
قراءة في قصيدة (عيطة مفكوعة) للزجال شعيب البطار
محمد داني*
ما يلاحظ على نص ( عيطة مفڭوعة) للزجال المغربي الأستاذ شعيب البطار ، التجريبية التي مورست عليه. حيث رغم قصره حاول الزجال شعيب العطار أن يحقق فيه أشياء كثيرة من أهمها: اللغة الزجلية الغزلية، والنسج المتماسك، والصورة الشاعرية، والإيقاع العذب السلس، من خلال موسيقى قبانية، وتصوير رومانسي حالم رقراق… ومن ثمة مارس البطار حق التجديد والتجريب، والمغامرة الكتابية، دون الالتفات إلى جدية الموضوع وحمولته، وإشاراته، ونوعية خطابه.
إن الأديب شعيب البطار لا يكتب من فراغ. بل قد راكم تجربة إبداعية تؤهله لأن يكون زجالا عاشقا، محبا، والها، من زجالي الكلمة الحالمة، والنغمة الدافقة الغنائية. الشيء الذي جعل كتابته الزجلية، كتابة تجريبية تخرق النمطية، وتتجاوز حدود الشكل.
إن سي شعيب البطار في هذا العمل- شخصيا- أجده ملتزما بحدود الكتابة. مؤمنا وواعيا بهذا الالتزام، كما يبلوره جان بول سارتر:” فالالتزام عند جان بول سارتر التزام حر ، يتحمل فيه الكاتب مسؤوليته الشخصية، وتبعات عمله الفكري والإبداعي. كما أن القارئ يتمتع بكامل حريته في فصل قراءته من دون وصاية أو حجر)[1]و بالتالي نجد أنفسنا ونحن في غمار قصيدة الزجال شعيب البطار ملزمين بطرح مجموعة من الأسئلة الإشكالية للوصول إلى فهم مغالق القصيدة، وقصدية الزجال
– ماذا نروم من هذه القصيدة الزجلية وقراءتها؟
– هل نريد أن نقف إلى فنية الزجال وما يهدف إليه؟ أم أننا نريد الوصول إلى ماذا تقوله القصيدة؟
– ما الفنية التي تتضمنها؟ هل قصيدة واحدة كافية لإعطائنا الجمالية التي يمتاز بها زجل شعيب البطار؟
– ما العلاقة بين الزجال ونصه؟
صحيح أن هناك اختلافا بينا بين غايات الزجال.. وغايات النص الزجلي… أو توجه الزجال وتوجه النص. لكن، هل دائما يكون هناك اختلاف بين مقصدية الزجال ومقصدية النص؟… وبين ما يريده كزجال وما يقوله النص؟
لكن الذي لا يجب أن نغفله، وننساه، هو أن الزجال له القدرة القصوى لامتلاك نصه الزجلي والسيطرة عليه، وتوجيهه حيثما يريد… ومن هنا نستنتج شيئا أساسيا، وهو أن هذه القدرة، وهذا التوجيه يخلق نوعا من التوجه الزجلي المقصود… وبالتالي يخضع النص لقصدية مؤلفه، ورؤيته الزجلية… ومن خلال كل هذا يسيطر من خلال نصه على القارئ، فيوجهه داخل صوره وجمله (أي لغته). وهذا التوجيه للقارئ، هو مساعدة له على فهم النص ودخوله.. وهذا القارئ/ المتلقي الذي يتغياه النص وصاحبه، هو ما أسماه فولفغانغ آيزر بالقارئ الضمني… أي ذلك القارئ/ المتلقي الذي يصنعه النص… ويتخيله صاحبه “ويعادل شبكة من أبنية الاستجابة تغرينا على القراءة بطريقة معينة”[2]…
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو: هل ما يتمناه الزجال، وما يتخيله ويسعى إليه يصل فعلا إلى المتلقي الحقيقي/ الواقعي؟…
بطبيعة الحال، هناك معوقات، ومطبتات تحول أحيانا دون ذلك… ومن جملتها: إيقاعية النص الزجلي، والتي تقيد الزجال وتحد من حريته في صوغ قصيدته. أحيانا يريد المبدع أن” يخضع النص لنظام إيقاعي معين يسيطر عليه، وهو نظام الوزن والقافية الموحدين. وهذا ما يجعله يتحرك في صياغة معنى قصيدته، وهو ينظر إلى هذا النظام الذي ينبغي أن يلتزم به فيحرص على أن يحقق التلاؤم بين المعنى الذي يريد توصيله وبين الإيقاع. وربما أخفق في تحقيق هذه المعادلة الصعبة، مما قد لا يحقق له وصول رسالته إلى المتلقي كما يريد لها. “[3]…
بالإضافة إلى اللغة، والانزياحات التي يعتمدها الزجال، والرموز المستعملة، والغموض… وهذا أحيانا يزيد القارئ/ المتلقي التباسا.. واستغلاقا لدى دخوله النص وفهمه.. ويصبح” يحتاج في كل مرة إلى تأمل وتفكر لمحاولة فهم الدلالة الجديدة”[4]… كما أن التمسح بزجال أو شاعر آخر والسير على نظامه يجعل منه ومن زجله صورة كربونية لإبداعات ومبدعين آخرين…
صحيح ان القارئ هو الذي يعطي للنص الحياة، ويهبه الفرادة… كما أن كل زجال يهدف إلى أن تكون قصيدته موضوع القراءة، ولهذا فإنه “عندما يكتب نصه الزجلي يستحضر شخصية القارئ الذي يوجه إليه النص، ويسعى إلى أن يكون هذا القارئ قادرا على إدراك المعنى الذي يتضمنه النص، ولهذا فإنه لا يأتي إلا بتلك المعاني التي يمكن أن تقود قارئه إلى مقصده“[5]…
وتلقي النص وقراءته يخضعان لطبيعة القارئ/ المتلقي، وظروفه، وتكوينه وخبرته، وثقافته.. والمناخ الذي يحيط به… بالإضافة إلى تأثير الزجال وتوجيهه تجعل كلها القارئ/ المتلقي ينحاز إلى فهم معين وتأويل يرى فيه موقفه التفسيري الأصوب[6]…ومن ثمة يصبح النص الزجلي متعدد القراءات.. والتأويلات…
ومن خلال القصيدة(عيطة مفڭوعة)، سنحاول الوقوف إلى هذا الإشكال الزجلي لرصد هذا التواصل، أو الاختلاف الممكن حدوثهما بين الزجال والمتلقي/ القارئ في فهم معنى النص، والوصول إليه…. خاصة إذا ما عرفنا بأن التحول الذي عرفه الزجل وانتقاله من الإنشاد، والإسماع، والمشافهة والإلقاء، إلى الكتابة والقراءة، غير كثيرا في طقوس الزجل، واستراتيجياته القرائية… وتطلب ذلك رؤية جديدة للزجل، وقراءته.. وتلقيه…
فشعيب البطار يقدم لنا قصيدة زجلية من41 سطرا، ذات نفس رومانسي، و تتشكل من سبعة مقاطع كل مقطع ينتهي بوقفة . وعنونها ب (عيطة مفػوعة)، والعيطة نداء وصرخة، وصيحة لها خصوصيتها انها مفػوعة، أي انها آخذة على خاطرها وغاضبة من موقف غير مقبول الذي هو مضمون القصيدة.. إنها نوع من البوح والشكوى والتبرير، المصارحة والمساءلة.. بن الزجال و معشوقته…
ومن خلال القصيدة وصورها نتبين حالة إنسانية، في لحظة بوح ومناجاة.. عيطة مليئة بالألم والنجوى.. إنها لحظة اندهاش وسؤال، ومحاولة تبين الحقيقة.. و طرح سؤال خفي: لماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وإلى أين؟…
الصدمة تظهر كبيرة والحرقة مدمرة… إنها عيطة مفجوعة… بينتها أسطر القصيدة وصورها… وقد انطبعت هذه التجربة الزجلية بواقع الزجال النفسي حالة انصدامه من تغير حال وسلوك حبيبته.. وبالصراع الذي كانت تتجاذبه رغباته.. وميوله ونزعاته.. في أن تجد واقعا أحسن.. وأكثر ملاءمة ومواءمة.. بعيدا عن العرف والتقاليد السائدة.. ومن ثم كان يشعر “بأنه يخرج زجله متأثرا بسلطة كامنة وراء شعوره لا سلطان له عليها، وتتمثل هذه السلطة في قوة غير شعورية كامنة في منطقة اللاشعور، وتحفزه إلى العمل وتوجهه اتجاهات معينة دون شعور منه”[7]…
من هنا، نجد أن عالم تجربة شعيب البطار الذاتية في جوهره عالم من الصفات الممتزجة ، المختلطة التي نتبين فيها الحب، والإصرار والرغبة والطموح، والبحث، والجهد والاجتهاد… والسؤال والمكاشفة…
هذا يجعلنا نجزم أن تجربه الذاتية تستمد معظم مؤثراتها، وانفعالاتها من شعوره وأحاسيسه ومشاعره، أي من قلبه ونفسه…وبالتالي تستمد تجربته مقوماتها من الشعور، الذي يرفده بالإيقاع الموسيقي الذي يتألف جانبه الظاهري من التوازي والتجانس الصوتي، والانفعالات، وجانبه الباطني من جرس الألفاظ، ومن الإيقاع الناتج عن التشاكل الصوتي.. والدلالي… وهذا يذكرنا بالرسالة التي وجهها وردزورث إلى شاعر ناشئ ، حيث يقول له فيها: “إن مشاعرك قوية فثق في هذه المشاعر فيستمد منها شعرك ما له من تناسق وشكل ، كما تستمد الشجرة من القوة الحيوية التي تغذيها“[8]…وهذا يجعلنا متأكدين أن الزجال الأستاذ البطاح قد استفاد من هذه النصيحة.. وعمل بها… والشاهد على ذلك، قصيدته (عيطة مفػوعة)، والتي يستهلها ب:
ملي ناديتك
عفرتي و جفرتي
وشكيتي طرقان
وزدتي خلفة
وهذا يبين أن وعيه الزجلي له دور في إبداعيته… وأن زجله طابعه شعوري.. صور كل ما انطبع في نفسه من انفعالات، ونزعات، وميول… وآمال وهواجس… وشكوك وتساؤلات….
ورغم الحرص والألم، نجد نزعة شعورية قوية تغلف نفسه، وتملأ قلبه… إنه الحب، حيث تتأرجح ذاته بين الحب والحياة والأمل.. فتتدفق عاطفته، وإنسانيته… وبالحب يتجاوز الألم.. يتجاوز كل المعاناة.. يتجاوز المنتهى.. ويطمح إلى الحياة.. إلى الغد الجميل… وهذا تختزله جملته (كان عليك) والتي شكلت بؤرة القصيدة ونواتها…
والسؤال الذي يلح بقوة: كيف جاءت أو بماذا تميزت هذه القصيدة؟
لقد تميزت قصيدة ( عيطة مفكوعة) بخصائص فنية منها:
– الصدق الشعوري: نقصد بالصدق الشعوري ذلك الانسجام التام بين الوجود الخارجي المثير لانفعاله، وبين الوجود الداخلي في أعماقه، والتفاعل فيما بينهما… والذي ينتج عنه توهج الشرارة العاطفية والوجدانية…
ولا يراد به مطابقة الحقيقة والواقع دائما، ولكن المراد به “صدق الأديب في التعبير عن عاطفته التي يحس بها فعلا، وإعلان عقيدته التي اعتقدها“[9]…
والتقاء الحياة بنوازع النفس، وأحاسيسها يحرك فيه جوائشه وأهواءه النفسية والوجدانية، وأحاسيسه، حيث تصبح هذه الأحاسيس مرآة لصدقه الفني…
و الزجال شعيب البطاح يتمثل صدقه الفني والشعوري في محبته العارمة.. ورضاه الكامل.. واصطباره على الألم.. وشكواه، ولومه، وإيمانه بالغد الجميل… واقتناعه بوجود فسحة للأمل.. ولذا فهو لم يكره ولم يغضب ولم يثر، ولم يتبرم … بل أحب وانفتح على الحياة ولون نفسه بلون أخضر…هذا يجعلنا نقتنع أن الباعث على زجله، هو تعبيره عن نفسه، وحياته وأحلامه…. وشكواه. ومن ثم عبر عن نفسه وذاته في أفراحهما وأحزانهما.. في قناعاتهما وآمالهما، في آلامهما ، في بوحهما ونجواهما.. وبالتالي كان زجله صورة لنفسه، ومعبرا عن دواخله وأحاسيسه وشعوره.. وكان أيضا الناقل الأمين عن لسان نفسه… فجاء زجله صادقا لا كذب فيه.. ولا مبالغة فيه، ولا اختلاق…
وهذا الصدق الفني، والشعوري هو ما حقق لدى زجالنا في قصيدته جماليته ، وفنيته، وشعريته… وترجح فيه القلب والشعور على العقل وصوره.. ومن ثم كان زجله صورة لنفسه وذاته في المجتمع ، وفي هذه الحياة… وهذا يجعلنا نطرح سؤالا عريضا:
– هل الزجال شعيب البطار رومانسي بامتياز؟…
– هل يعتبر أن الحياة الإنسانية هي حس الزجال المفرد في الوجود؟
إنه يفضل التعبير عن الحالات النفسية التي تمثل تجربته الذاتية مع الاهتمام بقضايا أخرى حياتية…
والتفسير النفسي/ الذوقي، يربط بين الحداثة الشعرية والتغيرات التي أصابت كلا من الطبيعة النفسية والذوقية العربية، تحت تأثير التغيرات ، والجديد الذي جاء به القرن العشرون.. وهذا ما دفع بالدكتور محمد النويهي إلى اعتبار الشكل الهندسي المبني على نظام الانشطار والتناظر، والذي وسم القصيدة العمودية العربية، لم يعد يتلاءم مع الذوق العام المعاصر.. ولا مع نفسيته..: “إن نوع الإيقاع الذي تعرفه القصيدة العربية التقليدية لم يعد صالحا لحاجاتنا الفنية والنفسية، والذوقية.. وإن درجة الانتظام التي يتطلبها شكل القصيدة التقليدية زائدة الإسراف في السيمترية والرتوب”[10]…وهذا ما جعل النفس والذوق العربيين ينفران مما يتنافى معهما على صعيد الشكل الشعري الموروث، أي أن القصيدة العمودية التقليدية لم تعد قادرة على النهوض بحاجات المجتمع الشعرية المعاصرة.. وأصبح الشعر الحداثي هو الممثل والمعبر عن الفن والذوق المعاصرين.
فأين نضع الزجال شعيب البطار؟
لقد توازى الخطاب الزجلي والخطاب الشعري الفصيح، وأصبح بحق صورة متكاملة. وهذا نستنتج منه أن الخطاب الزجلي متواصل منذ انطلاقته سنة 1976، بإصدار أول ديوان زجلي (رياح… التي ستأتي) للزجال احمد لمسيح. وقد وصل اليوم مرحلة الكمال، وحقق الجمالية والتطور، فارتقى الخطاب الزجلي إلى ذروته.
والزجال المغربي شعيب البطار يقدم لنا اليوم نصا زجليا تحت عنوان (عيطة مفػوعة). وهي قصيدة ملتحمة، وذات تشكيل حداثي (يأخذ شكل قصيدة النثر). ذات دفقة ورؤيا.
وعندما نأخذ في قراءتها نحس بأنها ذات حركة، ودينامية. فهي قصيدة حركة، وبالتالي فهي قصيدة ذات خلق زجلي. وقد انتقلت كباقي الزجل المغربي الحديث من جمالية الثابت إلى جمالية التحول، أي من تقليديتها كزجل تقليدي إلى شكلها الحالي، الذي تبناه الزجل المغربي الحديث (شكلية القصيدة الزجلية الحداثية) وبالتالي شعيب البطار كغيره من الزجالات والزجالين المغاربة سار في هذا الاختيار الفني لعدة اعتبارات وقناعات…. وبالتالي هذه القصيدة تميزت بخصوصيات الحداثة، إذ يغلب عليها الطابع النفسي والشعوري، الشيء الذي أعطى لكيانها البنائي لحمة ووحدة عميقة، وتلاحما وتماسكا بين عناصرها. وإن هذا البناء الفني لهذه القصيدة (عيطة مفػوعة) والذي شكل رؤية الزجال شعيب البطار، والتي تأسست على مجموعة من الأدوات او الوسائل المساعدة التي ربطت بين الفنية والبناء والشكل..
وعندما نقف إلى هذه القصيدة، نجد أنها نمت وتسامت في تركيب ذي بعد واحد من البداية إلى النهاية. أي إنها نمت نموا عضويا من كلمة الانطلاق إلى كلمة القفل. وبالتالي نهايتها يعني تكامل كل أبعادها. ومن ثمة اكتمال القصيدة ونهايتها هو في الواقع تكامل فنية القصيدة.
نحن لا يهمنا الشكل الذي شكل به الزجال قصيدته في الواقع. فهل ما أبدعه الزجال يتوفر على الإبداعية والأدبية في تفاصيله؟ ولغته؟ أم أنه ترصيف كلام وألفاظ فقط؟
- هل رؤياه الزجلية تجديدية أو أنه صوت تابع مقلد، او كما يقول أحمد لمسيح(صدى) لغيره.
- ما مسعاه؟ ماذا يستهدف؟
- – هل هناك تميز في لغته، ونسجه وصوره وقاموسيته؟ أم أنه وظف النمطية، وسار في الاعتيادية؟
- – هل الزجال شعيب البطار متغير/ متجدد/ مجدد في وعيه الزجلين وثقافته وذائقته؟ أم أن نظرته للحياة وللعالم نظرة عادية لا جديد فيها؟
- – هل رؤياه مستقل أم تابع؟
الرؤيا الحلم الذي يتحقق ولا يستحيل. لا يصدر إلا عن الأنبياء. فهل الزجال نبي الشعر والزجل؟ أي نبي ( الكلام الحلو- الكلام ذي المعنى). هل يمتزج بالكون والوجود والإنسان والواقع، ويستمد الحياة، والتي أعني بها القصيدة الزجلية من جماع التجربة الإنسانية كلها في عالم متغير؟
إن في قصيدة (عيطة مفػوعة) تقاطعات وتمفصلات. فما بينهما (نمشي بلحفا) مسافة كبيرة وطويلة، حدثت فيها تغيرات، وتبدلات ومسوخات، جعلتنا نمتد عبر القصيدة ونرتد أحيانا أي أننا نعاين انتقالية من الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى المستقبل. وهذا خلق نوعا من الدينامية والحركة الارتدادية داخل القصيدة.
هذه الرؤيا التي شكلها الزجال شعيب البطار أفضت بها أساليب تعبيرية، احتضنتها القصيدة عنده. صحيح، إن هذا التشكيل الرؤيوي عند شعيب البطار أسسته المعرفة، وإذا قلت المعرفة فإني أقصد اللغة. وبالتالي هذه اللغة العامية المستخدمة تخرج عن نطاق العادي، والمألوف. وبالتالي هي رؤيته للقصيدة والإبداع، وكيفية تشكيل الرؤيا.
هذا يجعلنا نقف لنطرح سؤالا إشكاليا:
- ما هي اللوازم التي اقتضاها الزجال شعيب البطار ليصل إلى هذا المستوى الإبداعي؟
أولا: تجاوز الزمان كبناء: عندما نعود إلى قصيدة (عيطة مفكوعة)، نجد أن هناك انتقالية في الزمان من الماضي ( ملي ناديتك) إلى الحاضر والمستقبل ( وبوحي بلسانك/ ولا بوحي ف لحفا)…
هذه الانتقالية، والتي اعتمدت الارتداد والاستباق والاستشراف، بناها شعيب البطار على أساليب متميزة: (الشكوى، والحجاج، والتبرير، والتمني). ومن هنا نجده قد وظف الناسخ الفعلي(كان) ليثبت ماضوية الزمان والارتداد إليه في لحظة البوح، والشكوى واللوم. وقد تكرر هذا الناسخ تسع مرات. وقد اقترن بهذه الانتقالية المابعد والماقبل، ولكل تحديد حيزه الزمنين ولغته المعبرة عنهن ودلالته الزمنية، والتي تمحورت حوله جميع مكونات القصيدة.
كذلك لا يفوتنا الإشارة إلى الزمن الحقيقي، الذي يشير إليه الزجال.. فقد جاءت إشارات إليه من خلال توظيفه لكلمات تدل على الزمان تتمثل في الظروف الزمنية او حروف تدل على الزمن، او أسماء زمنية يمكن ان نحددها كالتالي: (ملي- صباح- الليل- ) بالإضافة إلى الفعل ودلالته الزمنية الموجود في القصيدة (الماضي: 18 فعلا- المضارع: سبعة أفعال- الامر: سبعة أفعال) المجموع 32 فعلا في القصيدة مما يعطي نسبة 27.35%. مقابل 57 اسما (48.71%).
وقد صهرت هده المكونات كلها مشكلة جمالية النص. وجاء هذا الانصهار بثلاثة أشياء، هي: اللغة، والصورة، والإيقاع.
ثانيا: تجاوز المكان: للمكان معطيان: البصري، والفضائي الهندسي. لا يوجد مكان محدد يشير إليك الزجال بالتحديد. فالمكان عام، هو كل الأمكنة التي تواجد فيها الزجال… ورغم دلك جاءت غشارات مكانية ليعطي للقصيدة دراميتها، ويوفر لها سرديتها، مثل (طرقان- كانت شوفة- شفار- القلب- عش المحبة- المرػد- خلفا).
وقد شكل المكان الفضائي والهندسي شكل القصيدة، حيث بين جدلية البياض والسواد فيها… فجاءت الأسطر متوالية تختلف طولا وقصرا… وهذا اعطلا صورة عن اصطخاب النفس ومزاجها لحظة الولادة.
ثالثا: التضمين أو التلزيم: والمقصود به لزوم ما لا يلزم.. حيث يلتزم بقافية تم يأتي بها ناقصة او مزادا في حروفها كأن يجعل مع حرف الروي حرفا آخر. ويعرف في الملحون ب(التلزيم)، ويطلق عليه أيضا التضمين. وهي تسمية تعني أن الشاعر الزجال يضمن قافيته أكثر من حرف، كالجمع بين الوام والميم، ومرة بين الألف والنون. وفي قصيدته (عيطة مفػوعة) نجد الزجال شعيب البطار يلتزم بالفاء مع السكت وقفة لكل مقطع ( خلفة- زڭفة- لفة- الشوفة- بلحفا- حرفة- لجفا- لخفا-).. وهذا قد شكل إيقاعية وفرت للقصيدة فنيتها وجماليتها.
المراجع
[1] – ” د. عبد الرحيم جيران، في النظرية السردية، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،2006، ص:7.
[2] – عبد الناصر حسن، (محمد)، نظرية التوصيل وقراءة النص الأدبي، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 1999، ص: 132
[3] – العضيبي،(عبد الله محمد)، النص وإشكالية المعنى، الدار العربية للعلوم، ناشرون/ منشورات الاختلاف، بيروت/ الجزائر العاصمة، ، ط1، 2009، ص: 11- 12
[4] – د. عباس، (سالم)، غموض الشعر في النقد العربي، دار الزهراء للنشر، القاهرة، ط1، 1994، ص: 291
[5] – عبد الله محمد العضيبي، المرجع نفسه، ص: 14
[6] – روبرت هولب، نظرية التلقي، ترجمة: د. عز الدين إسماعيل، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1994، ص: 123
[7] – د. دياب ، (عبد الحي)، شاعرية العقاد في ميزان النقد الحديث، دار النهضة العربية، القاهرة،(د- ت)، (د- ط)، ص: 104
[8] – المرجع نفسه، ص: 105
[9] – د. النويهي، (محمد)، عصر الصدق في الأدب، ط 1958، القاهرة، ص: 238
[10] – د. محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، دار الفكر، ط2، 1971، ص:98
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي