أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / رعايا صاحب الجلالة: قراءة في البناء السردي وقضايا الهامش المغربي- شكيب أريج

رعايا صاحب الجلالة: قراءة في البناء السردي وقضايا الهامش المغربي- شكيب أريج

 رعايا صاحب الجلالة: قراءة في البناء السردي وقضايا الهامش المغربي

شكيب أريج*

 

تندرج رواية رعايا صاحب الجلالة لخالد بناني ضمن الرواية الاجتماعية الواقعية التي تسعى إلى تشريح بنية المجتمع القروي المغربي والكشف عن تناقضاته. صدرت الرواية سنة 2025 عن دار مرسم، وتقع في 159 صفحة، وتأتي امتدادًا للمسار الإبداعي للكاتب الذي راكم تجربة في مجالات الشعر والقصة والرواية. وتقوم الرواية على سرد يتخذ من تجربة أستاذ قادم إلى قرية نائية مدخلًا لاستكشاف المجتمع المحلي بكل تعقيداته، إذ تتحول القرية إلى فضاء دلالي أشبه بمختبر اجتماعي تتقاطع فيه قضايا السلطة والفساد والعدالة والحب والهوية والوعي.

تتمحور القصة الرئيسية حول تجربة الأستاذ طارق الذي عُيّن حديثًا للتدريس في قرية معزولة، حيث يكتشف تدريجيًا واقعًا اجتماعيًا مركبًا تحكمه التقاليد الصارمة وتثقل كاهله مظاهر الفقر والتهميش. وفي هذا السياق تنشأ علاقة عاطفية بينه وبين أسماء، الفتاة القروية التي لم تتمكن من مواصلة تعليمها بسبب ظروفها الاجتماعية، فتغدو هذه العلاقة أكثر من مجرد قصة حب، إذ تتحول إلى نافذة يطل من خلالها القارئ على واقع القرية بكل ما يحمله من هشاشة اجتماعية وضغوط ثقافية.

يحمل عنوان الرواية «رعايا صاحب الجلالة» دلالة سياسية واجتماعية عميقة، فلفظة «الرعايا» تحيل إلى علاقة تقوم على الخضوع والتبعية، وتوحي بغياب مفهوم المواطنة الفاعلة، وكأن الرواية تلمح إلى استمرار علاقة تقليدية بين المجتمع والسلطة، حيث لا يزال الأفراد ينظر إليهم باعتبارهم رعايا أكثر منهم مواطنين. وفي هذا السياق ينبغي قراءة الخطاب الملك محمد السادس في يوليو 2025 الذي قال فيه “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.

البناء السردي للرواية:

تقوم البنية السردية للرواية على تشعب الحكايات حول القصة المركزية، مما يمنح النص طابعًا فسيفسائيًا يعكس تعددية الواقع الاجتماعي. فإلى جانب قصة طارق وأسماء تتفرع مجموعة من القصص التي تشكل لوحات اجتماعية كاشفة، مثل قصة مجلس الرجال في «أخربيش» حيث يتداول السكان أخبارهم اليومية في ما يشبه البرلمان، وقصة رحمة المطلقة التي تكافح لإعالة ابنتها حنان في ظل نظرة اجتماعية قاسية للمطلقة، وقصة المرأة الحامل التي تعاني في سبيل الوصول إلى المستشفى بسبب غياب الخدمات الصحية الأساسية، إضافة إلى قصة سعاد ابنة المرشح الانتخابي النافذ، وقصة العرافة التي يقصدها الناس طلبًا للحلول الغيبية، ثم علاقة السارد الافتراضية بآمنة عبر الإنترنت،  وحادثة حفل توزيع الهدايا التي يتدخل فيها السارد للدفاع عن الطفلة حنان. ولا تأتي هذه الحكايات اعتباطًا، بل تشكل في مجموعها بانوراما اجتماعية تكشف أعطاب المجتمع القروي واختلالاته.

الشخصيات في الرواية:

على مستوى الشخصيات، تتوزع شخصيات الرواية بين رئيسية وثانوية، كما تنقسم بوضوح إلى شخصيات تمثل الخير وأخرى تجسد الشر، حيث يغلب على البناء الروائي حضور الشخصيات البيضاء والسوداء دون حضور واضح للشخصيات الرمادية، وهو ما يعكس نزعة أخلاقية واضحة في تصور العالم الروائي. ويبرز طارق باعتباره الشخصية المحورية في الرواية؛ فهو الأستاذ القادم من خارج القرية، والمثقف الذي يمتلك حسًا إبداعيًا وتأمليًا، ويتجلى ذلك في قوله: «اقتَنعت أن كل قارئ جيد هو مشروع كاتب مبتدئ، ثم صدّقت أنني الكاتب الذي لم يكتب بعد». وتمثل هذه الشخصية ضمير المثقف المراقب الذي يكتشف الواقع تدريجيًا ويصطدم بتناقضاته. أما أسماء فتمثل نموذج الفتاة القروية الهشة التي حالت الظروف الاجتماعية دون مواصلة تعليمها، فاضطرت إلى مساعدة أمها المريضة وتحمل أعباء الحياة اليومية.

وتحضر في الرواية مجموعة من الشخصيات التي تكشف البنية الاجتماعية للقرية، مثل رحمة التي تمثل نموذج المرأة المطلقة المهمشة، والمختار الذي يبدو شخصية مثقفة نسبيًا ومهووسًا بالرياضيات لكنه يعيش نوعًا من العبثية واليأس الوجودي، إضافة إلى شخصيات السلطة المحلية مثل المقدم والقائد ورئيس الجماعة الذين يجسدون بيروقراطية الإدارة المحلية، وعلي ميت الضمير الذي يرمز إلى شهادة الزور وانهيار القيم، والأشقر الذي يمثل نموذج الفساد داخل العمل الجمعوي، ثم ماري التي ترمز إلى البعثة التبشيرية المقنعة بغطاء العمل الإنساني وأخيرا أيوب المواطن البسيط المنسي الذي يعيش في الظل.

الفضاء الروائي

للفضاء الروائي دور دلالي مهم في تشكيل المعنى داخل الرواية. فالقرية لا تظهر باعتبارها مجرد مكان جغرافي، بل تتحول إلى رمز للتهميش والعزلة الاجتماعية. وتُصوَّر المدرسة في الرواية تصويرًا كاشفًا لواقع التعليم في المناطق المهمشة، إذ لا تتجاوز حجرة واحدة بسبورة مائلة ومقاعد مهترئة، وهو ما يعكس هشاشة البنية التعليمية. أما سكن الأستاذ فيقع فوق مقبرة وتظهر فيه آثار حريق قديم، مما يضفي عليه بعدًا رمزيًا يوحي بالموات والوحدة. وفي المقابل يظهر المسجد بصف أو صفين فقط من المصلين، وهو مؤشر على ضعف الممارسة الدينية الجماعية. أما «أخربيش» فهو فضاء اجتماعي يجتمع فيه الرجال حول قدر ماء الوضوء، ويشكل مكانًا لتبادل الأخبار والثرثرة اليومية التي تعكس نبض الحياة القروية. ويبدو أن اختيار فضاءات منسية وبعيدة مثل القرى الجبلية نادر في السرد أن يتم تناوله بهذا الشكل العميق، ولا سيما أن الكاتب عايش هذا الواقع لردح من الزمن فيأتي سرده شهادة عز مثيلها.

القضايا التي تطرحها الرواية

تطرح الرواية مجموعة من القضايا الاجتماعية العميقة، في مقدمتها أزمة التعليم، حيث تكشف النظرة المتدنية التي يحملها بعض أفراد المجتمع، بل حتى ممثلو السلطة المحلية مثل المقدم، تجاه المعلم، وهو ما يعكس تراجع المكانة الرمزية للمدرسة داخل المجتمع. كما تعالج الرواية وضعية المرأة من خلال قضايا متعددة مثل الطلاق ونظرة المجتمع القاسية للمطلقة، والفقر الذي يدفع بعض النساء إلى استغلال أجسادهن، وحرمان الفتيات من التعليم، وهي قضايا تتجسد بوضوح في شخصية رحمة.

وتفضح الرواية كذلك مظاهر الفساد الإداري والسياسي من خلال التلاعب بالعمل الجمعوي وانتشار المحسوبية والزبونية واستغلال موارد الجماعة، إضافة إلى أزمة العدالة التي تتجلى في انتشار شهادة الزور واستغلال النفوذ. كما تبرز الرواية استمرار حضور الشعوذة والخرافة داخل المجتمع القروي، حيث يلجأ بعض السكان إلى العرافات والأولياء والطقوس الغيبية، مما يعكس الصراع بين العقل والخرافة في مجتمع يعيش تحولات متسارعة.

ومن القضايا الحساسة التي تتطرق إليها الرواية مسألة التبشير الديني الذي قد يتخفى خلف العمل الجمعوي، ويتجلى ذلك من خلال شخصية ماري وجمعية «اليد البيضاء». كما تكشف الرواية عن أزمة الخدمات الصحية في المناطق القروية من خلال معاناة السكان مع بُعد المستشفى وضعف التجهيزات وغياب سيارة الإسعاف، وهو ما تجسده بوضوح قصة المرأة الحامل التي تكافح للوصول إلى العلاج.

وتطرح الرواية كذلك مفارقة بين جيلين مختلفين: جيل المسيرة الخضراء الذي يحمل ذاكرة وطنية قوية، وجيل اليوم الذي يعيش تحولات اجتماعية وثقافية مختلفة، في إشارة إلى المسافة التي نشأت بين الماضي والحاضر في المجتمع المغربي.

ومن أبرز اللحظات الدالة في الرواية تلك التي يتأمل فيها السارد فعل الكتابة ذاته، إذ يقول: «لو فعلت لربما أجرح أشخاصًا ما. الكتابة انفضاح غير مأمون». تكشف هذه العبارة عن وعي سردي عميق بطبيعة الكتابة الواقعية وما تحمله من مخاطر، إذ تعكس خوف الكاتب من كشف الحقيقة وإحراج المجتمع، كما تبرز العلاقة المعقدة بين الأدب والواقع الاجتماعي.

خاتمة

في المجمل، تقدم رواية «رعايا صاحب الجلالة» صورة نقدية للمجتمع القروي المغربي، حيث تتقاطع فيها قضايا التهميش والفساد والظلم الاجتماعي وأزمة القيم. وتنجح الرواية في تحويل تجربة أستاذ بسيط في قرية نائية إلى مرآة تعكس اختلالات المجتمع بأكمله، مما يجعلها رواية واقعية نقدية تسائل المجتمع والسلطة والإنسان، وتطرح في العمق سؤال العلاقة بين الحقيقة والكتابة.

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً