درس الفيزياء والشعر والحياة

حسن إمامي*
ستكون الاستعانة والاستفادة من درس الفيزياء ودرس الشعر. قد يبدو الجمع بين الحقلين غريبا ومتباعدا، تباعد اليقين عن الظن، لكن هذا الظن بداَ أنه الموصل إلى اليقين. كذا إن هذا اليقين موصل إلى حافة الظن. وما الجمع بينهما سوى جدلية تُنتج الجديد، وتدفع بحركة العقل والوعي إلى مزيد من الفهم والتحليل للظواهر وتفسيرها.
في درس الفيزياء، مقاربة لحركة الكون بين التمدد والتقلص. يحاول العلماء من خلالها تفسير هذه السيرورة العجيبة، ومواكبة ركبها، شادِّين ببعض حبالها حتى لا يغرقوا في جهل مطبق يؤدي بهم إلى انكماش عقلي لا يواكب المتغيرات، ولا يعرف كيف يتفاعل مع مستجداتها، فبالأحرى التنبؤ بالمستقبل وبالمحتمل في الآت. وكيفما كان الحال إذاً، فالتمدد تفتت وتجزؤ، وولادات متجددة في الذرات والخلايا، واستكناه من خفايا الكون لبعث عناصر حياة واستمرارها.
في درس الشعر، والذي تخلّص من قيد الوزن والبحر، لكي يخرج عن وظيفة دورانية متكررة، لينفتح على آلة متجددة، تم توليد المعاني والحقائق من ثنيات مطوية مركزة، وتم الحفر والنقش بأدوات الحروف في مجهول الوعي وآفاق الاستفهام الذي يصنع علامات تحليقه خارج سياق الزمان والمكان، وخارج قفص الثقافة ومقص الرقابة. استلهم منهاجه من كل العلوم والآداب، وكل ادوات النقد وحفريات المعرفة. فكان المعول المعين للأدباء والفلاسفة والمتصوفة الكبار لبسط معارف جديدة، وخرج عن ثوابت عقيمة فضح تقادمها وفرض تجاوزها التاريخي… هكذا فكك الشعر قيود الحواس والمادة، وأعاد النظر في عناصر الهيولى الآولى والأساسية، حيث وضع موقع قدم فيها، فأعاد تشكيل العالم والزمن والوجود برؤية جمالية وعلمية وفنية محرِّرَة للذات وللموضوع في آن من أغلال الجمود والتجاوز والتسليم الأعمى الجاهل.
سنتحول من الثنائية الفلسفية بين الذات والموضوع إلى معادلة مركبة تتضمن الذات والموضوع والسياق الزمني ودرجة الوعي المرافق. وهي عناصر تؤمن بالانفتاح على أخرى وتغيُّر معادلات تركيبها كل حين.
سنتحدث عن الإطار الذي يمكن أن يجمع هذا الكل داخل منظومات محتوية ومواكبة لتطوراته. وفي الحقل المجتمعي والتاريخي، سنتكلم عن الثقافة والحضارة كحاضنتين لمنطق التطور والتقدم الإيجابيين.
منطلق هذه المقاربة هو هذا المد الجديد من عمليات الانتحار والانفجار والقتل وقطع الرؤوس. هذا التنافس المتقوي للصراعات الدموية التي لا تراعي أدنى درجات الإنسانية أو التحضر. الرغبة في الدمار المتبادل، إشفاء لغليل، وما هذا سوى نار متقدة في النفوس.
لقد أصبح كافيا اليوم أن تصبغ الفعل السياسي بلون إيديولوجيا متماسكة تقودك إلى الاستشهاد من أجل الدخول إلى الجنة. أصبح مبدأ يتسارع له الشباب في مقتبل العمر بحثا عن خلاص دنيوي من أجل الخلود الأخروي، عن تعويض من أشكال حرمان أو عقد ضمير أو نقص.
وإذا كانت أزمة الذات من أزمة مجتمعه وظروفه ودرجة وعيه وتماسكه، فإن الشعور باليأس من وجود بدائل حضارية وثقافية قد التفّ بالعقول وحنق النفوس وهيّأ الحركة لكي تصبح إشراطية وانعكاسية أحاطت بها إيدولوجيات الدمار مثل شبكات عنكبوتية تقودها إلى نقطة النهاية بابتلاع واِمِّحاء.
هكذا يساق هذا الإنسان المنهار إلى الرغبة في الخلاص، ويرى في الحياة لحظة دمار، حيث لا يعيشها ولا يحافظ على سيرورتها الصحية والسوية. وهي هنا حياة مجتمعية تتطلب الإيمان بمبدإ التمدد الذي يجعل البناء الحضاري مشروعا يكون فيه الأفراد لبنات تتفانى في مهمتها وتعمل وتبتكر وتستكشف كل خلية وكل ذرة جديدتين، فتوظفهما وتطوع الطاقة من أجل حسن سير المركب الحضاري والشامل بهما.
إن القصيدة اليوم تفكك المطوي بين الثنايا لكي تفجر عناصر حياة جمالية مشرقة وتبسط حقائق وجودية في الوجدان كما في المجال.
وإن العلم اليوم يشق ويخترق سديم الآفاق ليفتح أبواب حياة جديدة ومعارف متطورة.
لكن الفرد الذي يطوي المفروش للاكتشاف والعيش، ويدعو للتسليم بالفناء بحثا عن الخلود الموعود، يجهض حلم الحياة لأجيال الغد، والابتسامة لطفل ينتظر زغرودة عصافير في حديقة الحياة وربيع مدينتها.
هذا الفرد عنصر مدمر للحياة ولحق الناس فيها. يرمز اليوم إلى انحدار حضاري ونزيف ثقافي يعلن الموت للإنسان. ذلك أن البغضاء نار على الهشيم. ولا سفينة نجاة فوق لهيب الاحتراق.
هذا الفرد ألعوبة بين أنامل حكواتِيِي العالم الذين يتاجرون بالسياسة والمال والسلاح من أجل تضخيم ثرواتهم ومن أجل بيع منتوجهم في الدمار. هذا الفرد مصيدة للاحتقان الذي زرعه مجرمو العالم وتقاسموا كعكته المخلوطة بدسم الدم. ويكفي أن نعطي مثالا بكون المجموعات المسلحة والمرتزقة عبر العالم، صنعتها الأنظمة لكي تقود بها حروبها غير النظامية، وعملياتها الاستخباراتية في التصفية والجريمة غير الرسمية.
يكفي أن ينظر من يدخل إلى العراق او سوريا، وبعدها الله يعلم إلى أين سيقودون الشباب، كيف تم تيسير العملية وتجنيدهم وتوجيههم للقتال باسم قضية يقتل فيها الأطفال والنساء والشيوخ والحيوان، ويهدم فيها العمران، ويتلف فيها الشجر والنبات وكل عناصر الحياة. في حين ان قيم عقيدته تدعوه للحفاظ على كل هذا والدفاع عنه من أجل الحياة.
الاختلاف واقع، وافتراق الطرق حاصل داخل الأسرة الواحدة، فكيف لا يكون داخل المجتمع الواحد وداخل المجتمعات الإنسانية. فلنقم بتدبيره بما يخدم السلام والتسامح والمحبة بين الجميع. نعم لمحاربة الظلم، ولكن، لا لتصريفه بظلم آخر. على عقولنا أن تدرك بحدسها خطأ المسير والمسار لكي ترجع إلى طريق الحياة وابتسامة أطفالها ولعبهم في حدائقها.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي