الرئيسية / الأعداد / السينما والقيم والتغيير المجتمعي: مقاربة تربوية. الجزء النظري – بوعياد إمناشن

السينما والقيم والتغيير المجتمعي: مقاربة تربوية. الجزء النظري – بوعياد إمناشن

  السينما والقيم والتغيير المجتمعي. الجزء النظري: مقاربة تربوية

بوعياد إمناشن*

 

المحور الأول: المنطلقات المؤطرة للموضوع

يشكل الحديث عن السينما داخل السياق العربي والإسلامي موضوعًا معقدًا، لأن العلاقة بالصورة لم تكن دائمًا علاقة مستقرة أو بسيطة، بل ارتبطت بطبيعة الثقافة السائدة وبكيفية فهم وظيفة الفن والصورة داخل المجتمع. ولذلك فإن هذه المحاضرة لا تنطلق من موقف يقوم على الرفض المطلق للسينما أو الصورة، ولا من موقف يقوم على القبول غير المشروط بها، وإنما تعتمد مقاربة تربوية نقدية تحاول فهم الصورة وتحليلها وتوجيهها في خدمة القيم والوعي والإنسان.

1- المنطلق الأول: نحو بناء علاقة تكاملية بين ثقافة الكلمة وثقافة الصورة

لا تنطلق هذه المحاضرة من منطق المفاضلة بين ثقافة الكلمة وثقافة الصورة، بل من رؤية تعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء علاقة تكاملية بينهما. فالحضارة العربية الإسلامية عرفت تاريخياً هيمنة واضحة لثقافة البيان والكلمة، حيث شكلت نصوص الوحي والخطابة والشعر والدرس العلمي الوسائط الأساسية لنقل المعرفة وبناء الوعي الجماعي. غير أن هذه الغلبة لم تعنِ في الغالب إقصاء الصورة أو معاداتها، وإنما ارتبطت بطبيعة السياق الحضاري ووسائل التواصل المتاحة آنذاك.

أما اليوم، فقد أفضت الثورة الرقمية وتطور وسائل الإعلام والاتصال إلى صعود غير مسبوق للثقافة البصرية، وأصبحت الصورة المتحركة إحدى أهم وسائل التأثير والتواصل وصناعة المعنى، خاصة لدى الأجيال الجديدة. ومن ثم فإن الرهان الثقافي والتربوي لا يتمثل في استبدال الكلمة بالصورة أو العكس، وإنما في تحقيق التكامل بينهما. فالكلمة تمنح الصورة المعنى والعمق والتوجيه القيمي، بينما تمنح الصورة للكلمة قوة التأثير والانتشار والجاذبية. كما أن هذا التكامل يكتسي أهمية خاصة في مجالات التربية والإعلام والثقافة، وفي مواجهة الصور النمطية التي تنتجها بعض الخطابات الإعلامية والسينمائية حول المجتمعات العربية والإسلامية.

2- المنطلق الثاني: إنجاز البدائل الثقافية والتربوية مقدَّم على مقاومة الرذائل

تنطلق هذه المحاضرة من قناعة أن معالجة إشكالية السينما والقيم لا ينبغي أن تقوم على منطق الرفض والمنع وحده، بل على منطق البناء والإبداع وإنتاج البدائل. فالسينما، شأنها شأن سائر أشكال التعبير الثقافي، ليست كتلة واحدة متجانسة، بل فضاء متنوع يضم أعمالاً تجارية وأخرى فنية وتربوية ووثائقية. ومن ثم فإن اختزالها في بعض النماذج السلبية يؤدي إلى قراءة جزئية.

وتؤكد المقاربة المقاصدية أن بناء المصالح وإشاعة الخير يبقى الأصل، بينما يأتي دفع المفاسد لحماية ما تم بناؤه. لذلك فإن السؤال التربوي الأهم ليس كيف نمنع المحتويات غير المرغوب فيها، بل كيف ننتج ونوفر محتويات بديلة تمتلك الجودة الفنية والعمق الفكري والجاذبية القادرة على استقطاب الجمهور، خاصة فئة الشباب. كما أن مواجهة التأثيرات السلبية للصورة لا تتحقق بالتحذير منها فقط، وإنما بتكوين متلقٍ واعٍ يمتلك ثقافة بصرية وقدرة نقدية. فالتربية على الصورة أصبحت اليوم ضرورة، لأنها تمكن الأفراد من قراءة الخطاب البصري والتعامل معه بمسؤولية.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من نموذج المتلقي المستهلك إلى نموذج المواطن المبدع القادر على إنتاج المعنى والمشاركة في صناعة الثقافة البصرية. فالسينما لا تقتصر على الترفيه، بل تمثل أداة للتعبير والتربية وتنمية الخيال والحس النقدي. ولذلك فإن الاستثمار في السينما الجادة والتربية على الصورة يشكلان أحد أهم المداخل لبناء الوعي والقيم في مجتمع أصبحت فيه الصورة الوسيط الثقافي الأكثر تأثيراً.

3- المنطلق الثالث: من ثقافة الكلمة إلى ثقافة الصورة

شهدت الإنسانية عبر تاريخها تحولات متتالية في أنماط الإدراك والتواصل، انتقلت خلالها من الثقافة الشفوية إلى الثقافة الكتابية والطباعية، ثم إلى الثقافة السمعية البصرية التي دشنتها السينما والإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى البيئة الرقمية المعاصرة التي أصبحت فيها الصورة والشاشة الوسيط الرئيسي. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل أنماط التفكير والذاكرة والخيال والوعي الجماعي.

ويتجلى هذا التحول في المجتمع المغربي، حيث تشير المعطيات إلى انتشار واسع للإنترنت والهواتف الذكية، وهيمنة متزايدة للمحتوى البصري. فقد أصبحت الشاشة الرقمية الوسيط الأكثر حضوراً، وأضحى الفيديو القصير والمنصات الرقمية من أهم مصادر الترفيه والمعلومات والتنشئة الثقافية. وتكشف هذه المؤشرات أن المغرب يعيش انتقالاً متسارعاً من ثقافة النص إلى ثقافة الصورة. وفي هذا السياق تبرز السينما باعتبارها التعبير الأكثر اكتمالاً عن الثقافة البصرية الحديثة، لما تمتلكه من قدرة على الجمع بين الصورة والحركة والصوت والسرد. ومن ثم فإن فهم السينما لم يعد مجرد قضية فنية، بل أصبح مدخلاً لفهم التحولات الثقافية والقيمية.

المحور الثاني: الإطار المفاهيمي

قبل مناقشة علاقة السينما بالقيم، يقتضي المنهج العلمي تحديد موضوع الدراسة. فمصطلح “السينما” يُستعمل للدلالة على معانٍ متعددة؛ فقد يشير إلى القاعة، أو صناعة الأفلام، أو الفن السابع، أو الصورة المتحركة. غير أن المقاربة الأكاديمية تقتضي فهم السينما باعتبارها جزءًا من منظومة الصورة والخطاب البصري، فهي لغة ورؤية للعالم ونظام لإنتاج المعاني والتمثلات والقيم.

1- ما السينما؟

1-1- من الصورة الذهنية إلى الصورة المتحركة

لفهم السينما لا بد من العودة إلى تاريخ الصورة. فالصورة ليست مجرد منتج تقني حديث، بل هي إحدى البنى الأساسية للوعي الإنساني. فمنذ البدايات اعتمد الإنسان على الصور الذهنية، قبل أن يحولها إلى رسوم ونقوش. ومع تطور الحضارات أصبحت الصورة أداة لحفظ الذاكرة، إلى أن شهد القرن التاسع عشر ظهور الفوتوغرافيا التي مكنت من تثبيت الواقع. غير أن الصورة الفوتوغرافية ظلت أسيرة اللحظة الثابتة، مما دفع إلى البحث عن وسائل لتمثيل الحركة. وقد أفضت هذه الجهود إلى اكتشاف إمكانية إعادة تركيب الحركة، وهو ما مهد لظهور السينما مع الأخوين لوميير سنة 1895. فمنذ ذلك الحين انتقلت الصورة من الثبات إلى الحركة، ومن مجرد تسجيل الواقع إلى بناء عوالم بصرية وسردية.

2.1 – السينما: الفن السابع

لم تبقَ السينما مجرد اختراع تقني، بل تحولت إلى فن مستقل استطاع أن يحتل مكانة مركزية، واستحقت لقب الفن السابع لأنها نجحت في الجمع بين مختلف الفنون السابقة داخل لغة جديدة تقوم على الصورة والحركة والصوت والزمن. فالمخرج يختار ما يصوره وكيف يصوره، ويوظف التكوين والإضاءة والمونتاج لإنتاج المعنى. ولذلك فالفيلم ليس انعكاساً آلياً للواقع، بل قراءة فنية له. وتتميز السينما بكونها فن الزمن والحركة، كما توصف بأنها فن مركب لأنها تستوعب عناصر من الأدب والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية، ثم تعيد تركيبها داخل نسق إبداعي موحد بفضل عناصرها الخاصة: اللقطة، حركة الكاميرا، المونتاج، الإضاءة، الصوت. ومن هذا المنظور تمثل السينما أداة للإبداع وفهم الإنسان والمجتمع.

3.1- السينما صناعة

إلى جانب كونها فناً، أصبحت السينما واحدة من أهم الصناعات الثقافية في العالم. فهي تقوم على منظومة متكاملة تشمل التمويل والإنتاج والتوزيع والتسويق، وتحولت إلى قطاع استراتيجي يجمع بين البعد الاقتصادي والثقافي. وتُقدَّر قيمة سوق السينما عالمياً بأكثر من 110 مليارات دولار. وعلى المستوى الدولي، تتصدر هوليوود، بينما تمثل بوليوود الهندية أكبر مركز للإنتاج من حيث عدد الأفلام، كما برزت نوليوود النيجيرية. أما عربياً، فتحتفظ مصر بمكانتها الرائدة، بينما تشهد السعودية والإمارات نمواً. وفي المغرب، أصبح القطاع السينمائي رافعة اقتصادية بفضل تطور الإنتاج الوطني واستقطاب الإنتاجات الأجنبية، خاصة في ورزازات. وهكذا لم تعد السينما مجرد وسيلة للتعبير الفني، بل أصبحت صناعة استراتيجية تساهم في إنتاج الثروة وتعزيز القوة الناعمة.

4.1- السينما ذاكرة

لا تقتصر السينما على كونها فناً أو صناعة، بل تُعد أيضاً أحد أهم أوعية الذاكرة الإنسانية. فهي تحفظ الأحداث والأشخاص والتحولات الاجتماعية، وتحوّلها إلى أرشيف بصري. وتؤدي دوراً في حفظ الذاكرة الفردية والجماعية، كما تساهم في صون التراث المادي واللامادي. وفي السياق المغربي، شكلت السينما رصيداً بصرياً وثّق تحولات المجتمع المغربي وملامح هويته الثقافية، فأصبحت أداة لحماية الذاكرة الوطنية ونقلها إلى الأجيال.

2- القيم والتغيير المجتمعي

يشكل فهم العلاقة بين السينما والتغيير المجتمعي مدخلاً لدراسة القيم، باعتبارها المرجعية التي توجه سلوك الأفراد والجماعات. فالقيم ليست مجرد مبادئ أخلاقية مجردة، بل هي معايير تنظم الحياة الاجتماعية. وتكتسب القيم أهمية متزايدة في المجتمعات المعاصرة التي تشهد تحولات بفعل العولمة والثورة الرقمية. ومن ثم فإن التغيير المجتمعي لا يقتصر على التحولات الاقتصادية أو السياسية، بل يشمل أيضاً التحولات القيمية. وهنا تبرز السينما كفاعل ثقافي مؤثر يشارك في إنتاج القيم وتداولها.

1.2- مفهوم القيم

تُعد القيم مجموعة من المبادئ والمعايير التي توجه سلوك الأفراد والجماعات وتساعدهم على التمييز بين المرغوب فيه وغير المرغوب فيه. وتتميز القيم بكونها ذات طابع معياري واجتماعي، كما أنها دينامية تتطور بتطور المجتمعات. وتؤدي القيم وظائف أساسية: توجيه السلوك، تعزيز التماسك الاجتماعي، ترسيخ الهوية، وتشكل قوة دافعة للتنمية. أما التغيير المجتمعي فيشير إلى التحولات التي تطرأ على بنية المجتمع وقيمه عبر الزمن. ومن ثم فإن القيم والتغيير المجتمعي يرتبطان بعلاقة تأثير متبادل.

2.2- العلاقة بين القيم والتغيير المجتمعي

ترتبط القيم والتغيير المجتمعي بعلاقة تأثير متبادل؛ فالقيم توجه مسار التحولات الاجتماعية، بينما تؤدي التحولات الاقتصادية والثقافية إلى إعادة تشكيل المنظومة القيمية. وتتأثر عملية التغيير القيمي بعدة عوامل، من أبرزها الأسرة والمدرسة والدين، إضافة إلى وسائل الإعلام والصناعات الثقافية. وفي هذا السياق تبرز السينما بوصفها أحد أهم الفاعلين الثقافيين. فهي لا تكتفي بعكس الواقع، بل تساهم في بناء الصور الذهنية وتقديم نماذج للسلوك. وقد تؤدي دوراً محافظاً أو نقدياً وتجديدياً. ومن ثم أصبحت السينما قوة رمزية مؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي والمشاركة في ديناميات التغيير.

وخلاصة القول، فإن القيم تشكل البنية العميقة للمجتمع، بينما يمثل التغيير المجتمعي تعبيراً عن حركيته. وبينهما تتدخل السينما كفاعل ثقافي يساهم في إنتاج القيم وتداولها وإعادة بنائها.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً