الرئيسية / الأعداد / منحوتات “الغَرْغُول “القوطية بين الوظيفة المعماريّة والرمزية الدينيّة – أمير الشلّي

منحوتات “الغَرْغُول “القوطية بين الوظيفة المعماريّة والرمزية الدينيّة – أمير الشلّي

منحوتات “الغَرْغُول “القوطية بين الوظيفة المعماريّة والرمزية الدينيّة 

 

أمير الشلّي*

 

الملخص

بِحُلُول القرن الثالث عشر، شَهِدَت قِمَم الكاتدرائيات القوطية في أوروبا تحولاً لافتاً في تصميم أنظمة تصريف المياه. حيث وقع استبدال المزاريب العادية بمنحوتات “الغرغول” الحجرية، التي تَتَّخِذُ هيئة مخلوقاتٍ خرافيةٍ تَقْذِفُ بمياه الأمطار من أفواهها المخيفة. مازالت هذه المنحوتات إلى اليوم تثير دهشة الناظرين بِسبب غرابة أشكالها، وسخافة إيماءاتها، مما جعلها مَوْطِنًا للعديد من التأويلات والفرضيات.

وفي هذا السياق، تأتي دراستنا التي سنقوم فيها بتحليل الخصوصية الجمالية لهذه المنحوتات الوحشية. كما سنبحث في أبعادها الرمزية محاولين حصر معانيها، معتمدين في ذلك على منهج تحليلي متعدد المصادر يجمع بين الفن والتاريخ والأدب والأسطورة.

الكلمات المفاتيح :   الغرغول، الكاتدرائيات القوطية، تاريخ،  فن.

Gothic “Gargoyle” Sculptures Between Architectural Function and Religious Symbolism

Abstract

    By the 13th century, the peaks of Gothic cathedrals in Europe witnessed a remarkable transformation in the design of water drainage systems. Instead of the simple gutters previously used, stone sculptures emerged, taking the form of beasts, dragons, and mythical creatures spouting rainwater from their open mouths. These strange stone creatures were named “gargoyles.” These statues have always astonished onlookers due to their strange forms, anomalous features, and absurd gestures, making them a subject for numerous interpretations and analyses.

In this context, our study addresses the aesthetic particularities of these sculptures by analyzing their most prominent examples. This study also analyzes the symbolic connotations these statues undertook in the medieval religious imagination, attempting as much as possible to cover their most important significances, relying on an analytical methodology with multiple sources combining history, art, literature, and myth.

 

Keywords: Gargoyles, Gothic Cathedrals, History, Art

المقدمة

   مثّل القرنان الحادي والثاني عشر في أوروبا ذروة هيمنة الكنيسة الكاثوليكية، التي لم تكن سلطتها روحية فحسب بل وكذلك سياسة. وقد أدت القفزة الاقتصادية والصناعية التي عرفتها أوروبا آنذاك في ترسيخ هذه السيادة. ومن رحم هذه البيئة الاجتماعية، ولدَ الفن القوطي ليكون امتدادا للفكر الكنسي المهيمن. فقد تنافس الأباطرة والأمراء والأساقفة على بناء أعظم الكاتدرائيات وأضخمها كدليل على قوتهم وتقواهم، مما أسهم في انتشار هذا الطراز المعماري في جميع أنحاء أوروبا.

وبجرأة هندسية ملفتة، سعى معماريو تلك الحقبة إلى تجسيد المفاهيم الدينية عبر مبانيهم التي أرادوها جسورًا تربط الأرض بالسماء. فلم تكن الكاتدرائيات القوطية الشامخة مجرد أماكن للعبادة، فقد وجدت الكنيسة في العمارة وسيلة مثلى لنشر تعاليمها، خاصة في مجتمع كان معظم أفراده من الأميين. فتحولت الكاتدرائيات إلى كتب حجرية تروي قصص الإنجيل عبر منحوتاتها ونوافذها الزجاجية. وقد كانت كاتدرائية “سان دوني” في باريس، التي اكتمل بناؤها عام 1144، النموذج التأسيسي الأول لهذا الطراز الثوري.

لقد تميزت العمارة القوطية بعدة ابتكارات هندسية شكلت نقلة نوعية في تاريخ العمارة. فقد شكلت الأقبية المدببة التي تتكون من أقواس تلتقي في نقطة واحدة ، هيكلاً هندسياً فريداً يقوم بتوزيع وزن السقف بكفاءة عالية عبر الأعمدة والدعامات. وقد أتاح هذا التصميم الثوري للمهندسين بناء صروح ذات جدران رقيقة وفتحات أكبر، مما يخلق شعوراً باتساع الحيّز وخفته. أما النوافذ ذات التصاميم المعقدة والألوان النابضة، فقد أضفت على المكان جواً من القدسية، حيث يتسلل الضوء عبر الزجاج الملون ليرسم لوحات من النور تملأ المكان بهاءً وروحانية. لم تكن هذه النوافذ مصممة لغاية جمالية فحسب، بل وكانت تجسيداً لفلسفة دينية ترى في الضوء تمثلاً للحضور الإلهي. ولعل أبرز ما ميز العمارة القوطية هو ارتفاعها الشاهق، حيث سعى المعماريون إلى رفع سقف قبابها وأبراجها إلى علوّ غير مسبوق، لتصبح أيقونة لعصرها بامتياز. هذا الارتفاع لم يكن مجرد إنجاز هندسي عابر، بل كان تعبيراً مادياً عن شوق روحي عميق للاتصال بالخالق.

1- أنواع النحت القوطي وخصائصه الجمالية

تُطلع علينا من أعلى قمم الكاتدرائيات القوطية، منحوتات ومزاريب مائية  شُكِلت على هيئة وحوش وتنانين وكائنات خرافية. ولم تظهر هذه التصاميم النحتية الغريبة إلا مع مطلع القرن الثالث عشر، بعد أن كانت المياه تتدفق عبر مسالك بسيطة. حيث تم تحويل قنوات الصرف إلى تحف فنية تلفظ مياه الأمطار من أفواه  مخلوقات مرعبة وخيفة. وتنقسم هذه الزخارف النحتية إلى ثلاث أنواع رئيسية وهي :

  • الغَرْغُول

يذكر الدكتور عفيف البهنسي أن الغَرْغُول هو”تمثال حجري على شكل وحش أو كائن خرافي، كان يُستخدم في العمارة القوطية في أوروبا، كما استخدم فيما بعد في بعض العمارة الإسلامية. ووظيفته تصريف المياه من على الأسطح. وكان يُعتقد في التراث الأوروبي أن هذه الكائنات تحمي المؤمنين من الأرواح الشريرة[1].” لقد كانت هذه التماثيل تثبت في نهاية بروز المزراب أو عند حافة السطح أو فوق الشباك، وكان الهدف الأساسي منها إبعاد مياه الأمطار عن الجدران الحجرية للكاتدرائيات. فمياه الأمطار، إذا تُرِكت لتسيل على الجدران، ستسبب تلفاً لا يمكن إصلاحه لهذه الصروح القوطية. ولذلك شُكلت هذه المخلوقات بفم مفتوح ورقبة تمتد بعيداً عن الجدار، حتى تقذف المياه إلى أبعد مسافة ممكنة[2].

وينحدر مصطلح “الغَرْغُول” من الجذر اللغوي الفرنسي “gargouille” القديم، الذي يشير إلى الحلق أو البلعوم. وقد تطورت هذه الكلمة بدورها من الكلمة اللاتينية “gurgulio”، وهي تصغير لمفردة “gula” اللاتينية التي تعني “الحلق”، الجذر المشترك “gar” الذي يعني “الابتلاع”. وهو كذلك أصل العديد من الكلمات التي تحاكي صوت الابتلاع ، مثل الكلمتين الإسبانية”garganta”  التي تعني الحلق والبرتغالية “garganta” التي تحمل نفس المعنى. وهذا الارتباط الصوتي يربط مباشرة بين وظيفة التمثال المعماري كـ”مزراب” وبين الصوت الذي يصدره الماء عندما يمر عبره[3].

منحوتة الغرغول، تقع في منتزه غابة بايك بالولايات المتحدة

تم نحتها في عام 1991 من قبل النحات الأمريكي جون لودفينجر

 

  • الكايميرا

مجموعة من المنحوتات الزخرفيّة  لكائنات وحشيّة تسمى “الكايميرا” وهو اسم مأخوذ من كائن أسطوري مركب من أجزاء حيوانات مختلفة. ويُعرف في التراث المعماري الإنجليزي بإسم”Hunky Punk”  ويعني الشرير العظيم أو القوي. وعلى الرغم من اختلاف الوظيفية الهندسية لوحوش الكايميرا عن الغرغول، فإن الوظيفة الرمزية لهذه الكائنات متماثلة؛ فهي تعمل كحراس رمزيين للمباني المقدسة، حيث يُعتقد أن منظرها المرعب يطرد الأرواح الشريرة ويحمي سكان المبنى من الأذى.

منحوتة “الكايميرا”، تقع في كاتدرائية نوتردام دي  باريس

اضيفت أثناء ترميم الكاتدرائية في القرن 19 على يد المعماري فيولا لو دوك

  • بوس
    يُستخدم مصطلح “بوس” Boss للإشارة إلى النحت الزخرفي داخل المبنى  والذي يوجد في نقطة تقاطع الأضلاع في السقف المقبب أو في القبو. غالباً ما تكون هذه “الرؤوس” أو “الأزرار” الحجرية بأشكال نباتية أو حيوانية أو حتى بوجوه بشرية أو وحوش أسطورية. وعلى عكس مزاريب “الغرغول” التي تجمع بين الوظيفة الزخرفيّة والنفعيّة -أي تصريف المياه-، فإن “البوس”  مثله مثل “الكايميرا” هو عنصر زخرفي بحت يوضع في مواقع هيكلية رئيسية. وتحمل هذه التصاميم دلالات وقائية، حيث يُعتقد أنها قد وجدت لتحرس الفضاء المقدس من قوى الشر، مما يضفي معنى روحي على الهيكل المعماري[4].

وبشكل عام، يمكن اعتبار مصطلح “الغرغول” مصطلحاً شاملاً يضم جميع التماثيل والمنحوتات المركبة على واجهات الكاتدرائيات القوطية، بما فيها كائنات مثل “الكايميرا” و”البوس”. ويعود السبب في هذا التعميم إلى الارتباط التاريخي والرمزي الوثيق بين هذه الكائنات والهندسة المعمارية القوطية. في المقابل، فإن مصطلح “الكايميرا” هو اسم لكائن أسطوري مشهور في الأدبيات والمراجع الأسطورية المختلفة، ولا يقتصر ظهوره أو دلالته على الفن أو العمارة القوطية فقط. وهكذا  فإن “الغرغول” مصطلح قوطي خاص، أما “الكايميرا” فهو مصطلح أسطوري عام.

  1. منحوتات الغرغول أداة للترهيب والترغيب

بدأت منحوتات الغرغول في الانتشار عبر ربوع أوروبا خلال القرن الثالث عشر، وذلك في ذروة السيادة الدينية التي سعت إلى اجتذاب مؤمنين جدد. وفي ظل مجتمع كان الأُميّون يشكلون الغالبية الساحقة؛ استخدمت الكنيسة الفن لنشر تعاليمها حيث كانت الغراغيل، جزءاً من ما يعرف بإنجيل الفقراء. حيث كانت تذكر المؤمنين بأن الشر يتربص بهم في كل مكان. وعلى ذلك حملت هذه التماثيل وظيفتين مختلفتين، تمثلت الأولى في تصريف مياه الأمطار، والوظيفة الثانية فتتمثل في تخويف الناس ودفعهم إلى الاحتماء بالكنيسة.

صورة مقربة للغرغول من كاتدرائية ستراسبورغ في فرنسا

     ولقد تميزت تماثيل “الغرغول” بتنوعها الكبير، فلا يمكن العثور على تمثالان مُتطابقان في كامل أوروبا، وهو ما يزيد من صعوبة تفسير معانيها. إضافة إلى ذلك، تعرض الكثير منها للتلف بفعل الزمن. أما المنحوتات التي بقيت قائمة حتى اليوم، فقد خضعت لعملية إصلاح وترميم شاملة، وذلك خلال موجة الترميم التي حدثت خلال القرن التاسع عشر؛ حيث وقع إصلاح جميع الكاتدرائيات والقصور القوطية في أوروبا، ولاسيما في فرنسا وبريطانيا، حيث شكّلت ترميمات مزاريب الغرغول وكائنات الكايميرا جزءاً أساسياً من تلك المشاريع. وبفضل الجهود التوثيقية التي بذلها المؤرخون، سواء عبر تدوينها أو رسمها بدقة؛ أصبح بإمكاننا التعرّف على العديد من التصاميم الأصلية قبل ان يتم استبدالها.  وتنقسم هذه التصاميم إلى ثلاثة أنواع :

  • تماثيل الغرغول الحيوانية : نُحتت على هيئة حيوانات مثل الكلاب والنمور والأسود، وتُصوَّر هذه التماثيل منخرطةً في أفعال متنوعة. فبعضها مشغول بأفعال حيوانية بحتة كالافتراس أو القتال، بينما يُظهر البعض الآخر سلوكيات بشرية مثل العزف على آلات موسيقية.
  • تماثيل الغرغول الهجينة :  كائنات خيالية تجمع بين سمات متعددة في جسد واحد، حيث يمتزج الحيوان بالنبات، أو الحيوان بالإنسان. واستُلهم عدد منها من الأساطير اليونانية والرومانية، مثل الحوريات ووحوش “الغريفون[5]“.

تماثيل الغرغول البشرية :

غالبًا ما جُسِّدَت هذه المنحوتات وهي تُمارس سلوكيات غير أخلاقية؛ كتعاطي الخمر، أو تتخذ أوضاعًا بذيئة أو بهلوانية. كما تظهر  تماثيل أخرى ذات وضعيات غير تقليدية كالتمثال الموجود في كاتدرائية نوتردام دي فريبورغ، الذي يمثل رجلاً عاريًا تتدفق مياه الأمطار خارج شرجه. وتروي القصص أن هذا العمل النحتي غير المألوف كان بمثابة احتجاج ساخر من حرفيٍ قد استاء من تدني أجره . كما نجد انواع أخرى من المزاريب التي مُثلت في صورة عجوز طاعن في السنّ يدخل بإصبعه داخل أنفه. في المقابل، اقتبست بعض التماثيل الأخرى مشاهدها من الحكايات الواردة في الكتب المقدسة، وأبرزها قصة آدم وحوّاء.

منحوتة تعرف بإسم “الغرغول الذي ينكش أنفه”  يقع في كاتدرائية إيلي في كامبريدجشير –إنجلترا

.3الغرغول نظام رمزي مفتوح التأويل
لطالما أثارت تماثيل الغرغول الذهول بسبب غرابة أجسادها وشذوذ سحناتها وسخافة إيماءاتها، وقد جعلها ذلك موضعًا للعديد من التأويلات. وترى المؤرخة “باربرا فرانكو” أن الغرغول لم تكن مجرد زخارف معمارية، بل كانت تجسيداً مادياً للمخاوف الجماعية في العصور الوسطى مثل الطاعون، والمجاعة، والحرب، والموت، وأن تحويل هذه المخاوف إلى أشكال حجرية ملموسة كان آلية نفسية للسيطرة عليها وإخضاعها رمزياً[6].أما الباحث”شارل أوغست أوبير” فعدّها تمثيلًا لشياطين تمت هزيمتها. فوجودها على جدران الكنيسة ليس لتخويف المؤمنين، بل لإظهار انتصار الكنيسة. إنها تُظهر أن الشر تحت السيطرة ولم يعد قادرًا على إيذاء أولئك الذين داخل الحرم الكنيسي[7]. أما المؤرخ “جوريس كارل هويسمانس” فيرى أنها تُشير إلى تقئ الرذائل خارج الكنيسة فالمياه التي تخرج من أفواهها بمثابة طرد لكل ما  هو شرير ومدنس من المكان المقدس[8].

كما ترى فئة أخرى من المؤرخون أنها  تماثيل تحرس المباني من الأشرار والمذنبين وما يدعم هذا الرأي هي النصوص التاريخية التي تعود للعصور الوسطى، مثل قصة الواعظ الديني “إتيان دي بوربون” عن مُرابٍ سقطت عليه محفظة حجرية من إحدى تماثيل الغرغول مما تسبب في وفاته.

أما التماثيل الغرغول البشرية التي تُصوِّر أشخاصًا يكشفون عن عوراتهم، فتؤدي بدورها وظيفة وقائية. فمن المعروف منذ العصور القديمة أن الصور ذات الطابع الجنسي قد كانت تستخدم لطرد الشياطين. وفي المقابل، تضطلع بعض تماثيل الغرغول الأخرى بدور أخلاقي يهدف إلى السخرية من عيوب المجتمع، بما في ذلك انتقاد رجال الدين؛ حيث شبه الداعية “جان بروميار” رجال الدين الكسالى بتماثيل الغرغول.

لقد تطورت الوظيفة الرمزية لتماثيل الغرغول عبر الزمن، حيث اتجهت نحو إضحاك عامة الناس. وهذا التطور لا يتعارض مع وظيفتها الأصلية، بل يعززها، إذ كان يُعتقد منذ القدم أن إضحاك الشيطان وسيلة فعالة لإبعاده. وهكذا، فإن البعد الساخر الذي طغى على التماثيل المتأخرة لم يلغ فعاليتها الرمزية، بل أضاف إليها بُعداً جديداً، مزاوجاً بين الدور الوقائي والنقد الفكاهي.

.4الغرغول في الأدب الرومانسي

خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، أصبحت تماثيل الغرغول أكثر نحافة، كما اضيفت إليها عديد التفاصيل ما عزز من واقعيتها. واستمرت محافظةً على هذه الهيئة حتى مطلع القرن السادس عشر، إلى أن وقع استبدالها بالنماذجَ الكلاسيكية لتتماشى من روح عصر النهضة .غير أن القرن التاسع عشر شهد إحياءً لهذه التماثيل، حيث أعاد الأديب الفرنسي “فيكتور هوغو” إحياءها فنياً؛  فمجّدها أولاً في قصيدته “الفرقة السوداء” (1823) ، ثم أعطاها خطا سرديّا في روايته الخالدة “أحدب نوتردام” (1831). ففي هذه الرواية، لم تكن الغراغيل مجرد عناصر زخرفيّة عابرة، بل شاهدة على عزلة البطل ومعاناته .ولم يقتصر دور “هوغو” على جعل هذه التماثيل مقبولة جمالياً فحسب، بل وأطلق العنان لإمكاناتها الرمزية، ما جعلها مصدر إلهامٍ أساسي لرواد المدرسة الرومانسية الذين رأوا فيها تجسيداً للجمالية الوحشيّة؛ وهو نوع من الجمال البدائيّ الخام الذي يتجاوز التعريف التقليدي للجمال المرتبط بنسب مثالية.

ولم يتوقف إسهام “فيكتور هوغو” عند حدود الخيال الأدبي، بل كان من أشد المنادين بترميم الكاتدرائيات القوطية وما تحويه من تماثيل. وقد تُوِّجت جهوده حين كلِّف المهندسان المعماريان “يوجين لو دوك” و”جان-بابتيست لاسوس” – بين عامي 1844 و1864 – بحملة ترميم شاملة لأبرز صروح العمارة القوطية. لم يكتفِ المهندسان خلالها باستعادة التماثيل الأصلية، بل ابتكرا تصاميم جديدة ، كان أبرزها تمثال “الستريغ” The Stryge الشهير، الذي يجثم حتى اليوم أمام شرفة كاتدرائية نوتردام دي باريس.

منحوتة الستريغ تقع في كاتدرائية نوتردام دي باريس  1853

    ولا تزال هذه الكائنات الحجرية إلىى اليوم مصدر إلهام متجدد للفنانين. وتأتي شركة ديزني في المقدمة، حيث قدّم فيلمها الكرتوني “أحدب نوتردام” (1996) رؤية جديدة للغراغيل، التي تظهر كأصدقاء البطل المقربين. مما جعلها شخصيات محببة للأطفال، مستأنفةً بذلك السرد البصري للقصة التي أطلقها “فيكتور هوغو” قبل قرون.

الخاتمة

لم يكن بوسعنا ادراك القيمة الجمالية والرمزية للكاتدرائيات القوطية إدراكاً عميقاً بمعزلٍ عن منحوتات الغرغول الوحشيّة ؛ التي لم تكن مجرد عناصر معمارية تكميلية، بل شاهداً على عبقرية فنية نجحت في الجمع بين الوظيفة الهندسية والرمزيّة الدينية وصهرها في بوتقة واحدة. هي منحوتات تتميز بأشكالها الغريبة والمريبة، المتولدة في صور يجتمع في كنفها الحيواني والإنساني والنباتي، ما جعلها تصل بالجسد إلى درجة عالية من الإنمساخ والتغول، مثيرة في النفس شعوراً لا إرادياً بالرهبة والانجذاب. إنه فن لا يكتفي بتشويه المألوف ليصوغ من عالمنا شكلاً غريباً ودميمًا فحسب، بل يُخلّف في نفس المتلقي أثراً عاطفياً فريداً، إما خوفاً يعصر القلب، أو ضحكاً يرقّص الشفاه، أو فضولاً يستفز العقل؛ وهو ما تعجز الجمالية التقليدية عن بلوغه، ما جعل هذه المنحوتات الوحشيّة تجتاز حاجز الزمن لتصير أيقونات ثقافية خالدة، تحمل في طياتها أسرار عصور غابرة.

البيبوغرافيا

  • Alex Woodcock, Gargoyles and Grotesques: Paganism in the Medieval Church,  Shire Publications, The United States, 2011.
  • John Vinycomb,Fictitious & Symbolic Creatures In Art, Forgotten books,London 2016.
  • Lester Burbank Bridaham, The Gargoyle Book: 572 Examples from Gothic Architecture,  Dover Publications, The United States  2006.
  • Michael Camille, Les Gargouilles de Notre-Dame,Alma Eds, France 2011.
  • Nienke Vos, Willemien Otten, Demons and the Devil in Ancient and Medieval Christianity,Bill Leiden 2011.
  • Todorov, T. (1973). The fantastic: A structural approach to a literary genre. The Press of Case Western Reserve University.
  • بيشوب موريس ، تاريخ أروبا في العصور الوسطى، ترجمة علي السيد علي، المجلس الأعلى للثقافة،القاهرة 2005.
  • رأفت ميخائيل عبد الحميد ،العمارة القوطية: النشأة والتطور،عالم الكتب ، مصر 2008.
  • عفيف البهنسي ، فن العصور الوسطى،دار الموقف العربي، مصر ،1980.
  • سعيد علوش، الأحدب في متاهات النص: دراسة تحليلية في رواية “نوتردام باريس” لفيكتور هيغو،دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع،الرباط – المغرب 1985.

 

باحث في الجماليات من تونس

[1] عفيف عبد الرحمن البهنسي، مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت 1999، صفحة 388.

[2]  Alex Woodcock, Gargoyles and Grotesques: Paganism in the Medieval Church, hire Publications, 2011 page 7.

[3] سعيد محمد القاضي،معجم تطور العمارة: المصطلحات والتقنيات،دار الأطلس للنشر،القاهرة صفحة 147.

[4] جيمس ستيفنز كول، قاموس العمارة والتصميم، ترجمة مركز التعريب والترجمة، دار الكتب العلمية بيروت 63.

[5] كائن أسطوري هجين، يجمع بين جسد أسد ورأس نسر. غالباً ما يُصوّر في الفن على أنه حارس للكنوز المقدسة، ويمثل القوة والسيادة بسبب جمعه بين ملك الطيور (النسر) وملك الحيوانات (الأسد). ظهرت أسطورة الغريفون في حضارات شرقية قديمة مثل بلاد فارس ومصر، وانتقلت لاحقاً إلى الفن الإغريقي والبيزنطي، ثم أصبحت عنصراً شائعاً في الفنون الإسلامية، خاصة في المنحوتات والتحف المعدنية والسيراميك.

شريف شكري ، موسوعة المخلوقات الأسطورية وأماكن إنتشارها ،الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة 2018، صفحة 147.

[6] Franco, B. (1974). The Gargoyles of Washington National Cathedral: Images of the Grotesque in Modern America. The Journal of Popular Culture, 8(2), 327-334.

[7] Charles Auguste Aubert ,  L’Art Symbolique: Essai sur la signification symbolique des compositions religieuses et allégoriques du Moyen Âge,  H. Champion,Paris 1910, Page 178.

[8] Michael Camille, The Gargoyles of Notre-Dame: Medievalism and the Monsters of Modernity, University of Chicago Press, 2009. Page 85.

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً