الرئيسية / الأعداد / العدد الثالث والسبعون / أعمدة ثابتة 73 / الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثالث عشر)

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثالث عشر)

فصل من رواية

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثالث عشر)

المصطفى أسدور*

يتساءل حميد، وهو شاب يانع، حين يرى الكبار يلعبون بتلك الحماسة:

  • مِن أين لهؤلاء الرجال الذين أنهكتهم أعمال الحقول والمزارع أن يأتوا بهذا الكم من المرح؟

وأما إن حدث وتمكن اللاعب الآخر من دُخولِ “الوَادْ”، فتلك حادثة تشير إلى تعَسُّرِ الاستمرار في اللعب، وتعني انهزام أحد الطرفين بالقوة لعدم تمكنه من “عبورِ” الوَادْ، ذلك الخط القطري الذي يقسم رقعة اللعب، ومن دخله “كان آمنا”، ويستطيع اصطياد أي قطعة لعب تدخله.

حين يصدح صوت المؤذن بأذان الصلاة، ينهض بعض الرجال بملابسهم المغبرة، يتجهون إلى “مقصورة الصلاة”، دون الحاجة إلى تبديل تلك الملابس التي شَبِعت تمرغًا في التراب، وبعضها التصقت به فضلات الحيوانات الأليفة كالغنم والأبقار، ولا يجدون ذلك مُلزِمًا للطهارة، فهذه الفضلات تعود لحيوانات يحل ذبحها وأكلها، وهي طاهرة بطبيعتها.

كَبُّورة، حين يحدثها زوجها عن هذه العادة وهذا المعتقد الذي عليه الرجال في صلواتهم، وكيف لا يتخذون لباسا نظيفا لأدائها، ترد عليه متهكمة:

  • وَايْلي يَا الفَقِيرْ مْحَمَّدْ، علاه آشْ ڭالُو الَّلوْلِينْ؟ يَاكْ ڭالو: كِي الحَنَّاء كِي زْبَلْ البْڭَرْ

تضحك بسخرية وبصوت عال، وحين تكون كبورة منتشية، ترفع بصرها إلى السماء، وتعيد قفاها إلى الخلف قليلا، وكأنها تمدد حنجرتها لتُوصل صوتها إلى عنان السماء، فتطلق العنان لقهقهتها، بينما يبقى الفقير محمدْ، زوجها، يُغالب ابتسامته قبل أن تنفجر وينخرطا معها في الضحك على هؤلاء البدو.

صحيح أنه رجل قروي فلاح وعاش البداوة وخبرها، لكن ما يحز في نفسه أن هؤلاء القوم لا يتقدمون بوصة واحدة نحو التحضر، ويُبقون عليهم بعض الملابس لأيام وربما لأسابيع، خصوصا في الفصل البارد، حيث تتصلب أطراف الجلاليب من كثرة ما التصق بها من تراب وفضلات بهائم وغيرها، وحين يُسأل بعضهم، تأتي الإجابة ساخرة:

  • وَا تَّا انْتَ آ الفَقيرْ، بَاشْ عايْشِين حْنَا غير بَزْبَلْ البـْﯖَرْ أو النعاجْ.

كان بالإمكان أن نلتمس لهم العذر فيما مضى من الدهر، حيث عاشوا منغلقين على أنفسهم، بالكاد يتواصلون مع الدَّواير المحاذية، لكن اليوم، وقد بدأت تلك الوجوه المشرقة من رجال بيض ونساء شقراوات تنتشر في المنطقة، بملابسهم النظيفة وروائحهم التي لا يمكن إلا أن تكون من حياض الجنة؛ ومع ذلك ظل هؤلاء البدو القرويون متشبثين بملابسهم المغبرة التي لا تعرف طريقها إلى الماء إلا في أيام محسوبة.

سلوك الرجال في القرى والبادية، نابع في معظمه من الانتماء إلى بيئة متصالحة مع الأرض والطبيعة، فلا مكانة للتشدد في النظافة والتطهر كلما لامسُوا رَوثا أو فضلات حيواناتهم، فهي لصيقة بهم، وهم لصيقون بها، علاوة على أنهم لا يملكون الوقت للنظافة، فبالكاد يجدون الوقت للنوم وأخذ قسط من الراحة، واليوم الوحيد الذي تلامس فيه أجساد الكثيرين منهم – من فلاحين ورعاة غنم ومربي أبقار – الماءَ والصابون هو يوم الخميس، الذي يصادف في بعض القرى يوم التسوق، فيستبقونه بيوم للاستحمام والاستعداد للذهاب إلى السوق، وفيه يتلقى المُتسوقون موجات من الغبار والأتربة، فتستمر دورة الحياة البدوية متصالحة مع ذاتها ومع التراب، وهذا السلوك ليس بريئا، ليس فقط لأنهم بدوٌ وتعتمد حياتهم بشكل كبير على الفلاحة وتربية البهائم، وبالتالي فهم معرضون للغبار والوسخ والأرواث وغيرها، وإن أرادوا النظافة فلن تسعفهم ساعات الليل والنهار، ليس هذا فقط، فالتعمق في هذه المسألة يوصلنا إلى فهم آخر لعدم الاكتراث بأرْوَاث البهائم وأبْوَالها، تعود إلى بعض النصوص التي وردت في الموروث الديني، “فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال:
صلوا فيها فإنها بركة.

ولم يأمر من يصلي فيها باجتناب بولها وروثها، مع أن الغالب أنه سيصيبه شيء من ذلك”، ولأن النبي العربي هو في الواقع شخص بدوي ابن بادية، فلا غرابة أن يأتي عددٌ من النصوص الدينية وفيا لهذا الانتماء، ففي جميع الأديان يصعب التفريق بين الأرضي والسماوي.

لم تكن الصلاة في قرانا وبوادينا على هذا القدر من الجدية والصرامة كما هو حاصل اليوم، بل كانت نوعا من الممارسة يُقبل عليها الإنسان متى شعر بأنه في حاجة إلى الصلاة، وقد يحدث ذلك في عمر متأخر، وربما لا يحدث على الإطلاق، فيغادر الكثيرون هذه الدنيا دون أن تطأ أقدامهم “مقصورَة” الصلاة.

لا يتحرج الكبار الذين يُدمنون لعب ضَامَا من اللعب والمرح أثناء قيام الآخرين بالصلاة، ولا يفصل بينهم إلا جدار المسجد، وأما أصوات الصياح والصراخ وبعض الكلمات النابية التي يتبادلها اللاعبون، فتعرف كيف تتسلل وتجد طريقها إلى الأسماع فتختلط مع الذكر وآيات القرآن.

فعلى جدار المسجد أُنشئ عدد من النوافذ الصغيرة، أو ما يُسمّيه بعض الناس بـ”التَّاقَّة”، بمحاذاة السقف، بهدف إضاءة المقصورة وتهويتها، ومنها تتسرب أصوات الخارجِ إلى داخلها، ويحدث أن تثير تلك الأصوات بلبلة بين المصلين، فيبادر أحدهم بالخروج وتنبيه اللاعبين إلى ضرورة خفض أصواتهم، ليعود إلى صلاته وكأن شيئا لم يقع.

ويحدث أيضا أن تثير نقاشات وكلمات اللاَّعبين موجات من الضحك بين المصلين، فيتمالكون أنفسهم ما استطاعوا، ومنهم من يغلب عليه الضحك فيغادر ليلتحق بهم. يحدث هذا مرارا وبشكل عفوي، دون أن يكون له أي أُثر على مكانة الشخص بين الجماعة. فلَعِبُ ضاما، ولعِبُ الورق الذي حل متأخرا على القرى، وجلسات “الكيف” هي فُسحٌ للترفيه والترويح عن النفس، والتخفيف من أثر التعب من العمل الشاق في الحقول والمزارع، وشظف العيش الذي يعم البلاد والعباد حينما تبخل السماء ولا تجود بالمطر، فتُحول كل الأشياء إلى اللون الترابي، حينها تصبح حياة المزارعين والقرويين والرعاة قطعة من العذاب، وليس هناك شيء يمكن أن يضفي معنى على الحياة إلَّا تلك الجلسات التي يقضيها الشباب في اللهو واللعب وتناول الكيف، ويقضيها الكبار والمعمرون في جلسات الذكر والصلاة وملازمة المساجد والزوايا.

فالدِّين هنا هو وسيلة لاستمداد الطاقة من الخالق الأعظم، الذي يوجد في مكان ما في السَّماء، أو هكذا هو المتعارف عليه بين مختلف المذاهب، وهذا ما يفسر رفع الأيدي إلى الأعلى وجمع الأكف أثناء الدعاء، وكأن الذي يدعو ينتظر أن “تسقط” عليه الاستجابة أو بعض الأشياء من السماء ليلتقطها بكفيه، ومن الناس من يهزهما ويرجهما باستمرار دلالة على إلحاحه على الخالق بأن يستجيب، وحين تمتلئُ الأكف بالإجابات، يتم مسحها على الجبهة والوجه، ومنهم من يمسح بها صدره. لا أحد لديه تفسير مُقنع لهذه الحركة، ربما تعني صَبَّ تلك الإجابات التي من المفترض أن تكون قد ملأت الأكفَّ، في الجسم أو الجمجمة، ربما مجرد احتمال، فليس هناك شيء عبث في هذه الدنيا، وبالأحرى أن تكون الشعائر عبثية!!

وأما النساء القرويات، قبل أن تسود أنماط التدين الشرقي الوافدة من أقصى الشرق وآسيا الوسطى، فلهن فنون وجنون في العبادة والصلاة، لوحدها تحتاج إلى كتاب خاص.

ولنأخذ الصلاة على سبيل المثال، فكبورة – إسوةً بكثيراتٍ من نساء القرية – لم تلمس جبينها الأرض حتى بلغت من العمر مبلغه، فالصلاة في اعتقادها هي حلقة الوصل بين الحياة والموت، وكلما كان الشخص سالما وسليما في بدنه، كلما كانت الصلاة “لُݣْمَة فُوݣْ شَبْعَة”، أي أنها مجرد إضافة لا تسمن ولا تغني، وكلما اقترب الإنسان من القبر، ازدادت حاجته لربط الاتصال مع الخالق والعالم الآخر؛ وليس هناك عمل أفضل من الصلاة للقيام بذلك.

حين تُقبل امرأة ما على الصلاة لأول مرة، تكون عرضة للتهكم والدعابة، حتى الأطفال، يترقبون وقت صلاتها، ويكمُنون في مكان قريب منها، ليشاهدوا أمَّهُمْ وهي تقوم بتلك الحركات كما يقوم بها الفَقِيرْ، وأول ما تبدأ بتلاوة بعض الآيات القصيرة التي لا تتعدى، في أحسن الحالات، “الحَمْدُ” و”قُلْ هُوَّ اللهْ”، ينفجر الأطفال بالضحك، في البداية يضعون أيديهم على أفواههم لكثم الضحك، قبل أن يطلقوا العنان لحناجرهم، فيهربون بعيدا، لأن التي تُصلي إذا تعرضت لهذا الموقف، فـ”الشْرَعْ عْطَاها الحَقْ” لتقطع صلاتها وتلحق بالأطفال لتؤدبهم، وربما تصرف النظر تلكَ اللحظة عن الصلاة حتى يصفى مزاجها، لأن:

  • هادْ البَلَواتْ مَا يْخَلُّو لِّي بَايَعْبَدْ ربِّي أُولَا عبدُو!!

حميد، حين يسمع أمه تخاطب الصغار بهذه العبارة، يسألها مازحا:

  • بْغِيتْ غِيرْ نَعْرَفْ انْتِ أمَّا، وَاشْ بَعْدا تْعَبْدي اللهْ أُولَّا عَبْدُو؟

لا يَكاد ينهي عبارته حتى يكون قد تأهب للابتعاد عنها، في تلك اللحظة تكون كبورة قد أمسكت بمِشْحاطْ أو أي شيء طالته يدها:

  • وا سِيرْ بَعَّدْ تَّا انتَ، راكْ تْقلبْ عليهمْ.

تقضي كبورة بعض الوقت على سجادة، هي في الواقع فروٌ أو قطعة جلد خروف تجلس عليها أثناء خضِّ الحليب في الشكوة، تسرحُ بعيدا، تمنى حميد في تلك اللحظة أن يكون شيطانا ليسترق منها السمع والبصر، فكثيرة هي الأسئلة التي تشاغبها في صمت عميق، لا يخفى ذلك على حميد حينما يراها وقد أطالت من قعودها على تلك “الهَيْضُورَة“:

  • يْعْلَمْ اللهْ فينْ سافرتي يا كبُّورة؟

يسمح حميدْ بمناداتها باسمها، وهي طريقة إن كانت للاستلطاف والتودد في جنوب البلاد، فإنها في بعض المناطق (منطقة الغرب بشمال المغرب) أكثر من ذلك، حيث يكَادُ يُعَدُّ عيبا مناداة الأب أو الأم – وخصوصا الأم – بعبارة النسب: أبي، أو الواليدْ أو ابَّا، ومَامَا أو امَّا أو الوَلِيدَة، إنما ينادي الأبناءُ على والديهم بأسمائهم، بذريعة أن مناداتِهم بالنسب تُشعرهم بِكِبَرهم، وبتقدمهم في العمر، وهذا فأل سيئ، لذا يُربَّى الأطفال على مناداة الأب والأم بالاسم، بينما يطلقون على الجدة والجد لقب أبي وأمي (طبعا بصيغتهما الدَّارجة).

بعض النساء – حتى في المناطق الأخرى – تتحاشى أن يُنادَى عليها بعبارة مثل “خالتي” أو “نَانَّا” أو “ادَّا” مثلا، ومنهن من تبدي غضبا مغلفا بالهزل حينما يناديها شخص ما بـ”خالتي”، وهي حالة تعكس طبيعة الإنسان غير المتصالح مع نفسه، أو مَن به بعض التَّكبُّرِ.

حدث هذا لحميد نفسه ذات مرة، حينما نادى على أحد جيرانهم بِخَالي مُحمَّادْ، فغضب الرجل ورد عليه بجفاء:
خالكْ؟ علاهْ أنا خُو امُّكْ؟

حاول حميد أن يلين الموقف، وأن العبارة لا تعني أكثر من إبداء نوع من الاحترام ليس إلا، لكن الرجل لم يبالِ بكلامه، وحمل عبارة “الخال” على محمل السخرية، وكان هذا الحادث بداية الجفاء بينهما.

كبورة، بعد أن قطع عليها الصغار صلاتها، وأخرجوها من حالة الخشوع التي كانت عليها، قامت، وسحبت “هَيْضُورتها”، والتفتت ناحية شجرة الليمون الحامض المُظللة، حيث اعتادت أن تَنْخُضَ (تخضَّ) الحليب، دنت منها، وأسندتْ ظهرها، وتحسست جلدها، ونهضت تلك الرغبة الغريبة في الهرش، فبدأت تحك ظهرها بجذع الشجرة، مستلذة اللحظة، وأغمضت عينيها لبعض الوقت دون أن تتوقف عن الحك، واستمرت لبعض الوقت على حالها، وسرحت بعيدا، وحينما رأت خيال الفقير محمد قادما من بين الأشجار، تذكرت تلك الأيام التي قضتها في أغْرُودْ، تملأُ سهريج الحقل بالماء لسقي الدَّاليات ومربعات الجزر والفجل واللفت البلدي الحار، سافرت على بساط الذكرى إلى طفولتها، تذكرت كل الشغب الذي عاشته بين أزقة الدُّوَّارْ، عادت من سفرها على وقع أقدام الفقيرْ، وقد اقترب منها دون أن تحس به، استفاقت من رحلتها:

  • اسْتَغْفِرْ اللهْ العَظِيمْ، المْرَا بْدَاتْ تَحْلَمْ فَالنْهَارْ أُو الشَّمْسْ تَحْرَݣْ.

من جمالية هذه اللغة (عربية سوس) أنها اكتسبت آلية خاصة لتحوير الأفعال والكلمات، لتتسق مع النسق الصوتي للهجة التي يتكلمون بها، ففعل “نْخُضْ” هو في الحقيقة كلمة مركبة من “أنا أخُضُّ”، بعدما تم إضغام حرف المد، ورأينا في مقامات أخرى كيف يرققون بعض الحروف ويفخمونها بحسب السِّياق الفونولوجي أو الصوتي للجملة؛ وهذه المرونة في تكييف الأصوات، تعتبر بالفعل ظاهرة تنم عن قدرة “نيولوجية” néologique كبيرة.

روائي من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً