بل يتجاوزه إلى تشكيل شخصية الطفل من داخله. فمن خلال النشيد تتحقق جملة من الوظائف التربوية المتكاملة: تنمية الذوق الأدبي والجمالي، وتقوية الذاكرة والتعبير اللغوي السليم، وغرس قيم الاحترام والمساواة والانتماء للوطن، وإطلاق القدرات الإبداعية الكامنة، وتفريغ الشحنات الانفعالية بطريقة صحية. وهذه كلها تُؤسس لمواطن فاعل ومتوازن، يضطلع غدًا بمسؤولياته الاجتماعية بوعي وإيجابية.

ولعل أبلغ ما يُميّز هذا النوع من الأدب أنه يُدمج الجمال بالمعنى، واللذة بالقيمة، فيصل إلى وجدان الطفل بما لا تستطيعه الخطب والمحاضرات. والعمليات الإبداعية والابتكارية هي -كما يُقرّ علماء التربية- صاحبة الفضل في تقدم الحياة وتطورها عبر الأجيال، وأصحابها رأس مال قومي وإنساني حقيقي.

خاتمة: نداء إلى الاعتناء بهذا الإرث

يُجسّد هدا ألبوم نموذجًا يستحق الاحتذاء والتعميم: حاولنا توظيف الموهبة في خدمة الطفولة ، ويُسهم في ترسيخ هوية ثقافية حية في نفوس أجيال كادت الغفلة تنتزعها منهم. وإن في الكتابة والتلحين للطفل بالأمازيغية خطوةً جديدة كل الجِدَّة، جديرة بأن تُحتضن وتُدعم وتُتبنى مؤسسيًا وأكاديميًا وإعلاميًا. فالرهان على التربية الإبداعية هو رهان على المستقبل، وصوتُ الطفل ا المُنشد صوتٌ يستحق أن يُسمع في كل ربوع هذا الوطن.

نبذة عن الفنان عمر أيت سعيد :

مواليد الخميس دادس، آيت حدّوش، قلعة امكونة (1978م). مدرس ومتخرج من معهد زرياب للموسيقى بالرباط، عازف على القيثارة. من أبرز أعماله: ألبوم «atbir amllal / الحمامة البيضاء»، وألبوم «timmuzva»، وألبوم «almmud / التعلم» المخصص للطفل.

باحث في الأمازيغية من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

عبدالرزاق اسطيطو *   جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة …

اترك تعليقاً