الرئيسية / الأعداد / تافراوت بين صمت الجبال وهمس الأساطير: قراءة في لوحة فوتوغرافية – قراءة: عبدالعزيز الخبشي

تافراوت بين صمت الجبال وهمس الأساطير: قراءة في لوحة فوتوغرافية – قراءة: عبدالعزيز الخبشي

تافراوت بين صمت الجبال وهمس الأساطير: قراءة في لوحة فوتوغرافية

قراءة: عبدالعزيز الخبشي*

 

تمثل الصورة الفوتوغرافية المعروضة للفنان الفوتوغرافي العالمي سعيد أوبرايم، مشهدا خلابا من منطقة تافراوت المغربية، وهي عمل يختزل مهارة فنية دقيقة ورؤية جمالية متفردة. حيث اعتمد الفنان الفوتوغرافي في التقاط هذه الصورة على تقنية الإطار الطبيعي، وتم من خلالها توظيف الصخور الضخمة المحيطة لتشكيل نافذة طبيعية تطل على جبل متراص يبدو كأنه صرح من نحت الطبيعة نفسها. هذه التقنية الذكية تخلق إحساساً بالعمق وتعزز التركيز البصري على مركز التكوين، حيث يتربع الجبل شامخاً وسط المشهد. اختيار زاوية الالتقاط لم يكن اعتباطياً، بل جاء مدروساً بعناية، إذ حرص الفنان على خلق توازن بصري بين الصخور التي تؤطر الصورة والجبل الذي يشكل موضوعها الرئيسي، مما يمنح إحساساً بالاحتواء والاحتضان وكأن المشهد يُعرض من خلال عين الطبيعة ذاتها.

من حيث التكوين الفني، نجد توزيع العناصر يتبع قاعدة التوازن الديناميكي، فالصخور المظللة في المقدمة تخلق تبايناً صارخاً مع خلفية الجبل المشمسة، مما يمنح العمل قوة تعبيرية مضاعفة. الضوء والظل هنا ليسا مجرد تفاصيل تقنية، بل يتحولان إلى أدوات سردية، فالظلال الثقيلة تضفي عمقاً وغموضاً، فيما يضفي الضوء المسلط على الجبل لمسة من القداسة والسمو، وكأن الطبيعة نفسها تسلط أضواءها على معلم خفي من معالم الذاكرة والهوية.

لون الصخور الداكن المائل إلى الحمرة يتناغم مع لون الأرض الجافة والنباتات المتناثرة، مما يعزز وحدة الألوان ويخلق انسجاماً لونيًا يذكر بالموروث الثقافي والمعماري للمنطقة، حيث تغلب الألوان الترابية في البيوت والملابس التقليدية. وتبدو المباني الطينية في أسفل المشهد جزءاً عضوياً من الطبيعة، غير منفصلة عنها، مما يعكس فلسفة عيش الإنسان في تافراوت بتناغم مع محيطه، دون عنف أو افتعال.

أما من حيث الرمزية، فإن الجبل المتراص وسط الصورة يبدو وكأنه يد تحمل حجارتها باتجاه السماء، كناية عن صمود الإنسان التافراوتي وجبروته في مواجهة الزمن والظروف. الصخور التي تشكل الإطار توحي أيضاً بفكرة الانبثاق أو الخروج من العتمة نحو النور، وكأن الصورة تحكي عن مسار الإنسان من ظلمة المعاناة إلى أفق الأمل. الرؤية البصرية الموجهة عبر الإطار الصخري تفرض على المتلقي نظرة محددة نحو الجبل، ما يجعل من الصورة دعوة صامتة للتأمل في قوة الثبات والاستمرارية في عالم متغير.

على مستوى التعبير الأدبي والفني، تحمل هذه الصورة نَفَسًا تأمليًا عميقاً؛ فهي ليست مجرد نقل بصري لواقع جغرافي، بل هي إعادة صياغة للمكان ضمن بعد أسطوري وزمني متعال. الجبل لا يظهر فقط ككتلة صخرية، بل ككائن حي نابض بالحكايات والأساطير. والمشهد برمته يبدو كأنه لحظة معلقة بين ماضٍ سحيق ومستقبل غامض، لحظة جمّدها الفنان بعدسته بحس شاعري يترجم ولعه بالمكان وشغفه بجمالياته الخفية.

في اختيار لحظة الالتقاط أيضاً دقة بالغة، إذ نلاحظ أن الإضاءة طبيعية، ربما التُقطت الصورة في منتصف النهار أو قريباً منه، حيث تكون الظلال حادة بما يكفي لرسم تضاريس المكان دون أن تغرقه في العتمة، مما يبرز تفاصيل الجبل والتشكيلات الصخرية بطريقة تفيض بالحياة والوضوح. كما أن غياب الأشخاص عن المشهد يمنحه طابعاً كونياً مجرداً من الزمان والمكان، ليصبح الجبل رمزاً للثبات، والصخور المحيطة رمزاً للأزلية.

مما لا يمكن تجاهله أيضاً هو أن هذه الصورة تحترم إيقاع الصمت، فثمة سكون يلف المشهد، وكأن الطبيعة قد حبست أنفاسها للحظة كي تتيح للمتلقي الإنصات إلى صوت الحجارة والريح. هذا السكون العميق ليس فراغاً، بل هو دعوة للغوص في أعماق الذات والتصالح مع الجذور، مع الأرض، مع الوجود الأول.

وإذا شئنا الإحاطة أكثر بالجانب العلائقي بين الصورة والمكان، فإن هذه اللوحة الفوتوغرافية تحمل بعداً هوياتياً قوياً. تافراوت، بجبالها وصخورها الغريبة التشكيل، كانت وما تزال فضاءً رمزياً للحرية والارتباط الوثيق بالطبيعة. الصورة تعيد تذكير المتلقي بهذه العلاقة الحميمية، وتضعه أمام معمار طبيعي يتحدى النسيان ويستدعي الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة وأحلامهم وأهازيجهم وأناشيدهم البدوية.

عند الغوص أكثر في التأثيرات الثقافية والأسطورية المحلية، يظهر لنا أن تافراوت ليست مجرد أرض صخرية جميلة، بل هي أرض مشبعة بالأساطير والأحلام الشعبية. الجبال هنا تحكى عنها القصص بأنها كانت مساكن للجن أو معاقل للأبطال الأسطوريين الذين تحدوا الغزاة والريح. كثير من صخور تافراوت ارتبطت في المخيال الشعبي بحكايات عن صخور تتحرك ليلاً، أو تتبدل أشكالها بفعل قوى غيبية. المشهد الظاهر في الصورة، بجبله المنتصب ككف عملاقة، يستدعي في الذهن تلك الأساطير القديمة عن العمالقة الذين سكنوا الأرض قديماً، أو عن الأرواح الحارسة التي اتخذت من الصخور موطناً أبدياً لها.

الارتباط الروحي بالمكان يتجلى أيضاً في الطقوس والعادات التي كان يمارسها السكان المحليون في حضرة الجبال، مثل تقديم القرابين البسيطة أو ترديد الأدعية طلباً للبركة أو الحماية. ولعل إحاطة الجبل بالصخور كإطار طبيعي يعيد إلى الذاكرة فكرة الحماية الروحية، كأنما الجبل محروس بأذرع الطبيعة، أو كأن الصخور تقوم مقام الحراس الصامتين الذين يمنعون الشرور من الاقتراب من هذا المعلم المقدس.

هكذا تصبح الصورة ليست مجرد وثيقة بصرية، بل بوابة إلى عالم أسطوري حي، تتداخل فيه الأزمنة وتتلاقى الأساطير مع الجغرافيا، مما يمنح العمل بعداً وجودياً يضع المتلقي أمام تساؤلات كبرى عن الأصل والهوية والارتباط بالأرض. هذه اللوحة الفوتوغرافية إذن هي مرآة صادقة لروح تافراوت، بل لروح الإنسان الأمازيغي عامة في تشبثه العميق بالجبل كرمز للحياة والصمود والكرامة.

 

فاس 26 أبريل 2025

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً