حين تتحول النعمة إلى أداة للشر

عادل عطية*
ما إن قضم الشريكان في المعصية من الثمرة المحرمة، حتى انفتحت أعينهما، وأدركا عريهما، واكتشفا خجل الجسد بعد السقوط.
ومع أن الحية وعدتهما بمعرفة الخير والشر، فإن نسلهما كثيرًا ما آثر الشر على الخير، بل حوَّل ما أودعه الله من خير إلى وسيلة للشر.
فالغريزة الجنسية، التي جعلها الله أداة للتكاثر والتعمير، ومجالًا لمشاركة الإنسان في أعجوبة الخلق والحياة، تحولت عند كثيرين إلى أداة لإشباع الأهواء، وإدامة سلطان الشر. وهكذا صار الجسد يطلب التحرر من كل قيد، أو يتوهم أن الحرية لا تكون إلا بإطلاق الشهوة.
فنرى من لا يفتأ يزهد فيما أُبيح له، ويتطلع إلى ما في أيدي غيره، كمن يترك طعام بيته ليشتهي ما على موائد الناس، مفتونًا بما لم يذقه، حتى لو لم يبق في الأرض إلا امرأة واحدة، لظن أن فيها ما ليس في سواها.
وتستبد به رغبة الهيمنة، فيشتهي أن يهدم كرامة رجل آخر، ويدنس حرمة بيته الزوجي، وكأن انتصاره لا يكتمل إلا بانكسار غيره.
ولعل هذا ما يفسر قول الفرزدق لامرأته، بعد قصة خيانة وخداع: «ما أطيبك حرامًا، وأردأك حلالًا!»، في تصوير بليغ لما يفعله الهوى حين يقلب الموازين، فيزين الممنوع ويزهد في المباح.
ونرى آخرين يعيشون صراعًا مريرًا؛ فتجذبهم أقدامهم ليلًا إلى المعصية، بينما يجذبهم عقلهم وضميرهم نهارًا إلى التوبة والتكفير، فيبقون أسرى التمزق بين الشهوة والندم.
ومن أعماق هذه التجربة القاسية تنطلق صرخة موجعة: «ويلاه! أيها القلب المفجوع، الذي لا يستطيع أن يحفظ آية من كلام الله قرأها مائة مرة، في حين لا تنمحي منه صورة امرأة لم يرها إلا مرة واحدة!»
إن الذين خبروا ضراوة الشهوة، وذاقوا ما فيها من استعباد، حتى غدت في نفوسهم ضربًا من الذل يشبه ذل الجوع والعطش، قد يتمنون لو أن أبوينا الأولين لفظا تلك الثمرة المحرمة قبل أن تستقر في جوفيهما، حتى لا يذوق نسلهما مرارة هذا الصراع الطويل مع شهوات الجسد.
كاتب من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي