
الحقيبة المنسيّة…
ريم العيساوي
( يحلو لنا استعادة حرفنا الحافل بالذكريات ،إنها بلسم الروح ونشوة الحياة. وخاصة ذكرى الأم خلال الأيام الهاربة والسنوات.)
وكم من حقيبة تبوح بأسرارها … والحقائب كنوز أسرار، استيقظت ذاكرة سوسن على قصّة الحقيبة المنسيّة : وما أروع السّفر عند الفجر.. ! تسير اللّحظات في هدوء وصمت، وتتوشّى الطّبيعة حلّة من نور قدسيّ جليل، يسقي الفؤاد من كؤوس الدّعة ومن عسل الوقت ما يحمل على التّحليق بعيدا حيث اللاّمكان واللاّزمان .
وللرّحيل نحو مراتع الطّفولة طعم لذيذ مستطاب، ولإيقاع السّفر نغمات تنشدها عجلات السّيارة وأزيزها مع صوت المذياع الّذي ينفخ في روح السّائق المتمسّك بمقوده، مثل تمثال من البرونز . ومع كلّ رحيل، تستيقظ الذّاكرة ،فترحل عبر محطّات العمر، وتمسح الغبار عن صور…صور باهتة ، وأخرى ناصعة ، صور قاتمة وأخرى زاهية، صور صامتة وأخرى صاخبة ،صور مبهجة وأخرى محزنة، صور بسيطة و أخرى مركّبة، كلّها من فسيفساء العمر وفتافيت الزّمان .
وتبقى صورة أمّي أجمل وأروع من كلّ الصّور. رسمت بمداد الحبّ ونسجت من إبريز الحنان، وطرّزت بحرير المعاني من كلّ اللّغات. تسكنني صورة أمّي مؤنسة وحدتي في رحيلي وعلى إيقاع سرعة السّيارة تهدهدني بصوتها الملائكيّ فتوقظ فيّ انتشاءة الحالم فأناجيها : (أمّاه يا وردتي الحمره . كنت لي في صقيع العمر بُرده. وفي سعير الدّهر نسمة عذبه .دثّريني دثّريني لأرى وجهك في لياليّ نجمه . أمّاه ! يا ريحانة البساتين ! و يا من كنت في حياتي أعذب الترانيم.
لم أكن أعلم لهديّتي هذه نبضا يحرّك نبضي ، ولم أتخيّل أنّ رغبة الكتابة تولد وتنبع من هذه الشّاشة الصّغيرة الشّهيّة المطلّة على العالم الشفّاف الأزرق. هديّة غالية لأنّها من ابني الّذي قسا الدّهر علينا فنبت الصبّار والعوسج على عتبات الوقت. هذا الصّندوق الصّغير ، جنائن ورد وفلّ وياسمين ،وحدائق الرّوح ثملى بالمحبّة الوارفة.
ها أنا أكتب على صفحات الصّندوق ذاكرتي وأشدّ على تلابيب الكلمات والمعاني والصّور بكلّ الخلايا وحروفي تتسابق مع أشجار الزّيتون على جنبات الطّريق ، في مشهد تشكيليّ سرياليّ عجيب ، أوراق شجر الزّيتون العابقة برحيق الزّيت والّشيح تنسج رداء القصّة خيطا خيطا ، وتحكي رحلتي لربوع الطّفولة مع رحلة الحقيبة السّوداء:
تثاءب صباح يوم الأحد ثقيلا نفخ فيّ خمولا لم أعهده ، فكّرت في نزهة لكنّ الطّقس بارد والسّماء ملبّدة بسحب كثيفة ، لذت لبعض الأعمال في حديقتي لكنّي لم أشعر بلذّة العمل المعتادة . تركت بعض النّباتات على الطّاولة على أمل غرسها لاحقا.
وقصدت مكتبتي بحثا عن فسحة بين صفحات كتاب ،وما إن غصت في القراءة إذ رنّ هاتفي المحمول، إحدى قريباتي على الخطّ :
- الو سوسن صباح الخير
- صباح النّور سمر
- الله يفرحك سوسن ، بنتي سلمى رجعت من الجزائر عبر الحافلة وها هي ستكلمك
- الحمد الله على سلامتها ، كم شهر بقي لها لتناقش رسالة الدكتوراه ؟؟
- ها هي معك ستحدثّك
- ألو تاتا سوسن ..لا باس كيف حالك ؟ صحتك بخير ؟ أولادك بخير ؟ إن شاء الله صحتك جيدة .
- أهلا سلمى الحمد الله على سلامتك ، رجعت عبر الحافلة ، لا بدّ أنّك تعبت . كيف حال ظروف جامعة بومدين الجوّ الجامعي فيها والحياة بالجزائر ” باهية ” ؟
- لا باس والحمد لله . يعيّش تاتا ، راني نسيت حقيبتي بمحطّة الحافلات بالجزائر ،لأنّي غيّرت الرّكوب في الحافلة الّتي انطلقت مبكّرا وتركت حقيبتي في الحافلة الأولى، ومراقب الحقائب وعدني أن يرسلها لي لاحقا مع السّائق.
- جيّد ، الحمد الله توفقت لإرسالها لتونس بارك الله فيهم
- يعيش تاتا الله يفرحك ، السّائق الجزائري هاتفني وهو قريب الدّخول لمحطّة باب عليوة وقال لي:” لن يسلّم الحقيبة إلاّ لي شخصيّا، لكنّي أعطيته هاتفك واسمك كي تتسلّمينها منه ، وهو مستعجل لأنّه سيعود للجزائر
- “باهي ” إن شاء الله أجد ” تاكسي ” لأنّ سيّارتي معطّبة، أرسلي رقم هاتفه وسأخرج نحو محطّة باب عليوة حالاّ .
رتّبت هندامي على عجل ، و هاتفني السّائق الجزائريّ ملحّا عليّ اللّحاق بمحطّة باب عليوة فهو مرتبط بموعد انطلاق الحافلة نحو مدينة قسنطينة ومضطرّ لتسليمي الحقيبة ولا يستطيع تركها في مكتب المحطّة.
طمأنته :” مسافة الطريق ” وأنا في انتظار التّاكسي. انتظرت نصف ساعة والسّائق لا يكفّ عن مهاتفتي وهو يتذمّر من بطئي وأنا محتارة بين أوامر السّائق وأوامر سلمى الّتي هي الأخرى متخوّفة على ضياح حقيبتها مرّة ثانية. وقفت تاكسي أمام بيتي تحمل امرأتين ورضيعة يسألني سائقها عن عنوان فدللته عليه و رجوته أن يوصلني للمحطّة بعد إيصال المرأتين وقد قصصت عليه حكاية الحقيبة بإيجاز. قبل طلبي عن طيب خاطر ،متعاطفا معي معلّقا على هذه المفاجآت بقوله :”يجيك البلا يا غافل “، كم ينقصنا النّظام نحن العرب نعيش الفوضى طولا وعرضا”.
واصلنا السّير نحو محطّة باب عليوة والسّائق يطوي الأرض طيّا وقد طمأن السّائق الجزائري أنّنا سنصل بعد ربع ساعة و وصف له نوع سيّارته ورقمها ، وصلنا المحطّة وبقي سائق التّاكسي في انتظاري للعودة بالحقيبة الأمانة.
دخلت ساحة وقوف الحافلات ،هاتفت السّائق الجزائري ،لم يظهر ، رحت أسأل عن حافلة قسنطينة فلا دليل ، ولا جواب، كرّرت مهاتفة السّائق فردّ قائلا : ” تعالي نحو الحافلة ذات اللّون الأخضر” فرددت عليه :” يا خويا الحافلات الخضراء كثيرة. حدّد مكانك بدقّة. أو اخرج لأراك”. تقدّمت قليلا نحو الجهة اليسرى فإذا بشابّ بدين يتدحرج في مشيته يجرّ حقيبة سوداء فعرفته وأعطيته بعض المعلومات عن صاحبة الحقيبة ! اطمئنّ إليّ وسلّم لي الحقيبة.
تنفّست الصّعداء وعدت بالحقيبة قابضة عليها كمن يقبض على كنز ثمين ،ساعدني سائق التّاكسي على وضعها في الخلف ، معلّقا :” الحمد لله على وصول الأمانة”.
وصلت إلى بيتي منهكة من السّرعة واللّهاث ، هاتفت سلمى طمأنتها على وصول حقيبتها ووعدتها أن أوصلها لها بعد يومين ، وأودعت الأمانة في غرفة الأثاث الزّائد ودسستها بين الثّلاجة والغاز وأغلقت الباب بالمفتاح.
قاصة من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي