
خصائص الخطاب المتشاكل في النص الزجلي.
عيطة مخطوفة لشعيب البطار نموذجا.
سعيد فرحاوي
علاقتي بالزجل علاقة تتحكم فيها عدة مقومات، منها المقوم الذاتي. باعتبار أنه يمثل الشكل التعبيري الأقرب إلى هويتي، كما له علاقة بمجتمعي لأنه يشكل البوح الصادر من رحيم المعاناة اليومية التي تكتب عنها القصيدة. كل هذه العلاقات، رغم مكون الحميمية التي تربط بين مجموع هذه المقومات ، وجدت نفسي أعيش في قلق غير عادي ، دفع بي أن أبحث في ماهية الترابط المتناحر الذي جعل من الكاتب للنص الزجلي في علاقته بكل من ينتقده أو يخالفه الرأي في مواضيع ما يتحول إلى كائن عدواني يحرق الأخضر واليابس ، وهي حالات نعيشها اليوم ، ويعرفها كل من واكب الكتابة الزجلية ، على أساس أنها طبائع غريبة أصبح فيها المبدع الزجال شخصا شرسا وعدوانيا إلى درجة يجعلك تعيد النظر في النص الذي كتب. هذه الانشطارات المتعددة دفعت بي أن أعيد النظر في النص وفي الكتابة التي تبوح بلغة عامة الناس، كما دفعت ببعض المهتمين بالنص الزجلي أن يتدخلوا ليعلنوا عن رفضهم لهذا النوع من السلوكات الخشنة التي تضر بالزجل ، من هؤلاء الغيورين نجد الزجال العزيز أحمد لمسيح الذي عبر بصدق عن هذا الرفض في تدوينة دالة على فضح هذه الخشونة المرفوضة عبر صفحة الفايس بوك قائلا :
-اتركوا حال الزجل …نحن في غنى عن صيحاتكم النتنة..
لكن إلحاح بعض الأصدقاء، جعلني أتنازل نوعا ما عن هذا الموقف الذي دفعني أن أتخلى عن هذا النوع من البوح المبني على تنافر متعدد الأشكال.
وجدت نفسي مجبرا أن استهل مداخلتي بهذا الاحتجاج القوي الذي فرضه علي واقع الزجل المتناحر بين ذات تكتب ونص يهيج بصيحات جد بعيدة عن مواقف من كتبه.
ها أنا أما عيطة الصديق الزجال شعيب البطار التي تتمفصل بصور متعددة. عيطة تفرض علي هذه المقاربة الـتأويلية .أتمنى أن أكون قريبا من صرختها التي تحمل معان كثيرة.
العيطة او الصيحة هي درجات من الصرخ، منها ما هو موجه إلى الآخرين ومنها من جعل من الذات مصدر التلقي، هذه الصيحة الصارخة جعلت من النص الماثل بين أيدينا جامعا للصرختين معا. الزجال لا يحدد المخاطب بشكل مباشر، مما جعل من عيطته محددة بمواصفات متعددة، قال عنها (بعيطة مفكوعة)، لأنه يعرف أنها غير عادية، والنص ككل ساهم في توظيف شفرات هذا التراكم المعجمي الدال على صرخة شاعر انطلق غاضبا، ولعل صرخته المتجلية بمواصفات متكررة لخير دليل يكشف عن ماهية هذا الصوت المختلف.
سماها ب :عيطة مفڭوعة
لأنها تنبع من نداء غريب يحدد طبيعة المخاطب بضمير واضح /الأنت” الكاف” ، منجليا بسمات تعبر على شكل الاختلاف الذي حدده بالترفع والتعالي الذي جعل من العلاقة تنكشف بمستوين :
– الأنا…..النداء..
– – المخاطب .. التعفر والتعجرف
النتيجة : تتحدد المسافة بين القطبين في علاقات الانفصال والتباعد ، مادام التلاقي أصبح مستحيلا ، في غياب كل أشكال الجمع الذي فرضه واقع التباعد الرؤيوي الفاصل بينهما. عبر عنه بمعجم لا يقل من عتاب وتمرد :

ملي ناديتك
عفرتي وجفرتي
وشڭيتي طرقان
وزدتي خلفة
ما يزيد من الكشف عن هذا التلاقي المتسم برائحة الغرابة بالعودة إلى الماضي ،هو الشاهد على ملامح التلاقي والاجتماع الغريب قائلا :
كانت شوفة
مخطوفة
بشفار سيوفا
حسكتْ عروڭ الصفا
والنتيجة الطبيعة من ذات تعري عن المخفي في علاقة أصبحت مستحيلة هو ما جاء في الملفوظ القادم :
و لغدر عاد حرفة
و الڭلب للي كان مطواع
زاد ف عنادو
و الكاس للي كان مشروك
فاض بنكادو
كل ملامح الغدر بادية في علاقة بين قطبين تفصل بينهما علامات مكشوفة بلغة تائرة رافضة ومتمردة ، تحددها المفارقات بين مجالين تصورين مختلفين ، نحدد وجهيهما على الشكل التالي :
مجال تصويري أول ، يظهر فيه الباث محددا بالصور التالية :
– الوفا.
– الصفا.
– الكلب المطواع.
وقطب ثان غادر ومخادع ، يتحدد بالوجوه التصويرية التالية :
– الكاس المشروك فاض..
– علامة على انفصام العلاقة ونهايتها.
– النكاد.. علامة على الخيبة والقلق النفسي الكبير.
حسكت عروق الصفا..
إحالة على الغدر والخيانة.
هكذا نصبح أمام برنامجين سردين متناحرين نحددها على الشكل التالي :
يظهر البرنامج السردي الأول مميزا بالصور التالية :
– فيه نجد عامل- ذات متمظهرا بالسمات التالية :
– عا-ذات …الباث.
– موضوع –قيمته …الصدق + الوفا.
– العامل المعاكس.. الآخر/ الغدر+ الخيانة.
– العامل المساعد …الأمل في العودة إلى الماضي.
– برنامج سردي ثاني نجد فيه :
– – عامل ذات… يتشكل في الآخر .
– موضوع –قيمته …ملغى وغير معترف به من الباث.
السبب : الخيانة والغدر .
مما يجعلنا نتلقى نصا محددا بعلامات التنافر التي ولدتها علاقات مؤسسة على موضوع التضاد المبني على علاقات إثنانية بين طرفين لا تربط بينهما أية صلة مؤهلة لتواصل قادم في المستقبل. فيتحول العتاب إلى لوم ومحاسبة :
و بلا عطفة سقيتيني زڭفة زڭفة
…
ياك عش المحبة
نجيناه انتِ وانا
و بيدينا سدينا
–
لوم وعتاب يتحكم فيها العودة إلى الزمن الماضي ، بصفته الشاهد على ما كان يربط بينهما من تلاق جميل ، جعل الشاعر يتحسر كثيرا ، بصرخة جاءت عبارة عن عيطة نص حجاجي رافض و متمرد في نفس الوقت :
وكان الخاطر هاني
وكان المرڭد ولفة
ياك العاهد غزلناه
بمغازل حنينة
وحايك الغرام
نجينا خيوطو
هرست لمناول
وحرزتي الشوفة
حجاج ظهر مصحوبا بالبديل الغائب ، في صرخة تحدد علامات العتاب ، كما تطرح البدائل التي غابت ، فكانت سببا في صيحة من نوع مختلف :
كان عليك تلبسيني شربيل
ودڭي بڭدامك لحطب بعوادو
وڭدي نار داك الڭلب
حتى يزند ويطير رمادو
عاد خليني نمشي بلحفا
يعاتب ويحاسب وفي نفس الوقت يحدد المسافات الفاصلة بين مخاطب قلق ومتلقي يتمظهر بمواصفات مغايرة :
كان عليك تشعليني قنديل
ملي غابت ديك الڭمرة
كان عليك
تعصريني صباح
فداك الليل
عاد شَرّْبيني كاس لجفا
في التكرار اللفظي والمعنوي تتحدد خصائص التشاكل اللفظي والمعنوي ، الوظيفة من هذه التكرارات القسرية هو تأسيس خطاب متماسك ومنسجم :
….
كان عليك تشعليني
فتيلة فشمعة
عاد بكيني دمعة دمعة
وبوحي بلسانك
ولا بوحي ف لخفا
نص شعيب بطار ، التي جاءت صرخة بصوت عيطة تتمفصل بألوان التناحر العلائقي بين قطبين تفصل بينهما مجالات متعددة ، جعلت منه كتابة تتأسس على لعبة البناء الثنائي بين طرفين ينجليان ببرنامجين سردين متناحرين ، في هذا التناحر تتكون الصور لتلتقي في الطبولوجيات المتناقضة. هنا تتجلى بوادر الإبداع في الكتابة التي تجمع المختلف في الوحدة الممكنة.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي