الرئيسية / الأعداد / قراءة سيميائية لرمزية “الأنثى والماء” في ديوان: “من كتاب الماء” للشاعرة: فاطمة سعد الله. – عبد المجيد بطالي

قراءة سيميائية لرمزية “الأنثى والماء” في ديوان: “من كتاب الماء” للشاعرة: فاطمة سعد الله. – عبد المجيد بطالي

قراءة سيميائية لرمزية “الأنثى والماء” في ديوان: “من كتاب الماء” للشاعرة: فاطمة سعد الله.

عبد المجيد بطالي*

 

تقديم:

تسعى هذه الورقة البحثية إلى مقاربة ديوان: “من كتاب الماء”، للشاعرة فاطمة سعد الله، استقصاءً لجدلية: “الأنثى والماء”، عبر رؤية سيميائية، باعتبارهما ثيمتين بارزتين وبؤرتين لمجموعة من النصوص، تفيضان شعريا ودلاليا بما يحيل على عنصر “الماء”، في علاقاته المتعددة بموضوعات: الحياة والنفس والتعبير، وبما يرتبط أساسا بالأنثى/ القصيدة؛ والأنثى/ الشاعرة؛ والأنثى في حالاتها وأحوالها المختلفة في مجاري الحياة ومناشطها المتضاربة.

القراءة التأويلية:

من هذا المنطلق، ومن زاوية “الرؤية التأويلية النقدية”، لنصوص: (من كتاب الماء)، تحاول الدراسة استنطاق الصامت في البنيات التركيبية للقصيدة، وتفكيك أنساقها التركيبية بلوغا إلى أنساقها الدلالية؛ استشفافا لما تحت غلائل المتن التركيبي؛ واختراقا لجدار البنية السطحية، ومساءلة التكتيك الأسلوبي لتركيبة النص الشعري، وعتباته المشاكسة والمثيرة للنظر والتأمل في سياقاته.

لا شك أن عنوان الديوان؛ يلفت نظر المتلقي، فيدفعه إلى خوض معركة البحث عن المعاني في ثنايا الديوان، سبرا لأغوار القصائد، واستكشافا للدلالات المتعددة المختبئة وراء المسطور في متون النصوص؛ عبر قنوات التأويل وسبل التحليل؛ مرتكزة على السيمات والعلامات والرموز التي تعين الناقد على تفكيك شيفرات النصوص ورموزها؛ وإخراج مكامنها للمتلقين.

أول ما يصادف الدارس لنصوص هذه الإضمامة الشعرية، قصيدة بعنوان/ (أنثى النهر)، تقول الشاعرة:

“امرأة لا تشبه إلا.. نفسها

تحلم بلسان ينطق ألسنة الخرس على ضفاف ماء

يترقرق بين الأشجار كالنهر

يلمع بريقا بين همس وحداء

يبتهل

يرتل تسابيح الماء

سبحان الله ماء ينبع من ماء

هي أنثى لا تشبه إلا.. ماء يعانق ماء

تحلم بترويض الخيول الجامحة

ب…

سوط الحروف

وماء يسري بين الكفوف

غيمة

سداها عطر

واللحمة ماء في ضياء” (1)

ويلاحظ مند البداية حضور مكثف لـ “ثيمة الماء” باعتباره عنصرا حيويا في حياة الطبيعة والإنسان، من حيث وجوده المادي، لكنه في القصيدة يلعب دورا بؤريا في إغناء الدلالة، مجسدا العلاقة بين الأنثى والماء؛ باعتبارهما جسدا متشابها (الماء = يساوي = الأنثى)، من هنا تظهر أهمية “الماء”، بوصفها بنية سيميائية متعالقة برمزية الأنثى، فحينما يُذكر “الماء” من خلال النص، تتوارد إلى ذهن المتلقي ما تحيل عليه رمزية “الماء” من دلالات واسعة مثل: (الشفافية؛ السيولة؛ التدفق؛ الانسيابية؛ والتطهير بمفهومه الأدبي والجمالي  للصفاء الروحي والعاطفي؛ الفيض…)، حقل معجمي؛ وغنى دلالي؛ ترفد منه الشاعرة ما تؤثث به فضاءات نصوصها الشعرية، وهو ما تعكسه جملة من الكلمات، المرصوصة بذكاء وخبرة، تجمع بين جزالة اللفظ؛ وسلاسة الأسلوب؛ وحنكة التوظيف؛ وجمالية التصوير والبناء، حيث تظهر الألفاظ في علاقتها (بسيمياء الماء) في: (أنثى النهر؛ وضفاف ماء؛ يترقرق.. كالنهر؛ يلمع بريقا.؛ تسابيح الماء)؛ (ماء ينبع من ماء؛ ماء يعانق ماء)، وفيه إشارة إلى حلول الأنثى في ذاتها، والعشق الصوفي للذات؛ (ماء يسري بين الكفوف؛ غيمة.. واللحمة ماء..)، فهي والماء سيان، لا فرق بينهما.. فالماء مصدر للخير والنماء، وإخراج الزرع وإرواء الثرى، كما هو حال الأنثى في جودها وعطائها، ماء يسري بين الكفوف؛ وغيمة تمطر البيت بوجودها، ولحمة للأسرة؛ حيث تمدُّ خيوطها وتوثِّق عُراها بكل الأفراد داخل المجتمع الصغير والكبير، فضرورة الأنثى في الحياة كضرورة الماء.. وهذه لعمري رؤيا كونية أسست عليها الشاعرة “فاطمة سعد الله” تشكيل ديوانها؛ فصاغت من (الأنثى والماء) خيطا ناظما لقصائدها.

انزياحات كثيرة داخل مساحة شعرية قصيرة ومختزلة، تجعل المتلقي منبهرا أمامها، يفكر في أبعادها النفسية والفلسفية، والروحية والعاطفية.. إنها تقابلات وتشاكلات رائعة بين الأنثى والماء، حين يتوافقان فيذوب أحدهما في الآخر (الأنثى = ماء ينبع من ماء)، وحين يتآلفان فينسجمان (الأنثى = ماء يعانق ماء) وهنا يظهر نوع من العشق الجسدي والانبهار بالذات، فيصبح الماء هو الأنثى والأنثى هي الماء. جسدان في جسد واحد، كما في وحدة الحلول، (ابن عربي).

ويجسد الخطاب الشعري في ديوان “من كتاب الماء”، صوت الأنثى، وقوة حضورها كذات لها كيانها وكينونتها.. وقيمتها الوجودية التي تجعلها كيانا مركزيا في الكون، لا يمكن الاستغناء عنها كما لا يستغنى عن الماء، كما في الآية: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.

وتمتد رمزية (الماء والأنثى)، على نطاق شاسع في ديوان: “من كتاب الماء” من بداية العنوان، الذي يقدم للمتلقي علامة سيميائية دالة، تجعله يتساءل عن ماهية العلاقة بين (كتاب) و(الماء)، فلفظ “كتاب” أتى نكرة للدلالة على شيء غير معين، في عمومه وشموليته، وقد ذكر مضافا إلى لفظ “الماء” لتعريفه تعريفا بلاغيا، وإضفاء طابع الأدبية عليه لأهمية العلاقة بينهما؛ فلا وجود لــ” كتاب الماء” حقيقة وإنما مجازا لرمزية “الماء”؛ الذي جعلت منه الشاعرة كتابا ينطق بما فيه، فيصبح (الماء كتابا) يحمل بعدا سيميائيا يوحي بكثير من المعاني والدلالات المرتبطة بسياقات النصوص، الشيء الذي يمنح عنوان الديوان مفارقة دلالية قوية؛ تعطي لثيمة “الماء” قيمة لغوية Linguistique Value تكسب النص قوةً في بناء المعنى؛ تصنع منه قنطرة للتلقي والقراءة، ولتجعل منه بنية رمزية وسيميائية منفتحة على التأويل.

وقد استوت رمزية (الأنثى والماء) على جلّ عتبات نصوص الديوان، فنقرأ من العناوين: (أنثى النهر/ ص 8، أنثى من عاج/ ص 10، أنثى الفراشات/ ص 20، أنثى من رماد/ ص 25، أنثى الفصول.. أنثى الجنون/ ص27، أنثى لا تنام…/ ص 31، أنثى من عقيق/ ص 34، أنثى من ضياء/ ص 41، الأنثى – القصيدة/ ص 44.)، (من البحر إلى الشعر/ ص 93، الماء في حنجرة الشعر، والشعر في عيون الماء/ ص 107، سطور من ماء/ ص 111، مدينة من ورق على شفا نهر/ ص 115، عندما يتحول الماء/ ص 118، قطرة حياة/ ص 121، سأظل أعشق الماء/ ص129، أنشودة الواحة/ ص 135..) وهكذا تقدم الشاعرة للمتلقي قاموسا مترعا بالسمات والعلامات المضيئة، التي تزخر بها عتبات قصائدها، ضمن استراتيجية واضحة المعالم وتأليف محكم التنسيق والبناء، يتمثل الواقع ويستشرف المستقبل برؤية واعية؛ تدرك آفاق الكتابة الشعرية؛ وتتمثل أبعادها الروحية والإنسانية؛ والعاطفية والاجتماعية؛ والفكرية والثقافية… مكونة بذلك رؤيا شاملة عن العلاقات التي تمنحها (الأنثى) باعتبارها محورا أساسيا في دائرة الكون والطبيعة والحياة… ويمنحها (الماء) باعتباره مصدرا للكون وقوة التجلي، وبدأ الخلق، كما في قولها: “ماء ينبع من ماء”. وتتوالى تجليات ثيمة “الماء”، فيرمز “للوجود والحياة في أرقى صورها، فلا وجود بدون ماء، وهو أصل الحياة، فيتشكل سيميائيا في صور متعددة لها امتداداتها الدلالية، امتدادات أولتها النظرية السيميائية اهتماما بالغا، تسعى من خلاله إلى إبراز مضامين النص الغائب/ الحاضر فيما وراء المعنى” (2). ومن التشكلات السيميائية للماء ما تنطق به معاني هذه القصيدة الموسومة بــ “قطرة حياة”:

“عندما أرتوي من سفر الماء

تخضر كل دروب العودة إلى النبع

تنط أسرار الفرح من عيني..

تسبح الألغاز بجعات في بحيرة الشعر

تسدل ضفائرها

على أكتاف القصائد

ينفتح المعنى براعم ورد على ضفاف الحنين

ترقص القصائد…

عانقها الجدول

وراحت تستمرئ سطور الماء

منجم فيه كل الجواهر والدرر” (3)

خاتمة:

تسمو قصيدة: “قطرة حياة”، وقصائد أخرى في ديوان “من كتاب الماء”، بما تحمله من انزياحات ورمزية وعلامات وإشارات إلى عوالم فكرية؛ وتمثلات فلسفية؛ مشكّلة بذلك نسقا معرفيا يقرِّب الرؤية الواقعية من المتلقي، ويشاطره في بناء المعنى؛ والقبض على الدلالة من خلف مطمور السياق الشعري، وتتألق الانزياحات في نصوص الشاعرة إخفاء لبنيتها اللغوية، والخروج بها عن المسار التعبيري المألوف، بغية التأثير في المتلقي وخلق مسافات تأمل جديدة، تحث الباحث على إعمال الفكر، والبحث فيما وراء اللغة، ولعل ما تحمله هذه القصيدة وغيرها في الديوان دليل واضح على ما تزخر به لغتها الشعرية من صور بلاغية وأسلوب إيحائي؛ تفيض أدبية وفنية وجمالية.

هوامش:

[1] – فاطمة محمود سعد الله، ديوان “من كتاب الماء”، دار النخبة، مصر – القاهرة، الطبعة الأولى 2025. ص8.

2 – عبد المجيد بطالي، “النص المشتعل وتوهج المعنى، موسوعية المنهل وكونية الرؤيا”، ج 2، مطبعة وراقة بلال – فاس، الطبعة الأولى 2023. ص44.

3 – ديوان “من كتاب الماء”، ص121.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً