
البعد الغرائبي في مجموعة “جنازة رجل” للقاص حسن بيسي الحاجبي
عمرو گناوي
على سبيل التوطئة :
يحتل حسن بيسي الحاجبي موقعا وازنا على المستوى الأدبي والأخلاقي والديني. فقد اشتغل أستاذا محنكا، مربيا مقتدرا، محبا للناشئة مخلصا في عطاءاته، توج بشرف منصب إمام مسجد وخطيب الجمعة، قبل أن يتوقف لأسباب خاصة.
من مؤلفاته :
* الدر المتناثر من خطب المنابر
* خطبة الجمعة بين أزمة النص وجدلية الخطاب
* نسائم قرآنية أبصار في آيات الرحمان
وله في المجال الأدبي ديوان زجلي “على بيتك طليت”، غاية في البرور بوالدته.
وهاهو يطالعنا اليوم بمؤلفه السردي : “جنازة رجل”، الذي يحكي فيه عن تيمة الموت التي استمد
موضوعها من مرجعية ثرة بالعلم والثقافة والقيم الدينية السمحة، فجاءت نصوصه منسجمة ومتطابقة مع مؤثثات معارفه.
ونحن إذ نواكب قراءة “جنازة رجل”، ندرك جيدا أن الأمر يتعلق بالأدب الجنائزي الذي يستدعي الرثاء وصدمة المتلقي. إلا أن أهم ما ترومه رسالة الفقدان هذه، هو موضوع الوعظ والإرشاد، إذ يحذر فيها السارد الأحياء من مغبة الإغفال عن استحضار الموت والاتعاظ بهيبتها.
وكون الموت يتراوح بين الحقيقة والمجاز، وبين الجزئي والكلي، فقد جاء العنوان مستجيبا لما يقال في مستهل صلاة الجنازة، “جنازة رجل”، مما يطرح.سؤالا جوهريا حول إخطار السارد بجنازته، قبل أن يحل.أجله، والملاحظ أن رائحة الموت تنتشر في النص بشكل كثيف، ويمكن أن نتمثل لبعض تمظهراتها النصية فيما يلي :
أ – “حين سيق فيه كلبي إلى أسوأ مصير حين ارتمى تحت عجلات سيارة سائحة إنجليزية”(ص: 10)
ب- – حين “حدث ذات ربيع أحمر أن فاض الكيل بأحفاد المختار ..في ساحات الحرية، تطلب خبزا وكرامة..مات الكلب الضاري(ص: 14).
ج – وحين “كنت أعيب على خالي، رحمه الله”( ص: 29)
د- – “مات أحمد..مات أحمد دون ان يأكل من طبق التبولة”(ص: 17)
ه — وها قد رحلت من كانت تملأ دنياي ببهائها وهدوئها الجميل”(ص: 37)
و – “توجهت.. لأعرف آخر رقم من أعداد الشهداء في حرب غزة”(ص: 41)
ز – “وكان يقضي بقطع رأس المتهم البريئ بحد السيف في ساحة عامة أمام الملأ”(ص: 47)
وبناء على هذه النماذج المستقطعة، فإن الموت لا يتوقف عن تعقب الكائنات في الزمان والمكان، بل إن الروح الجنائزية باتت تهيمن على أفضية الأضمومة القصصية منذ بدايتها إلى حتى نهايتها، ولدتها الأحداث وحركات الشخوص في المكان (المقهى/البيت، حتى المقبرة). وقد راهن الراوي في رسالته على تيمة الموت، اعتبارا لما له من علاقة بالإيمان و بالدعوة الإسلامية عموما. لذا وجب تذكير المتلقي بالموت، وتوعيته بمصيبتها والاعتبار بها، حتى يستعد ويجهز نفسه ليوم الحساب. وبطرق هذا الموضوع، يكون القاص حسن بيسي الحاجبي قد دأب على نهج المفكرين والكتاب والشعراء فيما أبدعوه في موضوع الأدب الجنائزي، كما سبق في ملحمة جالجامش، أو حين اعتبار أفلاطون الموت تحررا من الجسد، بل إن دوستويفسكي قد سبق أن اعتبرالحكم بالإعدام على شخص أبشع حكم تصدره البشرية. هذا و يشكل الموت وملاحمه في الأدب الفلسطيني أهم تيمة في الأدب المعاصر، كما عج ويعج به قطاع غزة اليوم. ويبقى الموت بالنسبة لكل مؤمن حدثا جللا، وحقا لا مراء فيه. يقول تعالى :
“أينما تكونوا يدرككم الموت”
(سورة النساء. آية 78)
و يقول زهير في حكمه :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وإن يرقى أسباب السماء بسلم
(معلقة زهير)

1 – البناء الفني لمجموعة “جنازة رجل” :
بنيت أضمومة المجموعة القصصية، على فكرة الموت والجنازة ، يؤشر عليها عنوان المجموعة، تدعمها وتزكيها المتواليات الآتية : “الكلب الميت”، “مات احمد”، “خالي رحمه الله”، “رائحة الموت تملأ المكان”، “رحلت وفيها شيء مني”، لوحة مدخل المقبرة بألوانها الباهتة، وهي تنتظر احتصان الموتى استعدادا ليوم الحشر. وقد قدمت للنصوص القصصية مجموعة من منازل السرد وفضاءاته أهمها :
أ – فضاء العنوان : الذي هو عبارة عن إخطار مفاجئ بجنازة رجل، ينعى فيه الفقيد نفسه عبر الفضاء الأزرق، محددا مكان دفنه وزمن تشييعه، قبل أن ينتشر الخبر كالنار في الهشيم.
ب – فضاء لوحة الغلاف : وهي عبارة عن مدخل مقبرة تنتظر دفن الفقيد وغيره ممن قضى نحبه وممن ينتظر.
ج – فضاء عتبة الإهداء : حيث يتمنى كل قارئ أو ناقد لعمل إبداعي ان يكون هذا التقديم من نصيبه، ذلك أنه يمثل عربونا على نبل الأخلاق وصفاء الطوية، يزهر بجميل الشكر والثناء، في حق القاص والناقد محمد إدارغة على ما بذله من جهد في تصويب هذا العمل وتهذيبه.
أما عن المجموعة القصصية، فتتكون من إثني عشر نصا، ممتدا على 78 ص، تتصدرها قصة :”عن ذاك الكلب أحكي”، مرورا ب”زغرودة وطبق تبولة”، وصولا إلى بيت القصيد، “جنازة رجل”، محور المجموعة وبيت قصيدها، وآخر مسرودات هذا العمل القصصي..
وإذا انتقلنا إلى دفة الكتاب الخلفية، فحدث عن المعلم الحسن، الكريم الجواد، والمربي الأنيق الرائق ولا حرج. فهو الرجل الورع والأديب الأريب، والخطيب البليغ المفلق، وصاحب المكرمات.
وخلف راو يحكي، إذ يحكي، وسارد يسرد أحداث وفاة غرائبية، حادث الموت وأهواله ، يستشعر بموجبه الناس أجمعون مآلاتهم، ويستبقون هول ما ينتظرهم من مصائر.. إن حادث الإعلان عن الجنازة إنما هو رسالة رقمية شديدة البلاغة والتأثير، حدد فيها الفقيد تاريخ ومكان “دفنه”، والتحاقه بعالم الأموات.
ومن الأمور التي تدعو إلى الغرابة في “جنازة رجل”، أن يدعو “الفقيد” الناس لحضور تشييعه. فكيف يستساغ قوله وتستقيم دعوته؟ وهل يتعلق الأمر بموت حقيقي؟ أم أن في الملمة ما يدعو إلى الحيرة والاستغراب، علما أن الموت يتوقف من الناحية الطبية، على الموت التام والدائم للأجهزة الحيوية في الجسم من قبيل القلب والدماغ والجهاز العصبي..إلخ. إلا أن المثير للدهشة كون الجنازة لم تكن تعني جثة الرجل بكاملها، بقدر ما عنت رجليه المبتورتين،
ومما يثير الدهشة والاستغراب في هذا النوع من الأدب الجنائزي، أن يحضر الرجل نفسه جنازته، في الزمان والمكان، بمعية المشيعين ، قبل أن يفاجأ الجميع بدفن “رجلي” الرجل دون سواهما من الأعضاء.
فضاء مجموعة “جنازة رجل” :
تتأسس “جنازة رجل” على مجموعة من الأفضية أهمها :
فضاء الشخوص :
يتصدرها فضاء الراوي، العالم بكل شيء، الشخصية التي أعلنت عن اقتراب إقامة جنازتها. قبل ان يعلن صاحبها عن زمكانها. إلا أن الغرائبي في هذه الشخصية، أن تعلن عن جنازته، قبل ان يتبين حضوره مع المشيعين. ولا يقتصر فضاء الشخوص على الكائنات البشرية من رجل وامرأة وتلاميذ، بل يشمل شخوصا حيوانية من كلب وأسد وغيرهما، الشيء الذي يدخلنا في عالم عجائبي، ذي عوالم خاصة، تتكلم فيه الحوانات وتكلم، كما ورد في شخصوص كليلة ودمنة لابن المقفع مع اختلاف السياق.
و يصعب أحيانا إيجاد خيط ناظم بين القصص المؤثثة للمجموعة القصصية كقصة “نسيت أسناني”، وإلا اعتبرنا العشاء الذي استدعي له السارد هو عبارة عن عشاء غير مرتبط بالجو الجنائري، لغياب ممارسة طقوس الترحم من سيادة أجواء الحزن، وترديد الأمداح النبوية وغيرهما.
…….
فضاء المكان : يمتد المكان بين المقهى والعالم الرقمي، وباب البيت، وباب المقبرة، وساحات مكناس ومراكش، ففلسطين، ثم النعش والقبر، وبيت العشاء، ومستودع الأموات، حين “يفتح لنا الممرض بوابة الموت الرهيب”(جنازة رجل. ص: 31). وقد أشرت مجموعة “جنازة رجل” (ص: 75)، عبر تناصها، على حادث الوفاة، حين افتتحها الراوي بقوله تعالى: ” يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي” (جنازة رجل. ص: 75. عن سورة الفجر. آية 30/29/28/27.)، تمهيدا للإعلان عن جنازته إذ يقول : “ببالغ الأسى وعظيم الأسف، أنعي إليكم نفسي” (جنازة رجل. ص: 75). ومن المؤثثات الفضائية التي تدعم هذا المنحى، سيارة أموات المسلمين، باب البيت ، النعش، القبر، بيت العزاء، بوابة المقبرة.. وهي عبارة عن استباقات تروم الحديث عن عالم الماورائيات، والتي تجعل من الحياة مجرد أيام فانية، يستعد فيها الإنسان ليوم اللقاء.
فضاء الزمان : يمكن تقسيم الزمان السردي إلى زمن دنيوي ذي طبيعة فانية، ممثلا في : حدث يوما، عند العصر ، حدث ذات ربيع أحمر، عند المساء، في تلك الليلة، بعد مرور ثلاثة أيام، صباح اليوم الموالي وهكذا دواليك..
وزمان سرمدي : يمثله يوم الحساب : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا( سورة آل عمران. آية 30.)
فضاء اللغة : يوظف القاص من خلاله محسن السجع فيما يعتبره مقامة بغلية، حيث يقول : يحكى يا سيدي والعهدة على الراوي أن رجلا من أهل الشام، عالي القدر رفيع المقام، عزم على حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام..”( جنازة رجل. ص: 69). ويردف قائلا :” وبعد تفكير وروية، وحتى يضمن القضية، قدم القاضي هدية.”(جنازة رجل.ص: 69)
ولعل تبنى القاص لهذه الأسجاع، إنما يعود إلى إدراكه لأهمية حضور هذا النوع من الأسالين في الكتابة القصصية، سيرا على كتابات السلف. يقول الهمداني في المقامة الدينارية : “فاعتلق الشواء بإزاره، وقال : أين ثمن ما أكلت ؟ فقال أبو زيد : أكلته ضيفا، فلكمه لكمة، وثنى عليه بلطمة، ثم قال الشّوَّاء ُ: هاك ومتى دعوناك؟”(عبد العزيز عتيق. علم البديع. ص: 76. بتصرف)
هذا وقد اعتمد القاص، في نصوصه مجموعة من المرجعيات :
* مرجعية دينية، مستقاة من القرآن الكريم كسورة الفجر. آية. 27، (الواردة بجنازة رجل. ص: 75)
مرجعية تاريخية : ممثلة في التذكير بالملوك والسلاطين،(قصة منامة مولانا السلطان).
* مرجعية اجتماعية : تتمثل في الطقوس المتبعة في تشييع الجنازة (إقامة الخيمة، توزيع فناجين القهوة السوداء، تراتيل القرآن الكريم، النعش، إحضار سيارة نقل الأموات. إلخ.)،
فضاء التناص : تؤثثه مجموعة من التنصيصات أهمها قوله تعالى : “إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا”(ص: 48)،
– الحكاية داخل حكاية :
“يحكى يا سيدي والعهدة على الراوي، أن رجلا من أهل الشام ..عزم على حج بيت الله الحرام..”( ص: 69)
– تروي كتب التاريخ أن مملكة الحكم قد ضيعها أبناء الخليفة فأصبح لكل قطر سلطان.. تجبر كل واحد أكثر من أخيه ففرضت المكوس وقطعت الرؤوس وحزنت النفوس..(ص: 63)
كما تمثل نصوصه مجموعة.من السرود النقدية أهمها :
* “سرقوا حذاءه، ونزعوا عنه حذاءه الذهبي، وساعته اليدوية، واستولة على حافظة نقوده”(جنازة رجل.ص: 32)،
* “عصابة الموت متربصة بك،(ص:33)
“هاؤم اقرءوا كتابية”..ص: 47
* السرد التاريخي : “أرسل كل سلطان في طلب العلماء والمفسرين” ص :64
فضلا عما ورد في نصوصه من قصص الحيوان أسوة بابن المقفع في”كليلة ودمنة” يقول الراوي :
: “خرج أسد وضبع وذئب وثعلب في رحلة صيد غنموا فيها حمارا وحشيا وظبيا وغزالا وارنبا..(ص: 57)
وقد نحا القاص هذا المنحى متأثرا بالأدب الغربي في أساطير دو لافونتين(fables) التي استلهما هو نفسه من “كليلة ودمنة” لابن المقفع.
بهذه الأفضية، يكون القاص قد أبان عن طبيعة مسروداته وكتابته القصصية.
وأخيرا، أتمنى أن تحظى هذه المجموعة القصصية باهتمام القراء، كما اتمنى أن يوسع القاص من دائرة إبداعه القصصي، حتى تكتمل التجربة ويرقى الستوى.
باحث وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي