حوار مع الشاعر والناقد والمترجم حسني التهامي
حاوره الشاعر الحسن الگامَح
عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال ومجلة مدارات الثقافية صدر مؤخرا للشاعر والناقد والمترجم حسني التهامي كتاب: “الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال ماتسو باشو”
هو ترجمة لديوان شعر ياباني شهير، من تأليف ماتسو باشو، أحد رواد الشعر الياباني في القرن السابع عشر. قام بترجمة الكتاب حسني التهامي، وهو شاعر وناقد وباحث، عن النسخة الإنجليزية لتيم تشيلكوت.
يتناول الكتاب تجربة الشعر الياباني، خاصة فن الهايبون والهايكو، ويقدم للقارئ العربي لمحة عن حياة وثقافة الشاعر ماتسو باشو. يحتوي على ترجمة الديوان بالإضافة إلى دراسات تعريفية وتحليلية حول الشاعر وأعماله.
وهو الكتاب السابع لمدارات الثقافية، يقع في 144 صفحة. ويضم الأبواب التالية:
-
- تقديم الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال د. المختار النواري
- فن الهايبون
- الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال
- ماتسو باشو ، 1644-1694
- 1.حياته الباكرة :
- 2.الطريق إلى الشهرة:
- 3.التأثير والنقد الأدبي :
- على خطى الشاعربقلم “هوارد نورمان” (Howard Norman)
- من أشعار باشو
- ورقة تعريفية بالمترجم حسني التهامي.

عن الترجمة والتفاعل مع النص الياباني:
كيف كانت تجربتك الأولى في ترجمة “الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال؟
“مما لا شك فيه أن الترجمة، في حد ذاتها، فنٌ قائم بذاته، يواجه فيه المترجم صعوبات عديدة – خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنص لكاتب كبير وعميق مثل باشو. فهو ليس مجرد شاعر، بل مفكر يحمل بعدًا فلسفيًا وعمقًا فكريًا نادرًا. وما زاد الأمر تعقيدًا أنني أترجم عن ترجمة، أي من اليابانية إلى الإنجليزية، ثم إلى العربية. ولهذا، اعتمدت على عدة ترجمات ومصادر مختلفة، في محاولة للإحاطة بروح النص الأصلي قدر المستطاع.
لقد كانت مغامرة — وأية مغامرة! “الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال” ليس مجرد رحلة عابرة، بل هو سعيٌ نحو الأبدية، كما فهمها باشو عبر الشعر. إنها العتبة الأولى نحو معرفة كونية، تتحقق من خلال تماهي الذات مع الطبيعة. لقد تخلّى باشو عن الحياة المادية التي لم يرَ لها قيمة، واختار المغامرة الروحية، ذلك الطريق الشائك الذي كاد أن يمزق روحه المرهفة ويفتك بجسده المنهك.
- ما التحدي الأكبر الذي واجهته أثناء ترجمة نصوص تحمل روح الزِن والهايكو؟
كل كلمة وجملة في هذا الكتاب تحمل بعدًا فلسفيًا عميقًا مستمدًا من فلسفة الزن، وهذا بحد ذاته يشكّل تحديًا، لأنه يستدعي التأمل والبحث في جوهر هذه الفلسفة. لكن ما يميز باشو، أنه عندما يكتب، لا يكتب بعقل الناقد أو الفيلسوف، بل بروح الفنان الذي تستحضر فرشاته الإبداعية روح الطبيعة وتغيراتها الموسمية، لتشكل عالم النص.
والقارئ لفن الهايبون لا بد له من فهم طبيعة هذا الشكل الأدبي الفريد، الذي يجمع بين النثر والهايكو، ليس فقط على مستوى الشكل، بل أيضًا على مستوى الرؤية والمضمون.
وهنا يجب التنبيه إلى نقطة مهمة: عندما نذكر الزن، لا يعني ذلك أن ما يكتبه شاعر الزن مرتبط مباشرةً بديانته – أي البوذية – بقدر ما هو انعكاس لحالة تأملية، ترى في الطبيعة والتفاصيل الكونية مصدرًا للإلهام الشعري والسعي نحو الكمال الروحي.
عندما كنت أترجم، كنت أحرص على نقل روح النص إلى القارئ دون المساس بمعناه الأساسي. لكن كمترجم يكتب بالعربية، كنت أُولي اهتمامًا خاصًا بتبسيط المفردة، حتى تصل إلى القارئ بلغة سلسة بعيدة عن التعقيد – فالهايكو، بطبيعته، فن يقوم على البساطة والعمق معًا.
وحين أنهيت المسوّدة الأولى، عدتُ إليها بالتنقيح والمراجعة، وبدأت أتوحّد مع النص، كأنه لي. صارت بيني وبينه علاقة حميمية، وعشق خاص، وبدأت ألمس في السطور وهجًا داخليًا يشير لي أنني على الطريق الصحيح. كنت أقرأ وأشعر بالسكينة، وكأن النص، في ترجمته، قد بلغ حالة من التوازن.
2. هل كانت الترجمة عن الإنجليزية ابتعادًا عن الأصل الياباني أم ضرورة مرحلية؟
أحسست أن ترجمة هذا النص إلى العربية ضرورة ملحّة، لحاجة المكتبة العربية إليه، نظرًا لأهميته كمدخل لا غنى عنه لفهم تجربة باشو والتعرّف على فن الهايكو. فهذا الكتاب – رغم صغر حجمه – اعتبره بعض النقّاد درّة تاج الأدب الياباني، بما يحمله من كثافة شعرية وتأملات وجودية عميقة.
صحيح أنني لم أقرأ النص الياباني الأصلي، لكن قراءتي لعدة ترجمات إنجليزية منحَتني تصورًا واضحًا عن روح الكتاب وبنيته وأحداثه، مما سمح لي — كمترجم — بأن أقترب من عالم باشو برؤية متأنّية، وأقدّمه للقارئ العربي بشكل يتوخى الأمانة والوضوح في آنٍ واحد.
هل وجدت أن الترجمة فتحت لك بابًا جديدًا في الشعر أو أعادت تشكيل ذائقتك؟
“لقد أتاحت لي تجربة الترجمة آفاقًا واسعة من الثراء المعرفي والجمالي، وهذا – بشكل طبيعي – يعمّق التجربة الإنسانية برمّتها. فمن خلال الترجمة، يُعاد تشكيل الشعر من جديد، وتنفتح مجالات لا حدود لها للتجريب والإبداع، حيث تتداخل الثقافات وتتغذى اللغة على تجارب الآخرين، فتولد نصوص تحمل روحًا جديدة، لكنها تظل وفية لجذورها الأصلية.”
عن شعر الهايكو وتجربة باشو:
- كيف تعرّف الهايكو من خلال تجربة ماتسو باشو؟
الهايكو هو لحظة جمالية تأملية، تصوّر مشهدًا حسيًا من الطبيعة، تتماهى فيه الذات الشاعرة مع الأشياء من حولها. غالبًا ما يتكوّن النص من مشهدين متباعدين أو متنافرين ظاهريًا، لكن هذا التنافر هو ما يولّد فجوة التوتر الشعري، تلك الفجوة التي تُشعل شرارة الدهشة في لحظة يصطدم فيها الوعي بطبيعة الأشياء المفاجئة.
ومهمة الشاعر – أو الهايجِن – في هذه الحالة، ليست إنتاج المشهد، بل الكشف عن اللحظات العابرة وتقديمها بطريقة غير متوقعة وصادمة، دون أن يُغيّر من طبيعة الأشياء، بل يُضيء ما خفيَ من جمالها.
الهايكو، إذًا، من منظور باشو، هو لحظة تأملية تلتقط الأشياء كما هي، لكن بعين فنان يرى ما لا يُرى، ويعي جوهر الوجود في تفاصيله الدقيقة.
2. هل تعتقد أن روح باشو في “الطريق الضيق” تنتمي للزمن الماضي، أم تتجدد معنا الآن؟
في الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال، ينطلق باشو من الماضي — ماضي الأمكنة والقصص والأساطير — إذ يمكن اعتبار هذا الكتاب محاولة لإعادة سرد الذاكرة اليابانية من منظور شعري تأملي. يظهر ذلك جليًا في وصفه الدقيق لتفاصيل الأشياء، مثل شجرة الصنوبر العتيقة، وهو وصف لا يعكس فقط براعته اللغوية، بل يكشف عن قدرة نادرة على النفاذ إلى روح الأشياء.
لكن هذه الرحلة التي بدأت من عمق الماضي، لم تكن سوى وسيلة لرحلة أخرى أعمق: رحلة الشاعر نحو المجهول، نحو الأبدية التي لم يسعَ إلى الإمساك بها إلا من خلال التأمل العميق في العالم الخارجي والداخلي معًا. هذه “الذات الأبدية” التي يشير إليها باشو، ليست سوى الشعر ذاته — الشعر كطريقة وجود، لا كشكل فني فحسب.
قام باشو بأربع رحلات مختلفة، وكان الهدف الأساسي منها هو تطوير الشعر، والبحث عن جمالية الكارومي – أي “الخفة” – التي تمكّن عبرها من إزاحة الأنماط التقليدية التي ظل فن الهايكاي يعاني منها طويلًا.
لقد كان باشو من أولئك الشعراء الاستثنائيين المهووسين بالتجريب والتجدد. وهو ما عبّر عنه الناقد والمترجم الأمريكي “ريجينالد هوراس بليث” بدقة حين قال: ‘ما يجعلُ باشو واحدًا من أعظمِ شعراءِ العالمِ، هو أنه عاشَ الشعرَ الذي كتبه، وكتبَ الشعرَ الذي عاشه.'”
3. ما الذي يجعل لحظة صغيرة في الطبيعة، كما في الهايكو، تماثل قصيدة طويلة من حيث الأثر؟
رغم بساطته الظاهرة، فإن الهايكو تجربة شعرية عميقة تختزل العالم والوجود في لحظة خاطفة. يقوم هذا الفن – في جوهره -على خاصيّتَي التكثيف والإيجاز، إذ يستطيع الشاعر، من خلال ثلاثة أبيات لا تتجاوز أحيانًا ست كلمات، أن يقول كل شيء.
الهايكو أيضًا نص غير مكتمل بالمعنى التقليدي، فهو مساحة مشتركة بين الهايجِن والمتلقي، حيث تسهم القراءة الواعية في إتمام دلالته. فبنيته تعتمد على خاصية التجاور (Juxtaposition)، أي وضع صورتين أو لحظتين متباعدتين جنبًا إلى جنب، لخلق توتر شعري يوقظ الدهشة، ويفتح باب التأمل ويحرك ذهن المتلقي..
4. برأيك، هل يمكن للشاعر العربي أن يكتب هايكو “صادقًا” دون محاكاة مفرطة للشرق؟
لقد بدأ الوعي العربي بالهايكو يتشكّل بوضوح، ولم يعد هذا الفن مقتصرًا على الترجمة أو التلقي، بل أصبح هناك هايكو عربي أصيل، ينقل التجربة الذاتية والبيئية للهايجِن بكل تفاصيلها وعبقها، بعيدًا عن محاكاة النص الياباني التقليدي.
ولعل ما يميز هذا التوجه الجديد هو انصهار روح الهايكو مع نكهة اللغة العربية وسحرها، تلك اللغة التي تمتلك ثراءً فريدًا ومرونة اشتقاقية تجعل النص العربي نابضًا بالحيوية والجمال، وقادرًا على التعبير عن أدق المشاعر وأعمق اللحظات التأملية.”
5. في ظل تركيز باشو على التفاصيل، كيف ترى العلاقة بين الشعر والبساطة؟
في ظل تركيز باشو على التفاصيل الدقيقة، يظهر بوضوح أن البساطة ليست مجرد غياب للتعقيد، بل هي مدخل إلى عمق الشعر. كل كلمة في هايكو باشو ليست عبثًا، بل تحمل وزنًا يعادل الفكرة الكاملة التي تنبثق من مشهد بسيط. كانت رحلة باشو إلى الشمال رحلة تهدف إلى تطوير الشعر، والارتقاء به، والتخلص من الألفاظ المنمقة التي لا تضيف شيئًا للشعر الحقيقي.
في هذا السياق، تصبح العلاقة بين الشعر والبساطة علاقة تكاملية؛ إذ يُقدّم الشعر ليس كصورة معقدة وغامضة، بل كانعكاس لحظة جمالية نادرة. الفكرة هنا أن البساطة تفتح أمامنا مسارات للدهشة والتأمل، فهي تتيح للشاعر أن يبرز التفاصيل الصغيرة التي نغفل عنها عادة، وبالتالي يُتيح للقارئ اكتشاف رؤى جديدة وأفاقا أرحب.
عن علاقتك الخاصة بالهايكو:
1. كيف أثرت ترجمة هذا العمل في رؤيتك للقصيدة العربية؟
بعد الانتهاء من ترجمة هذا العمل الأدبي المهم، أصبحت قادراً على الوقوف على جماليات الهايكو الحقيقية، واتسعت رؤيتي للفن والحياة. بلا شك، فالشعر العربي غني بأشكاله التقليدية المعروفة من القصيدة الكلاسيكية، والتفعيلة، والنثر، والإبيجراما (التوقيعة)، لكن الهايكو، بما يحمله من خصائص وجماليات جديدة، يُعدّ فناً لافتًا جديرًا بالاصطفاف مع الأشكال الشعرية الأخرى. إنه نمط تجريبي قادر على تغيير الذائقة العربية، التي غالبًا ما تميل إلى النص المسموع، لصالح القصيدة التأملية التي تخاطب الذهنية النشطة.
2. هل ترى في الهايكو إمكانية لتجديد الشعر العربي؟
عندما تنضاف أشكال تجريبية إلى جانب الأنماط الشعرية المتاحة للمتلقي، فسوف يتعرف الشاعر العربي، لا سيما المتطلّع إلى التغيير الدائم في تجربته الفنية، فمن الطبيعي ستكتسب القصيدة العربية روحا جديدة تغير من أنفاس الشعر. ما كان يميز أحمد شوقي عن غيره من شعراء جيله هو ثقافته المتنوعة واطلاعه على منتج الشعراء غير العرب، إلى جانبه دراسته العميقة للتراث الشعري. ومن هذا المنطلق، يعد الهايكو نقلة نوعية تثرى المشهد الشعري في عالمنا العربي.
3. هل تفضل كتابة الهايكو في طبيعته الثلاثية (5-7-5) أم تراه حرًّا متحولًا؟
5-7-5 هي مقاطع صوتية تتميز بها اللغة اليابانية دون غيرها من اللغات الأخرى، وهي الشكل التقليدي للهايكو. ومع مرور الوقت، تخلى كثير من الشعراء اليابانيين عن هذا الشكل التقليدي، كما تخلّوا عن الكيرجي (علامة القطع) والكيغو (الكلمة الموسمية) في أعمالهم المعاصرة، وبدأوا في كتابة ما يُعرف بـ ‘الموكي هايكو’. بالنسبة لي، كتبت بالفعل تجارب شعرية تحتفظ بالخصائص الكلاسيكية للهايكو، وفي نفس الوقت هناك نصوص تجريبية تنطلق من الذات وتفاصيل الأشياء المحيطة بالبيئة العربية، سعيًا لتشكيل نص شعري خاص ينقل تجربتي الشخصية في هذا الفن.
4. ما المقطع الذي بقي في ذاكرتك ولم يفارقك منذ أن ترجمته؟
استوقفتني كثير من النصوص التي قمت بترجمتها، لا سيما تلك المفعمة بالمشاعر الإنسانية مثل هذا النص:
ريح عاتية –
أم وطفلها الرضيع
في حمى الفزاعة.
(كوباياشي إيسا)
يسعى إيسا في هذا النص البسيط إلى اقتناص اللحظة الجمالية، عبر تأمل طبائع الأشياء والتماهي معها. ففي سعيه لاكتشاف الجمال الكامن في هشاشة الحياة، يبرز التوتر بين الطبيعة والمشاعر الإنسانية. الريح العاتية تمثل قوة الطبيعة المدمرة، بينما الفزاعة والطفل الرضيع يرمزان إلى هشاشة الكائنات في مواجهة قسوة الحياة، مما يعكس جوهر فلسفة إيسا التي تحتفل بالتفاصيل الصغيرة والحظات العابرة.”
عن التلقي العربي للهايكو:
1. هل القارئ العربي مهيأ لاستقبال شعر الهايكو؟ أم لا يزال بعيدًا عن ذائقته؟
مع تسارع أنماط الحياة المعاصرة، أصبح الهايكو قريبًا إلى الذائقة العربية، حيث يتناسب قصر طول النص مع إيقاع الحياة المتسارع، ويتيح له، كونه لحظة جمالية عابرة، أن يظل عالقًا في مخيلة المتلقي العربي. فالعالم يتغير، وأنماط الحياة في تحول مستمر، والذائقة الأدبية تتعامل مع مثل هذه التغيرات في البداية بحذر وتوجس، لأنها غير معتادة على الجديد. لكن مع مرور الوقت، بدأ الهايكو في اكتساب قبول أكبر، ليصبح أكثر قابلية للاستيعاب والاندماج. لقد لاحظت، خلال تجربتي، أن العديد من القرّاء بدأوا يتناولون ما أكتب ويناقشونني في بعض تجارب الهايكو، وهو ما يدل على تزايد التفاعل والاهتمام بهذا الفن في الأوساط الأدبية العربية
2. ما الفروق الجوهرية التي لاحظتها بين فلسفة الجمال اليابانية ونظيرتها العربية؟
هذا السؤال ذو طابع مهم وعميق، وله محاور لا حصر لها. في هذا السياق، سأركز على بعض النقاط المتعلقة بالشعر والفروق الجوهرية بين فلسفة الجمال اليابانية والعربية، التي تنبع من السياقات الثقافية والتاريخية والدينية الخاصة بكل حضارة.
الجمال والزمن:
• في الفلسفة اليابانية:
الجمال يرتبط بالزوال، باللحظة العابرة، والنقص، حيث يُحتفى بما هو غير مكتمل وفانٍ. مفاهيم مثل “وابي-سابي” (Wabi-sabi) تُقدّس الجمال في البساطة والهشاشة وعدم الكمال. الطبيعة في هذه الفلسفة ليست مجرد مصدر إلهام، بل هي كائن حي يتجدد مع الفصول ويتغير باستمرار.
• في الفلسفة الجمالية العربية (خاصة الكلاسيكية):
الجمال يرتبط بالكمال، والتناغم، والتناسق، خصوصًا في الشعر والعمارة. في الفكر الجمالي العربي، يعد الجمال ذروة التأمل العقلي، وهو مرتبط بمفاهيم مثل الجمال المطلق والتوازن الذي يعكس القيم الثقافية والعاطفية، ويصيغ الأحكام الشعورية تجاه الجمال.
الذات الشاعرة:
• في الهايكو الياباني:
الشاعر في الهايكو يحاول أن يذوب في الطبيعة والمشهد، ويقلل من حضوره الذاتي، إذ تكون الذات الشاعرة أشبه بالمراقب الذي ينقل المشهد كما هو، لكن بعدسة فنان تشكيلي في لحظة من الوعي والكمال، محققا التوازن بين الذات والآخر.
• في الشعر العربي:
الذات الشاعرة حاضرة بشكل واضح، بصوتها وانفعالاتها. غالبًا ما يكون الشعر العربي تعبيرًا عن المشاعر الإنسانية بصدق، مع ظهور “الأنا” بشكل مباشر وصريح، مما يعكس تصورات الذات وعلاقتها بالعالم.
الطبيعة:
• في اليابان:
تعد الطبيعة موضوعًا أساسيًا في الشعر الياباني، حيث تتدفق منها المشاعر واللحظة الجمالية، وكذلك مفهوم “الساتوري” الذي يشير إلى لحظة الاستنارة الكونية. الطبيعة في الشعر الياباني ليست مجرد خلفية، بل هي جزء لا يتجزأ من الوجود والشعور.
• في الشعر العربي:
تستخدم الطبيعة في الشعر العربي بشكل رمزي، وغالبًا ما تكون إطارًا يعبر الشاعر من خلاله عن عواطفه أو قيمه أو شجونه، حيث تأتي الطبيعة كرمز يشحذ الذهن ويثير الإحساس دون أن تكون محورًا أساسيًا كما في الهايكو الياباني.
3. هل ترى أن للهايكو جمهورًا يتشكل الآن في المشهد الأدبي العربي؟
لقد قدّمت ندوة حول الهايكو بالتعاون مع مجموعة من الهايجين المصريين في معرض القاهرة الدولي عام 2023، حيث شهد الحدث حضورًا لافتًا من مختلف أنحاء مصر والدول العربية. وقد شهدت الندوة نقاشات مثيرة حول هذه التجربة الجديدة، مما جعلها حدثًا محوريًا في تجربتي مع الهايكو. مع مرور الوقت، ومع تزايد الوعي بالهايكو وتقبّل الذائقة العربية لهذا الفن، أعتقد أن هناك إقبالًا متزايدًا على هذا الفن الرائع، مما يبشر بمستقبل مشرق له في المنطقة.
4. هل تفكر في ترجمة أعمال أخرى من الأدب الياباني أو الآسيوي عموماً؟
أطمح بكل تأكيد إلى ترجمة أعمال أخرى تساهم في نشر ثقافة الهايكو، ولكنني آمل هذه المرة أن أتمكن من إتقان اللغة اليابانية بشكل كامل، مما سيمكنني من القيام بالترجمة المباشرة من اللغة الأم. هذا سيساهم في حل العديد من الإشكالات التي واجهتها أثناء ترجمة كتاب ‘الطريق الضيق إلى عمق الشمال’ من اللغة الوسيطة.
أسئلة ختامية تأملية:
1. هل “الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال” هو رحلة في الشعر أم في الذات؟
الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال” هو رحلة تأملية للذات، حيث يعبر الشاعر من خلالها عبر الطبيعة ليكتشف ليس فقط نفسه ولكن أيضًا جوهر الشعر ذاته. هذه الرحلة تتجاوز الأبعاد المادية لتصل إلى الروحانية والفكر العميق، مما يجعلها بحثًا عن المعنى والجمال في تفاصيل العالم الطبيعي، ويتمازج فيها الوعي الذاتي مع الطبيعة في تناغم فني عميق.
2. هل يمكن أن يتعلّم الإنسان شيئًا عن نفسه من خلال كتابة أو قراءة الهايكو؟
الهايكو لا يسعى للبحث عن معانٍ ثابتة أو مُحددة، بل هو لحظة جمالية نابعة من التمازج الكامل بين الذات والطبيعة. في تلك اللحظة العابرة، تنكشف لك الأشياء في صورتها النقية كما هي، دون تحريف أو تفسير. يُعد الهايكو نصًا مليئًا بالمساحات البيضاء، هذه المساحات التي تتيح للقارئ الانغماس في التأمل والتفسير الشخصي، حيث “البياض”، كما تقول “فيرجينيا لا شاريه”، هو الخلاصة التي لا يمكن شرحها والنقاء الذي لا يمكن تجربته. هو لحظة من الصدق التي لا تلد غيرها، ويعكس فراغًا لا شكل له ولا حدود. من هذا المنظور، يصبح الهايكو نصًا غير قابل للتفسير المباشر أو التأويل التقليدي، بل يبقى مفتوحًا على احتمالات وتفسيرات متعددة لا نهاية لها
3. إذا طُلب منك أن تُلخّص تجربتك كلها مع هذا العمل في هايكو واحد، فماذا ستكتب؟
ليست الريح ما يهز أعطافك
أيتها الصفصافة
إنما أنفاس أبي!
4. ماذا تقول اليوم لباشو لو كان حاضرًا معك؟
ماتسو باشو يا معلم الهايكاي العظيم، ها أنذا واقف على عتباتك، أصبو للتجوال معك، هل سننطلق من (إيدو) طوكيو، أم القاهرة، أم الكويت، بحثا عن الذات الأبدية، الشعر. العالم أصبح غريبا ومتشابكا، و”السنوات تأتي وتمضي في رحلتها للخلود”. أ بعد كل هذه التحولات في العالم من فكر وعولمة أما زالت أحلام التجوال اللانهائية تداعب مخيلتك؟ وكيف سيكون شكل الهايكو إذن؟!
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي