“رحلة نجيب الجباري في أدَب العَدْوَتَين: بين التّشعُّب والتوثيق النّقدي” قراءة في كتاب ” المغرب والأندلس: فصول في النقد والأدب” 02025)

نادية الزقان*
أدبية متعددة، وموضوعات تتراوح بين النقد، التأريخ، والتحليل الجمالي.
يطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لهذا التنوع أن يُشكِّل قوّة معرفية أم أنه مُجرَّد تجميع عشوائي للمقالات؟
قد يلاحظ القارئ عند تصفح كتاب الدكتور نجيب الجباري – الذي جمع فيه مقالاته حول الأدب المغربي والأندلسي – تنوعًا واسعًا في الخطابات والموضوعات: من الأدب القديم إلى الحديث؛ الشعر الحديث؛ المسرح؛ السجالات الفكرية؛ والسرد النسائي؛ الكتابة النسبية؛ الشروح الأدبية… هذا التنوع قد يبدو في البداية مشتتًا للقارئ)ة(، إذ ينتقل بين فترات تاريخية مختلفة، بأشكال يُعدّ هذا الكتاب تجربة فكرية مميّزة، إذ جمع فيه المؤلف مجموعة من المقالات التي كتبها في أزمنة وسياقات مختلفة، ثم صاغها في كتاب واحد يُقدّم من خلاله رؤيته لمجموعة من القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية. يربِطُها ناظِم جغرافي واحد. وبين دفتيه، سيجِد القارئ)ة( تنوّعًا في المواضيع، وثراءً في الطّرح، وعمقًا في الفكرة.
يأتي كتاب “المغرب والأندلس: فصول في النقد الأدبي” )2025( ليشكّل تجربة فكرية وأدبية خاصة. فهو الإصدار الثاني للكاتب. سعى لأنْ يضمَّ مجموعة من المقالات التي تتوزع بين قراءات في كتب مغربية ومتابعات لأعمال عدد من الأدباء والمفكرين ينتمون لمجال قطري مُحدَّد: عَدوَتَيْ المغرب والأندلس.
اللافت في هذا العمل أن الباحث – على الرغم من عمق تحليلاته واتساع معارفه – ينفي عن نفسه صفة “الناقد”، ويقدّم نصوصه على أنها قراءات جادّة تُعبّر عن تفاعل القارئ مع النص، لا عن سلطة نقدية تقليدية. وهكذا، يمنحُنا الكتاب فرصة نادرة للاقتراب من الأدب المغربي من زاوية قارئٍ واعٍ، يُصغي للنص ويعيد اكتشافه بلغة رصينة ورؤية متبصّرة.
يتخذ الباحث في هذا الكتاب من المجال الجغرافي والثقافي بين المغرب والأندلس منطلقًا لرؤيته الفكرية والنقدية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الرّافد الأندلسي يشكّل مكوّنًا أصيلاً من مكونات الهوية المغربية. ليس فقط على المستوى التاريخي، بل أيضًا في أبعاده الثقافية والعلمية والأدبية. فالأندلس بالنسبة إليه ليست مجرد صفحة من الماضي، بل «الفردوس المفقود» الذي لا يزال أثره حاضرًا في وجدان المغاربة، وفي بنية ثقافتهم المتجذّرة في التلاقح الحضاري.
ينطلق المؤلِّف من عتبة أولى تُعيد طرح سؤال الكتابة في ذاته: ما الكتابة؟، وهو سؤال يضعه في صميم تفكيره النقدي، فيربط الكتابة بالمسؤولية الفكرية لا بالوفرة الشكلية. ثم يعمّق هذا الطرح من خلال عتبة ثانية تتناول موضوع التأليف والتدريس، حيث يثير جملة من الأسئلة الكبرى حول الكم الهائل من الإصدارات المعاصرة التي تبدو له كأنها سباق لطباعة الورق دون جوهر معرفي ناضج. ومن هذا المنطلق، يصرّ على أن الكتابة ليست فعلاً سطحيًا، بل رسالة تتطلّب تأملًا ووقتًا ونضجًا.
يعترف الباحث في عتبة الكتاب الثانية بأن شغفه بمهنة التدريس جعله يُوثِر الانغماس في العملية التعليمية على العزلة الكاملة للتأليف. وهو ما يفسّر تأخره في نشر عدد من مؤلفاته. غير أن هذا التأخر لا يُعدّ ضعفًا في الإنتاج، بقدر ما هو تعبير عن وعي معرفي يرى أن العمل الفكري الجاد لا يخضع لإيقاع السّرعة، بل يزدهر في مناخ التأمل والنضج. ومنها ما يغني اللبيب عبر ما يلي من فصول نقدية:
1
- الكتابة النسبية في المغرب: بين التاريخ والمساءلة الاجتماعية
عندما خصص الباحث الفصل الأول )في الأدب القديم(، قدّم قراءة معمّقة لمفهوم الكتابة النسبية في المغرب، مستندًا في تحليله إلى كتاب “الإشراف على مَن بفاس من مشاهير الأشراف” لمحمد الطالب بن الحاج السلمي المرادسي. حيث يظهر الكاتب كيف أن الكتابة النسبية تُعدّ جزءًا من الكتابة التاريخية، لأنها تقتحم مجالات معرفية متعددة لا تزال غامضة إلى حدّ كبير.
مبرزا مكانة الأشراف في النسيج الاجتماعي المغربي، وموضحًا امتيازاتهم التي كانت تحظى بالتقدير والاحترام من طرف كل الملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب. مثل الإعفاء من الضرائب والأعمال والوظائف التي كان يزاولها عامّة الناس. غير أن هذه المكانة المرموقة دفعت بعض الأفراد إلى التدليس والانتحال لصفة “شريف”، حتى كادت الرعية كلها تُصنّف ضمن الأشراف، كما يشير عبد الرحمن بن زيدان.
من هنا ظهر الاهتمام بـتحقيق الأنساب على مستوى المملكة، رغبة لتمييز الأصيل من الدخيل. وهو ما يعكس وعي الباحث العميق بالمسؤولية التاريخية للكتابة، ويؤكد مرة أخرى موقفه من الكتابة باعتبارها رسالة تستدعي الدقة والتمحيص، بعيدًا عن السطحية والتسرع.
- المسامرات الأدبية: قراءة في الأدب المغربي القديم
في مقالة أخرى ضمن نفس الفصل، يستكشف الباحث الأدب المغربي القديم من خلال قراءة مسامرة عبد الله القباج. مشيرا إلى أن الدراسات التي حاولت تتبع تاريخ الأدب المغربي وإبراز خصائصه ومقوماته كانت نادرة وضعيفة، لا تزال تتحسس طريقها متعثرة ومتأرجحة.
يُعرّف الجباري المسامرات الأدبية بأنها صالونات ثقافية يجتمع فيها نخبة من الأدباء والفقهاء والشعراء لتبادل وجهات النظر حول قضايا ثقافية وسياسية وفكرية، مثل مسامرة “تاريخ الشعر والشعراء بفاس” لأحمد النميشي ومسامرة “الكتابة والكتاب” لعبد الحميد الرندي.
وبين ثنايا المقال يستقي لنا الباحث آراء عبد الله القباج في الشعر. معتبرًا إياه مرتبطًا بالشعور المتفرد الذي يفضي إلى الإبداع. فالشاعر وفق القباج هو من يبكي بمراثيه، ويرفع بمدائحه، ويذهب بالنفوس بحكمه، ويطرب بإنشاده، ويقرب البعيد بوصفه. وقد جمع القباج كتيبه “المسامرة الأدبية” ونشره في جريدة السعادة عام 1923، فهو عمل قصير من 52 صفحة، لكنه غنِيٌّ بالمعرفة والروح الأدبية المغربية الأصيلة.
من خلال هذه المقالة، يُظهر الجباري – أيضا – حرصَه على إعادة الاعتبار للممارسات الثقافية القديمة، وربطها بسياقها الاجتماعي والفكري، مؤكدًا على أهمية قراءة الأدب المغربي القديم بعين نقدية واعية، لا مجرد توثيقٍ سطحي.
ج. الموالد النبوية في الأدب المغربي: الاحتفال بالإيمان والإبداع الشعري
في مقالة أخرى يعرض الجباري تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب، مؤرخًا له إلى أوائل القرن السابع الهجري في عهد الأمير ابن العباس العزفي بمدينة سبتة، التي كانت آنذاك تابعة للسلطان الموحدي. مُبيِّنا كيف أن هذا الاحتفال ارتبط منذ بداياته بنشوء المدائح النبوية والشعر الديني الذي أصبح يعرف بالمَولِدِيّات. وهي أشكال شعرية تتناول مراحل السيرة النبوية العطرة من النسب والولادة، إلى الوفاة والشمائل والمعجزات والمواقف والغزوات.
يشير الباحث إلى أن المغاربة اشتهروا بتأليف وقراءة الموالد النبوية في هذه المناسبة، مثل “الدّرّ المنظم في مولد النبيّ المعظّم” للعزفي السبتي و”هداية المحبين في ذكر مولد المرسلين في كل حين” لمحمد بن التهامي كنون. وقد اتسم هذا الشعر بـالصدق وغزارة العاطفة الدينية وحرارتها، مما يعكس التّعلق الشديد بالرسول صلى الله عليه وسلم وارتباط الثقافة المغربية بالموروث الروحي العميق.
من سمات الناقد الدقيق والهادف هو أن يُبرِز وظيفية الخطاب الذي يُحلِّله، لذلك فإن الجباري من خلال هذه المقالة كان يربط التأريخ للأدب الديني المغربي والإنتاج الشعري بالبعد الاجتماعي والثقافي. ذلك أن هذا النوع من الشعر المغربي ليس مجرد فن جمالي، بل وسيلة للتعبير عن الإيمان والموروث الروحي، الذي هو عنصر أساسي في فهم الهوية الأدبية والثقافية المغربية.
د. الشروح الشعرية والأدب الأندلسي: قراءة في التراث المغربي
في مقالة أخرى، يستعرض الباحث دراسة أحد أعلام الفكر المغربي “عبد الله المرابط الترغي” حول الشروح الأدبية في عهد الدولة العلوية، موضحًا أهمية هذا البحث الذي لم يسبقه إليه أحد. فالعلامة الترغي قام بمسح شامل لمعظم الشروح الأدبية المغربية، مستخدمًا المخطوطات والكتب المطبوعة. مع الحرص على الجانب التطبيقي عبر الاحتكاك بالنصوص مباشرة واستكشاف خباياها. يُظهر الجباري كيف أن هذا النوع من الدراسات ضروري لفهم تطور الأدب المغربي ومكوناته واتجاهاته، خاصة في فترة لم تحظَ بالبحث الكافي من قبل.
ينتقل بعد ذلك إلى دراسة شعر “محمد بن عمار الأندلسي”، مستعرضًا سيرة حياته: فهو ينتمي لأسرة من أصول متواضعة، ودراسته كانت على يد شيوخ العربية، لكن رحلته إلى قرطبة لتعزيز تعليمه، هي ما يبين كيف أن ابن عمار قد صعد في دولة بني عباد. حيث اقترب منه المعتمد وضمّه إلى حاشيته، ما أتاح له ترك أثره في الشعر الأندلسي. مشيرا إلى تنوع أغراض شعره بين المدح، الإخوانيات، والغزل، مما ضَمِنَ لشعره لأن يكون خالدًا ضمن المصادر الأندلسية.
وكعادة الباحث؛ نجد حرصه – من خلال هاتين المقالتين – على ربط القراءة النقدية بالتحقيق التراثي، مع إظهار أهمية دراسة النصوص الأدبية القديمة في ضوء السياق الاجتماعي والتاريخي، مُذكِّرا بأن فهم الشعر المغربي والأندلسي يحتاج إلى مزج الرؤية التحليلية مع الاقتراب المباشر من النصوص. وهي رؤيا من صميم المناهج العلمية الأكاديمية الفاعلة تطبيقيا.
انطلاقا مما سبق؛ يكون الفصل الأول من كتاب الدكتور نجيب الجباري، الموسوم بِ “في الأدب القديم” عبارة عن واحة من المقالات العلمية الوارفة بتنوع موضوعات خطاباتها التي تُدَلِّل على تنوع أبعاد الأدب المغربي القديم. وما يجمع بين هذه المقالات جميعها هو التركيز على النص الأدبي بوصفه ممارسة ثقافية متصلة بالهوية التاريخية والاجتماعية والدينية للمغرب. وحرص الجباري على إبراز العلاقة بين الكتابة والوعي الاجتماعي، بين الإبداع الأدبي والبعد التراثي.
ولعلَّ هذا ما يُظهِر الجباري كناقد متأمل، يتميز بقدرة على رصد السياق التاريخي والثقافي للنصوص، والاقتراب المباشر من المصادر والمخطوطات، مع التوازن بين التحليل الفني للنص واستيعاب أبعاده المعرفية والروحية. لأن الكتابة بالنسبة إليه ليست مجرد نقل للمعلومات، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب تأملًا ووعيًا بالرسالة التي يحملها النص. هنا يرسمُ لنفسه إيتوسا نقديا يُستَشهَد به على “البرّ والفضيلة والسّداد”[1] في التحليل والتأويل. فيفيدُنا في أن نستنبط عِدّة مقولات نقدية من هذه المقالات البحثية، أبرزها: أن النص الأدبي لا يُفهم إلا ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي، وأن التحقيق المباشر للنصوص هو أساس الفهم النقدي العميق، وأن الأدب المغربي القديم يشكل وحدة متكاملة بين الإبداع الفني والممارسة الثقافية والاجتماعية والدينية، وأخيرًا أن الشعر وسيلة للتأثير في النفوس ونقل القيم وليس مجرد فن جمالي.
بهذا، يقدم الفصل الأول أُنموذجًا متكاملًا للقراءة النقدية لدى الباحث، تلك التي تجمع بين التحقيق التراثي والتحليل النقدي والرؤية التاريخية والاجتماعية، ما يجعل هذا الفصل مدخلاً أساسيًا لفهم الهوية الأدبية المغربية وجذورها الثقافية والفكرية، ويبرهن على مكانة الجباري كناقد واعٍ وموهوب، قادر على الجمع بين العمق الفكري والدقة العلمية في آن واحد.
2
هـ. الحداثة الشعرية في المغرب العربي: قراءة نقدية لتحولات النص والإيقاع
يستهل نجيب الجباري الفصل الثاني من كتابه “المغرب والأندلس: فصول في النقد الأدبي” بالانفتاح على حقل )الأدب الحديث(، من خلال مقاربة نقدية لكتاب “الشعر الحديث في المغرب العربي” للباحث يوسف ناوري. إذْ يشكّل هذا الاختيار دلالة على وعي الجباري بأهمية الانتقال من استكشاف الجذور التراثية في الفصل الأول إلى مساءلة التحولات الشعرية الحديثة. حيث وقف، عبر عرضه وتحليله، عند المنطلقات النظرية التي اعتمدها ناوري في توطئته، والتي سعت إلى تأطير الخطاب النقدي وتوجيهه نحو ما سمّاه “النقد الجامعي”. أي القراءة المنهجية التي تتخذ من النصوص الشعرية مجالًا للبحث والتحليل لا للانطباع والتذوق فقط.
تُبرِز هذه القراءة إدراك الباحث لخصوصية الشعر المغاربي الحديث، الذي يظل – كما يشير – مجالًا عصيًا على التناول النقدي الشامل، لما يكتنفه من تشعّب وتنوّع وتباين في المرجعيات والأساليب. فالقصيدة المغاربية ما تزال – في تقديره – في حكم المجهول مقارنة بنظيرتها المشرقية، مما يجعل أيَّ محاولة لتفكيك بنياتها وتحولات خطابها مغامرة نقدية حقيقية.
لقد تابع الجباري عن كثَب مقاربة ناوري لنماذج شعرية من أقطار المغرب العربي: قصيدة «يا نفس» لمحمد العبد آل خليفة (الجزائر)، «رضينا بحتف النفوس» لأحمد الشارف (ليبيا)، نصوص أبي القاسم الشابي ومنصف الوهايبي (تونس)، وأحمد المجاطي ومحمد بنيس (المغرب). وهي نصوص شكّلت مرجعًا لقراءة التحولات الإيقاعية واللغوية والفنية في القصيدة المغاربية الحديثة، وكيف استطاعت هذه القصيدة أن تتحرّر نسبيًا من قيود الشكل الكلاسيكي لتعبّر عن هواجس العصر وتحوُّلاته.
هذا المقال يكشفُ عن وجه آخر من ملامح الجباري كناقد، فهو لا يكتفي بعرض الأفكار، بل يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الحداثة الشعرية المغاربية: هل هناك شعر مغاربي حديث متكامل المعالم؟ ما حدود تميزه عن التجارب المشرقية؟ وما ملامح خصوصيته الفنية والدلالية؟ أسئلة تتقاطع مع ما طرحه شعراء ونقاد مغاربة من قبل، مثل قول محمد بنيس بأن ” الشعرُ شهادّة. هذا ما استيقظ عليه الشعرُ المغربيّ الحديث، منذ العشرينيات حتى السبعينيات”[2] ؛ لتتلاقى بالتالي رؤية الجباري مع مقولات نقدية معاصرة في إبراز خصوصية التجربة الشعرية المغاربية.
و. المسرح الاحتفالي العربي: قراءة في توظيف التراث وإعادة إنتاج الزمن
ضمن الفصل الثاني، يعرض الدكتور نجيب الجباري دراسة حول توظيف التراث في المسرح العربي من خلال قراءة مسرحية رضوان احدادو “المتنبي يخطئ زمنه”. مبرزا اقتراحه لمصطلح “احتفال مسرحي” بدل العرض المسرحي التقليدي، إعلاءً للطابع الفُرجَوي والتفاعلي الذي يتيح للممثل والجمهور التواصل بعفوية وتلقائية، بما يخدم الهدف الأساسي للمسرح في تقديم رؤية نقدية تسعى لتغيير الواقع الاجتماعي والثقافي.
يوضح الجباري أن المسرحية تمثل نموذجًا للمسرح الاحتفالي، حيث تتداخل الأزمنة بين الماضي مُمَثلاً في المتنبي، والحاضر الذي يجد فيه نفسَه في زمن غير زمنه. ويشير إلى أن الرّكح يتحول في هذا السياق إلى فضاء عام يشبه الـAgora، حيث تتصارع الثقافات والعوائد، ويصبح المتنبي رمزًا للتاريخ والتراث، مومياءً محنطة تتحتم عليه إثبات هويته وصدقه كي ينجح في الاندماج داخل هذا الفضاء.
عبر طيات المقالة؛ ندرك بأن المسرحية لا تكتفي بإعادة تقديم التراث الأدبي، بل تعمل على خلق تجربة درامية استثنائية تجمع بين الدهشة والصدمة والمفارقة، ما يعكس النظرية الاحتفالية للمسرح كبديل نقدي وفني للمسرح التقليدي المغربي. رؤيةٌ نقدية واعية في استجلاء ارتباط المسرح بالتراث وبالواقع الاجتماعي. وقدرةٌ على رصد الابتكار الفني والنقدي الذي يسعى النص لإبرازه، لأن المسرح الاحتفالي ليس مجرد شكل مسرحي، بل ممارسة نقدية وثقافية تستثمر التراث لإعادة التفكير في الحاضر بخطاب احتفالي.
ز. السجالات النقدية في الثقافة العربية: قراءة في التجارب المغربية
في هذا الجزء من الفصل الثاني، يتناول الدكتور نجيب الجباري ظاهرة السجالات النقدية في الثقافة العربية، مستعرضًا خصوصًا تجربة عباس الجراري كنموذج. ويبرز الجباري أن هذه المواجهات بين أعلام الفكر والأدب، مثل محمد برادة، أحمد المجاطي، حسن الطريبق، عبد الله كنون، عبد الكريم غلاب، الطاهر بنجلون، بنسالم حميش، ومحمد بنيس، تشكّل مرآة للتحولات الفكرية والاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، وتكشف عن العمق التحليلي والنقدي لأطراف هذه السجالات.
يشير الباحث إلى أن أبرز المواجهات هي تلك التي دارت بين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي حول التاريخانية، وكذلك المناقشات بين حسن الطريبق وإبراهيم الخطيب حول التعاونية النقدية الاشتراكية، بالإضافة إلى سجالات أدبية حول النص الشعري، كما بين نجيب العوفي ومحمد بنيس حول مأزق النص الشعري. مؤكدا بأن هذه السجالات ليست مجرد جدالات لفظية، بل فضاءات للنقد المتأمل والدرس العميق، تكشف عن اختلاف الرؤى واستيعاب التحولات الفكرية والأدبية في المغرب العربي.
قراءة تَشي بدينامية الفكر الأدبي والثقافي، مع قدرة الجباري على تحليل النقاشات النقدية الكبرى عند ربطها بالتحولات المجتمعية، بغية استنطاق الدروس النقدية المستخلصة من هذه السجالات، باعتبارها أدوات ضرورية لفهم التطورات الأدبية والفكرية، وليس مجرد تاريخ للأسماء والنقاشات.
ح. عبد الكريم غلاب: السرد والنقد بين الإبداع والتأمل الفكري
في مقاله حول عبد الكريم غلاب، يقدم لنا الباحث قراءة شاملة لمسار كاتب مغربي، يُعتبر من رواد كتابة السرد في المغرب، بدءًا من مجموعاته القصصية في مثل “مات قرير العين” (1965)، وروايته “دفنا الماضي” (1966)، وصولًا إلى رواية “المعلم علي” (1971) وما تلاها من أعمال ناجحة. مبرزا قدرة غلاب على الجمع بين الإبداع السردي؛ البحث الثقافي؛ الانفتاح الصحفي؛ والممارسة النقدية. وموضحًا أن اهتماماته لم تقتصر على الكتابة القصصية والرواية، بل امتدت إلى ميادين التاريخ؛ اللغة؛ الفكر؛ والقضايا الاجتماعية والسياسية. مستشهدا في هذا الصدد بمقولة غلاب في إحدى حواراته الموثقة: “كنت أتمنى للنقد بالمغرب أن يكون أحسن مما كان. ألا يتسلح بالتوجه السياسي وهو في طبيعته متغير وعابر. إن تقويم العمل الأدبي انطلاقا من حكم مسبق ودون قراءته سلوك لا ينتمي إلى الثقافة ولا إلى الفكر أو الأدب”[3]. ومن خلال هذا الموقف النقدي، يظهر غلاب كناقد واعٍ، يُعلِن أن النقد الحقيقي لا يكون إلا من خلال قراءة النص وتحليله وفق مقولاته العقلية والنفسية والفلسفية واللغوية والأسلوبية والبيانية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الانحيازات السياسية.
يشير الجباري إلى أن كتاب غلاب يمثل رحلة فكرية وحركة نقدية شاملة، مقسّمًا بين قسم نظري يناقش ماهية الأدب ووظيفته، وقسم تطبيقي عنونه بـ”في صحبة الشعراء والكتاب”، جاعلا من النقد فنًّا على فن، وعلما يَدرُس العمل الأدبي من جميع أبعاده. إنه ربط للنصوص الأدبية بسياقها الثقافي وبعدها الفكري. وبتسليط الضوء على غلاب، يستدعي الجباري مرجعا أساسيا لفهم مسير النقد الأدبي المغربي الحديث.
ط. جمالية السرد النسائي المغربي: صوت المرأة بين الصمت والتفجُّر الإبداعي
في مقالة أختم بها قراءتي للفصل الثاني، يتناول الدكتور نجيب الجباري موضوع جمالية السرد النسائي المغربي منطلقًا من أسئلة محورية حول وجود أدب نسائي بصفة عامة والسرد النسائي بصفة خاصة، وإمكانية بلورة تصور شامل للتعامل معه كرؤية مغايرة على مستوى الشكل والمضمون. بُغيةَ الوقوف على خصوصية هذا الإبداع مقارنة بالإبداع الذكوري يَصطلِحُ عليه ب”الرجالي”. مؤكدا أن مقاربته تهدف إلى إسماع صوت المرأة الفنانة المبدعة وتأريخ سيرتها الفنية، مع إبراز دورها في فتح آفاق جديدة للإبداع الأدبي المغربي.
يبدأ الباحث بالإشكالية الكلاسيكية المرتبطة بـاصطلاح الكتابة النسائية والأدب النسائي، مع عرض الأصوات المعارضة لهذا التصنيف، مثل خناثة بنونة، زهرة جلاصي، ورشيدة بنمسعود…، بِما يوضح نفور بعض المبدعات منه على حساب هويتهن الفنية. كما يمثل لهذا الموقف الرافض كذلك عند بعض الرجال، في مثل الناقد اليمني عبد العزيز المقالح، عاكساً الجدل الفكري والاجتماعي المحيط بالتصنيف نفسه.
يتتبع الجباري نشأة السرد النسائي المغربي عند رائدته خناثة بنونة بصيحتها المشهودة “ليسقط الصمت” (1967). وهو نص يكسر حاجز الصمت الذي كان يلفُّ المرأة المغربية في الستينات، ويجعل البطلة ناطقة باسم القيم المطلقة والمتعالية، مغايرة لما هو عادي ومألوف.
ضمن تحليل جمالية السرد النسائي؛ يُبرِز الجباري أعمال مليكة مستظرف، التي منحت انطباعا مغايرا عن الكتابة النمطية السائدة. من خلال ممارستها للعبة الفضح وكشف المظالم والاضطهاد الاجتماعي والسياسي، متجاوزة ثنائية الرجل والمرأة لتتوسع في تناول الفئات المهمشة والمضطهدة. تقول مستظرف في مقطعٍ صارخٍ من نصّها: “لست جبانة، سأصرخ وسأكسر هذا الصمت، وسأتقيأ كل ما ظل مختزنا في جوفي طوال هذه السنين”[4]، وهو ما يُجَلّي قوة التعبير وصدق الألم الإنساني في هذه الكتابة.
عندما يذكرُ الجباري أعمال ربيعة الريحاني، يعتبِر كتاباتها امتدادًا واستمرارية للسرد النسائي المغربي، لأنها تُحمِّل نصوصَها وتُضمِّنُها خصوصية المرأة. من خلال المناخ الشعوري الحميمي واشتغال الحواس، وقدرتها على التقاط أدق تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية عبر مشاهد حية ودالة، سواء على مستوى الطبقات الدنيا أو العليا. مع نقد وسخرية لبعض المظاهر الاجتماعية. ولعلَّه من خلال هذا العرض لبعض مُمَثِّلات السرد المغربي، قد حاول جادًّا تَجليةَ الخصوصيةِ الإبداعية، والصوت الفرديّ للمرأة المبدعة، وتمثيلِيَتِه لرؤية متفرِّدة تُثري الأدب المغربي، وتوسِّع آفاق النقد الأدبي والفكري.
من منظور تخصصي بالبحث في الأدب الذي تكتبه النساء، يُمكِن التعقيب على مقاربة الدكتور نجيب الجباري بشأن السرد النسائي المغربي بأنها – على الرغم من قيمتها التوثيقية والتنظيمية – فإنها تَحُدّ من شموليتِه الأدبية، باعتبار أن الأدب النسائي لا يقتصر على السّرد وحده، بل يشمَل أيضًا النقد، التأملات الفكرية، والمساهمات الإبداعية الأخرى.
لم يعد من المجدي – اليوم – طرح السؤال التقليدي عن إمكانية وجود أدب نسائي في مقابل آخر ذكوري. ذلك أن التساؤل عن وجودِه يمكن اعتبارُه خطابا استعلائيا أمام ما قدمَته وما تُواصل المرأة تقديمَه من إسهامات فكرية وإبداعية ونقدية متطوِّرة، تُضَمِّنُها جمالياتها الخاصة وسماتها المميزة.
كما أن الكاتبات المعاصرات؛ لم يعد التصنيف “أدب نسائي” يشكل عندَهُنّ أي مانع، بل يفتخرن بنوع كتاباتِهن التي تتسم بالنبرة والسمات الأنثوية المُختلفة. هذا الاختلاف الذي يحقق تكاملًا مع الأدب الذكوري داخل دائرة الأدب الإنساني الشامل لكِلا الحِبرَيْن. بما يمثل من مساهمة نقدية وإبداعية واعية وواضحة.
من هذا المنطلق، فإن جهود الجباري في إبراز الريادة، بدءًا من خناثة بنونة ومرورًا بمليكة مستظرف وصولًا إلى ربيعة الريحاني، قد رسمَت منحًى تاريخيًا مهمًا لمسير السرد النسائي المغربي، لكنها كانت ستكون أكثر ثراءً إذا خَصَّها بمقاربة نقدية أعمق لنصوصِهن، لأني على يقين من أنها كانت ستساعِدُه على الوقوف بنفسه على الخصوصية الإبداعية النسائية بشكل ملموس، بدل الاقتصار على القراءة الإلمامية لأسماء الكاتبات المغربيات وعناوين كتبهن. وفي هذا السياق لا بأس من الاستشهاد بمقولة نقدية أفرزتها هدى الصدة – وهي إحدى رائدات عصر النهضة العربية – تقول ” ينبغي الاحتراس من الحديث عن كل النساء على أساس أنهن يمثلن المرأة العربية الحقيقية، لأن هناك اختلافات ملحوظة بين النساء، لذا وجب التعامل مع كل تجربة على حدة”[5]. نفهم من هذا أن التجليات السردية بصيغة المؤنث في المدونة المغربية هو ما سيمَكِّن الناقد من الإمساك برهانات إنتاج الهوية الأنثوية أوَّلا، والهوية المغربية الخاصّة ثانيا. مادام قد صرح منذ العنوان برهان اقتحامه “جماليات السرد النسائي المغربي”.
في النهاية، لا يسعنا إلا أن نعتبر كتاب الدكتور نجيب الجباري، بكل فصوله – ولو أني اقتصرتُ على تقديم فصلَيْه الأول والثاني – مرجعًا قيمًا لفهم التحولات الأدبية والفكرية في المغرب والأندلس، لأنه يجمع بين التوثيق التاريخي والحس النقدي للنصوص والخطابات المتنوعة، مع تركيزه على مختلف مجالات الأدب المغربي من القديم إلى الحديث، مرورًا بأدب الرحلة، التصوف، الاستعراب، الشعر، المسرح، والسرد النسائي.
من خلال التحليل والتعقيب على محتوى الكتاب، يتبين أن تنوع المقالات وإثرائها لموضوعات الأدب المغربي ليس عاملا مُشتِّتًا، بل يمثل ميزة كبيرة. فالقارئ)ة( يجد أمامه خطابًا أدبيًا متكاملًا يعكس التحولات الفكرية والجمالية والاجتماعية للأدب المغربي عبر العصور، مع القدرة على الربط بين القديم والحديث؛ بين التراث والحداثة؛ وبين السرد والنقد. هذا التشعب الموضوعي لا يُضعِف الكتاب بل يمنحه قيمة معرفية كبيرة، إذ يمكن اعتبار كل مقال خطوة نحو بناء شبكة معرفية متكاملة تعكس تفاعل الأدب المغربي مع السياقات الفكرية والاجتماعية المتعددة.
من هنا، يصبح الكِتاب وثيقة نقدية جامِعة، غاص فيها الباحث بين خلجان العَدْوتَيْن يبحث عن الخطابات الأدبية المغربية-الأندلسية في تَعدُّدها واتصالها التاريخي والثقافي. ليقدمها لنا كرحلة بحثية مرجعية ثرية. تؤكد أهميته كناقد أكاديمي، قادر على الجمع بين التحليل النقدي الدقيق والتوثيق التاريخي الموثوق. حافظا لما يقدمه الأدب المغربي من ثراء وتنوع. بمسؤولية وأمانة فكرية قلما نجدها في المحاورات النقدية اليوم.
المراجع المعتمدة
د. نجيب الجباري، المغرب والأندلس: فصول في النقد والأدب، سيليكي أخوين، طنجة، الطبعة الأولى يناير 2025.
- د. محمد مشبال، في بلاغة الحجاج: نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، دار كنوز المعرفة، الطبعة الأولى 2018.
- محمد بنيس، بيان الكتابة، مجلة الثقافة الجديدة – المغربية، العدد 19، 1 يناير 1981.
- حوار مع عبد الكريم غلاب، مجلة آفاق، العدد 2، اتحاد كتاب المغرب بالرباط 1991.
- مليكة مستظرف، جراح الروح والجسد، منشورات الربيع العربي، القاهرة، طبعة 2021.
- هدى الصدة، المرأة العربية في مواجهة العصر، دار المرأة العربية للنشر نور، الطبعة الأولى 1996.
طالبة باحثة بسلك الدكتوراه
كلية الآداب والعلوم الإنسانية مرتيل – تطوان- المغرب
الإحالات
[1] للإيتوس الحجاجي عند أرسطو ثلاثة مظاهر تمنح الثقة في الخطيب، وهي البر والفضيلة والسداد أو اللب. مما يجعل كلامه مقنعا ومؤثرا في المتلقي/القارئ. راجع:
د. محمد مشبال، في بلاغة الحجاج: نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، دار كنوز المعرفة، الطبعة الأولى 2018، ص.184
[2] محمد بنيس، بيان الكتابة، مجلة الثقافة الجديدة – المغربية، العدد 19، 1 يناير 1981، ص. 35
[3] حوار مع عبد الكريم غلاب، مجلة آفاق، العدد 2، 1991، اتحاد كتاب المغرب بالرباط، ص.158
[4] مليكة مستظرف، جراح الروح والجسد، منشورات الربيع العربي، القاهرة، طبعة 2021، ص. 48
[5] هدى الصدة، المرأة العربية في مواجهة العصر، دار المرأة العربية للنشر نور، الطبعة الأولى 1996، ص.202
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي