أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / سيمفونية الحرف والضوء:  قراءة في تجربة محمد البندوري الحروفية – الحسَن الگَامَـح

سيمفونية الحرف والضوء:  قراءة في تجربة محمد البندوري الحروفية – الحسَن الگَامَـح

سمفونية الحرف والضوء:  قراءة في تجربة محمد البندوري الحروفية

الحَسَن الگـامَـح*

 

على سبيل البدء:  الحرف المغربي من التدوين إلى التشكيل

تنبثق تجربة الفنان الحروفي الدكتور محمد البندوري من عمق الذاكرة البصرية المغربية، لتعيد صياغة الحرف ليس كأداة لغوية لتدوين النصوص فحسب، بل ككيان تشكيلي مستقل يفيض بالدلالات. في هذه اللوحة، نحن أمام هندسة روحية تتجاوز النمط التقليدي للخط العربي، حيث تتحول الحروف إلى مسارات من الضوء واللون، تتشابك لتشكل لغة بصرية كونية.

إن المتأمل في هذا العمل يجد نفسه أمام سيمفونية حروفية تجمع بين صرامة الأعمدة العمودية وحركية الكتلة الدائرية، مما يخلق حواراً بصرياً صامتاً، لكنه يعج بالمعاني. ومن خلال هذه التحفة، يفتح البندوري نافذة للتأمل في ثلاث مستويات جوهرية تتكامل فيما بينها لتشكل رؤية الفنان الشمولية:

  • المستوى الفني: الذي يستنطق بلاغة التكوين والأسلوب الحروفي المغربي.
  • المستوى الجمالي: الذي يبحث في فلسفة اللون والضوء وتجليات الروح في المادة.
  • المستوى الإنساني: الذي يتخذ من الحرف وسيلة لترسيخ قيم التعايش والوحدة الكونية.

هذه الثلاثية هي التي تجعل من لوحة البندوري نصاً مفتوحاً على التأويل، يجمع بين عراقة الأصل وحداثة العصر.

 القراءة الفنية:

اعتمد البندوري هنا على نظام الأعمدة العمودية التي توحي بالثبات والسمو، وكأنها منارات من النصوص. هذا التوزيع الرأسي يمنح اللوحة توازناً بصرياً قوياً، حيث تنقسم إلى:

  • خمس مسارات عمودية: تتفاوت في كثافة الحبر واللون، مما يخلق إيقاعاً موسيقياً بين الفراغ والامتلاء.
  • الكتلة الدائرية السفلى: تعمل كـ مركز ثقل بصري، حيث يتجمع الحرف داخل دائرة حمراء مكثفة، مما يكسر حدة الخطوط العمودية ويمنح شعوراً بالاحتواء أو الكونية.

يبرز في اللوحة تأثر الفنان محمد البندوري الواضح بـالخط المغربي (بأنواعه مثل المبسوط والمجوهر)، لكنه لا يقدمه بشكل كلاسيكي مقيد بالقواعد الصارمة، بل بأسلوب:

  • التراكم والتشابك: الحروف متداخلة بحيث يصعب قراءتها كنص لغوي مباشر، مما يحول الكلمة من أداة توصيل معلومة إلى وحدة جمالية مجردة.
  • الليونة والقوة: نلاحظ مزجاً بين انحناءات الحروف المغربية اللينة وبين ضربات الفرشاة العريضة والقوية التي تذكرنا بالفن التجريدي الحديث.
  • اختار الفنان لوحة ألوان رمزية ودافئة:
  • الأحمر: يسيطر على الدائرة والعمود الأوسط، وهو لون يرمز للحياة، الطاقة، والعاطفة المتوقدة.
  • الأزرق الغامق/الأسود: يمنح اللوحة عمقاً ووقاراً، ويخلق تضاداً (Contrast) يبرز بياض الخلفية (الورق التقليدي).
  • الأبيض: استخدم الفنان الحبر الأبيض في العمود المركزي، وهو اختيار ذكي يعطي إيحاءً بالنورانية أو النص الغائب الذي يتجلى وسط الألوان.

اللوحة تعبر عن مفهوم الحرف بوصفه كائناً حياً. البندوري لا يكتب نصاً لكي يُقرأ بالعين فقط، بل لكي يُشعر به بالبصيرة. هناك نوع من الصوفية في التكرار والتشابك الحروفي، حيث يتحول النص إلى ذكر بصري مستمر.

هذه اللوحة هي جسر بين الأصالة (تمثلت في روح الخط المغربي والورق العتيق) والمعاصرة (تمثلت في التكوين التجريدي وتوزيع الكتل). إنها احتفاء بالحرف العربي كعنصر تشكيلي قادر على شغل الفراغ بجمالية مطلقة بعيداً عن المعجم اللغوي التقليدي.

الرسالة الفنية:  

الرسالة الفنية في هذه اللوحة للفنان محمد البندوري تتجاوز حدود الكتابة لتصل إلى فلسفة جوهر الحرف. يمكن تلخيص هذه الرسالة في عدة مستويات عميقة:

الرسالة الأساسية هنا هي أن الحرف العربي ليس مجرد أداة لنقل اللغة، بل هو كائن حي ذو طاقة روحية. التشابك الكثيف للحروف، خاصة في الكتلة الدائرية الحمراء، يوحي بحالة من الذكر أو الوجد، حيث تذوب الكلمات في بعضها البعض لتشكل وحدة واحدة، تذكرنا بفكرة التوحيد والفناء في الجمال الإلهي.

يوجه البندوري رسالة مفادها أن الأصالة لا تعني الجمود. من خلال استخدام الخط المغربي العريق ووضعه في قالب تجريدي حديث (الأعمدة الرأسية والكتل اللونية)، هو يقول إن هويتنا البصرية المغربية قادرة على مواكبة الفن العالمي المعاصر دون أن تفقد تمغربيتها أو قدسيتها.

الرسالة الفنية هنا تدعو المشاهد إلى التوقف عن محاولة القراءة بالعين، والبدء بالقراءة بالبصيرة. الفنان يتعمد إخفاء المعنى المباشر للكلمات ليجبر المتلقي على تأمل الجمال الشكلي للحرف:  انحناءاته، سمكه، وتفاعله مع الفراغ. الرسالة هي:  الجمال في الشكل هو معنى بحد ذاته.

تظهر اللوحة توازناً دقيقاً بين:

  • الثبات والتحول: الأعمدة تمثل الاستقامة والثبات، بينما الدائرة تمثل الحركة والاستمرارية.
  • الوضوح والغموض: الحبر الأسود الحاد مقابل الحبر الأبيض الشفاف في الوسط. هذا التضاد يرسل رسالة عن توازن الكون؛ فالحياة مزيج من الظهور والخفاء، والقوة واللين.

الاحتفاء بالهوية المغربية

بما أن محمد البندوري باحث في الجماليات الخطية المغربية، فإن رسالته الفنية هي إعادة الاعتبار للحرف المغربي كعنصر تشكيلي عالمي، وتذكير بأن هذا الخط يحمل في ثناياه تاريخاً وحضارة يمكن استثمارها في أرقى المحافل الفنية المعاصرة.

رسالة اللوحة هي دعوة للتأمل في نورانية الحرف والاحتفاء بالهوية البصرية المغربية كأداة للتعبير عن قيم روحية وجمالية كونية.

الرسالة الإنسانية

تتجلى الرسالة الإنسانية في أعمال الدكتور محمد البندوري، وهذه اللوحة تحديداً، في كونها لغة بصرية عابرة للحدود والأعراق، ويمكن قراءتها من زوايا إنسانية عميقة:

الدائرة الحمراء في أسفل اللوحة هي أقوى تعبير إنساني؛ فهي ترمز إلى المركز أو الأرض أو الإنسان. تجمع الحروف داخل هذه الدائرة وتشابكها يوجه رسالة عن الترابط البشري. الحروف هنا لا تتصارع بل تتعانق، مما يوحي بأن الإنسانية في أوج جمالها تكمن في الوحدة ضمن التنوع، حيث يذوب الفرد (الحرف) ليخدم الجماعة (التكوين الدائري).

الأعمدة الرأسية المتجاورة بألوان ومسافات مختلفة تعكس التعددية. هي رسالة إنسانية تدعو إلى التعايش؛ فكل عمود له لونه وكثافته وخصوصيته، ومع ذلك فهي تقف جنباً إلى جنب في لوحة واحدة متناغمة. هذا يجسد فكرة أن الاختلاف (في الدين، العرق، أو الفكر) هو مصدر ثراء وليس مصدر صراع.

في الحروفية المغربية عند الفنان البندوري، نجد الحرف يتمرد على السطر التقليدي الجامد. هذه التحررية هي صرخة إنسانية من أجل الحرية والانعتاق. الفنان يمنح الحرف الحق في أن يتمدد، يلتوي، ويصعد للأعلى، وهي محاكاة لرغبة الإنسان الفطرية في التحرر من القيود النمطية والتحليق في فضاءات الإبداع.

وجود المسار الأبيض في المنتصف يمثل الأمل والصفاء الإنساني. وسط ضجيج الألوان وكثافة الحبر (ضغوط الحياة وصراعاتها)، يظل هناك دائماً مسلك للنور والنقاء. هي دعوة للإنسان للتمسك بالجانب الروحاني والخيري في داخله وسط مادية العالم.

بتحويل الحرف العربي من نص لغوي (يفهمه العرب فقط) إلى شكل جمالي (يتذوقه أي إنسان في العالم)، يمارس الفنان البندوري نوعاً من الديمقراطية الجمالية. الرسالة هنا هي أن الفن وسيلة للتواصل الإنساني العالمي؛ لا تحتاج أن تتقن اللغة العربية لتشعر بطاقة هذه اللوحة، بل يكفي أن تكون إنساناً لتتأثر بتدفق خطوطها وحرارة ألوانها.

الرسالة الإنسانية عند الفنان البندوري هي دعوة لـ أنسنة الحرف؛ أي جعله وسيطاً للمحبة، التسامح، والارتقاء الروحي، مؤكداً أن ما يجمع البشر (الجمال والقيم الروحية) أكبر بكثير مما يفرقهم (اللغات والحدود).

على سبيل الختم:  الحرف كأفق كوني

إن لوحة الفنان محمد البندوري ليست مجرد تخطيط على ورق، بل هي بيان بصري يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وهويته. فمن خلال دمج جسد الحرف المغربي بـ روح التجريد العالمي، استطاع الفنان أن يرسل ثلاث رسائل متداخلة:

  • أثبت أن الحرف العربي طاقة طيعة لا تتوقف عند حدود المعنى القاموسي، بل تمتد لتصبح لغة تشكيلية عالمية تضاهي المدارس الحداثية في تكوينها وتوازنها.
  • قدم تجربة بصرية تحتفي بـ النورانية والسيولة، حيث يتحول الحبر إلى وسيط روحي ينقل المتلقي من ضوضاء التفاصيل إلى سكينة التأمل في الجمال المطلق.
  • جسد قيم التعايش والوحدة؛ فالحروف المتعانقة في الدائرة والمتجاورة في الأعمدة هي محاكاة بليغة للمجتمع الإنساني المثالي، حيث يذوب الاختلاف في بوتقة الانسجام والتكامل.

تظل أعمال البندوري شاهداً على أن الحروفية المغربية ليست مجرد استنساخ للماضي، بل هي استشراف للمستقبل، حيث يصبح الحرف العربي سفيراً للقيم الإنسانية والجمالية التي تتخطى حواجز اللغة لتخاطب الوجدان البشري في كل مكان.

باحث في الجماليات من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً