الرئيسية / الأعداد / محمد أيت لحساين: كاتبا وممثلا – كريم بلاد

محمد أيت لحساين: كاتبا وممثلا – كريم بلاد

محمد أيت لحساين: كاتبا وممثلا

 كريم بلاد*

كان شيكسبير ممثلا رديئا، ولكنه كاتب عبقري، وكان الطيب الصديقي ممثلا جديرا بتمثل قولة أستاذه الناقد الفرنسي جان فيلار Jean VILAR عندما قال له: “اِنس ما تعلمته في فرنسا، وابحث عن المسرح في بلدك”[1]، كما كان كاتبا مسرحيا جديرا بالاحترام على مدى سنوات عطائه الممتدة طويلا. ولعل صاحبي محمد أن يكون أيضا ممن تمثل قولة أساتذته الكثر في المسرح، وليس الأستاذ الواحد فقط، فقد تعلم من الكبار، يقرأ لهم، ويناوش أفكارهم، ما حمله على أن يكتب، ويخرج، ثم يمثل.

هذا وإن المسرح مرتبط في نشأته بتعدد المواهب، فالمؤلف الدرامي كان شاعرا، وممثلا، ومخرجا قبل أن يحظى الإخراج بما حظي به من اهتمام منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولعل تجليات ذلك أن نلمسها في صاحبي محمد، فهو ممثل ومخرج ومؤلف و”شاعر”، لم يقل الشعر من قبل، ولكن النص الدرامي “شغب”[2] فيه مقاطع من شاعرية منفردة، تترجم حساسية داخلية وتمثلا بالشعر قمينا بالملاحظة، ولا أدل على ذلك من البرولوغ الذي صدر به النص، وجعله مفتتح العرض المسرحي بصوت قوي وشاعري وحالم وقوي في الوقت نفسه.

مناسبة هذه الكلمة المقتضبة العرض المسرحي “شغب” الذي شهدته ضمن احتفالية ليالي رمضان 1446ه، التي تقيمها جماعة أكادير بمناسبة الشهر الفضيل، مرتين: الأولى بقاعة الحاج محمد الحبيب بأنزا يوم 20 مارس، والثانية بقاعة إبراهيم الراضي يوم 22 مارس. العرض المسرحي الذي عرف بروز شخصيتين اثنتين فقط على مدار مدته التي قاربت خمسين دقيقة. مثلت إلى جانب محمد الفنانة علية الطوير خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، ممثلة ومخرجة للعمل، الذي شارك فيه إلى جانبها في السينوغرافيا والموسيقى والصوت وإدارة الخشبة كل من عبد الرحيم إمزيلن وشهرزاد شبو وهشام حركي وعبد الكبير بن جدي. استأثر العرض باهتمام الجمهور الذي تابع فرجته بتفاعل لا مثيل له، أبان عنه من خلال التصفيق الذي استطاعت الفرجة في العرض أن تنتزعه من الجمهور بين الفينة والأخرى.

ولعل الانطباعات التي تلقاها الفريق في نهاية العرض أن تكون دليلا على ما ذهبنا إليه.

وأعود إلى صاحبي…

لم أر صاحبي ممثلا من قبل، ولكني على علم بدوراته التكوينية التي يقوم بها متطوعا، ساعيا إلى تربية النشء على التمثيل والحركة المسرحية، وما دام قد بصم اسمه في هذا المجال، فإن ذلك مظهر من مظاهر قدرته على التمثيل، بل والإجادة فيه. ليس تكوينه فقيرا، وإنما هو غني، يستبطن مختلف النظريات التي ظهرت على مستوى إعداد الممثل، خاصة عند ستانيسلافسكي.

تقمص محمد في العرض المسرحي “شغب” شخصيات متعددة، ومتباينة المواقف والرؤى الفكرية، ومتفاوتة المشاعر والطموحات النفسية، ومتغيرة الطباع والعلاقات المنسوجة مع مختلف الشخصيات التي تقمصتها من جهتها الممثلة علية الطوير. أبان محمد صاحبي عن قدرة على تقمص الدور، وعلى الانتقال من دور إلى آخر، والعودة إلى الدور السابق، بل والإجادة فيه متنقلا على الركح، وخالقا بجسده اليتيم “فرجة فنية”، لعل ما جمَّلها أكثر عمله خلال العرض كله على ممارسة التشكيل، والاشتغال على اللوحة الفنية مؤديا ومتفاعلا، منخرطا في الحوار، وثائرا منقلبا إلى ذاته، دون أن يفقد زمام إتمام اللوحة “غير المشوهة”، إنه كان يمثل ويرسم ويخاطب ويرقص ويبكي ويضحك ويتأمل ويتألم ويناجي ويجلس ويقف ويمشي ويتوقف ويسقط ويقف وأدوات الرسم لا تفارق يديه، لقد كان “فنانا” تشكيليا، وفي الوقت نفسه “فنانا” على الركح. غمره لوحده بصوته القوي، وتلويناته بين الطفل الذي كانه والرجل الذي صار إليه “شادا طريق الله” والرجل الذي تحول إليه “زائغا عن طريق الله إلى طريق العبد”.

إن محمد صاحبي كان يمثل ما كتبه.

 

أكادير ليلة 29 مرس 2025م.

 

باحث في المسرح من المغرب

 

 

[1] الكغاط، محمد، المسرح وفضاءاته، البوكيلي للطباعة والنشر، 1996، هامش رقم 137، ص. 165. وفي كتاب علي الراعي “المسرح في الوطن العربي” إشارة إلى تتلمذ الطيب الصديقي على يد جان فيلار بفرنسا. سلسلة عالم المعرفة، العدد 25، 1979، ص. 16.

[2] أخذ النص من مسرحيته “اللوحة المشوهة” التي صدرت عن الهيئة العربية للمسرح عام 2015م.

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً