الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / مفهوم تصنيف في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية لتصنيف المعارف والعلوم لدى أبي نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الثالث) – عبد الله الطني

مفهوم تصنيف في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية لتصنيف المعارف والعلوم لدى أبي نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الثالث) – عبد الله الطني

مفاهيم وأسماء

مفهوم تصنيف في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية لتصنيف المعارف والعلوم لدى أبي نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الثالث)

عبد الله الطني *

 

ويقسم الفارابي علم المناظر الى قسمين: أولهما يفحص “عما ينظر إليه بالشعاعات المستقيمة”[1]، وثانيهما يفحص “عما ينظر إليه بالشعاعات غير المستقيمة[2]. وهذا العلم الأخير “هو المخصوص بعلم المرايا”[3].وإذا كان علم المناظر، يهتم، من بين ما يهتم به، بالأبعاد، ومن بين الأبعاد أبعاد الأجسام السماوية ومقاديرها ومقاييس حركتها، فإن هناك علما تعاليميا آخر يهتم بهذه الأجسام، لكن على مستويات أخرى أشمل، وهو العلم الذي يسميه الفارابي “علم النجوم” فما المقصود بعلم النجوم هذا؟ وما موضوعه ومنطلقاته وتفرعاته؟

وبالنسبة لعلم النجوم: حسب الفارابي، وكما هو بيّن من عنوانه هو ذلك العلم الذي يتخذ النجوم والكواكب موضوعا له. ويقسمه الفارابي إلى علمين هما علم “أحكام النجوم” وعلم “النجوم التعاليمي” فما الفرق بينهما؟

علم أحكام النجوم: هو العلم ب “دلالات الكواكب على ما سيحدث في المستقبل وعلى كثير مما هو الآن موجود، وعلى كثير مما تقدم” [4] وينبهنا الفارابي إلى أن هذا العلم عندما يوصف بهذه الصفة، فهو يوصف بها على طريق التجوز، لأنه في نظره إنما “يُعَدُّ في القوى […] مثل عبارة الرؤيا، والزجر، والعرافة، وأشباه ذلك”[5]. وهذا النوع من المعرفة بالنجوم يعتبره أبو نصر من المعارف العامية التي لا تستند على أساس علمي واضح ودقيق. وقد أوضح هذا في رسالة طريفة له، تحمل عنوان “ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم”[6]. أما العلم الذي يفحص عن الكواكب والنجوم من خلال منطلقات علمية تعاليمية، فهو العلم المسمى “علم النجوم التعاليمي”. فما هو مجال فحص هذا العلم، وما هي حدود اهتماماته؟ علم النجوم التعاليمي: مع علم النجوم التعاليمي نكون مع علم “يفحص في الأجسام السماوية وفي الأرض عن ثلاث جمل: أولها: عن أشكالها وأوضاعها بعضها من بعض ومراتبها في العلم، ومقادير أجرامها، ونسب بعضها إلى بعض، ومقادير بعضها من بعض. وثانيها: عن حركة الأجسام السماوية وعما يحدث عن جميع أصناف حركاتها. وثالثها: عن حركة الأرض المعمورة منها وغير المعمورة” [7]، وهذا العلم هو الجدير إذن بصفة العلمية في نظر الفارابي. و ” ويعد من العلوم وفي التعاليم”[8].

وهو ينقسم لديه إلى ثلاثة علوم فرعية متدرجة من العام إلى الخاص، كل منها يفحص مستوى من مستويات موضوعه وهي: علم طوبوغرافية النجوم، وفيزياء النجوم، وجغرافية الأرض. ويميز الفارابي بين اختصاصاتها كما يلي: يختص أولها بالفحص عن اشكال وأوضاع الإجرام السماوية بعضها من بعض، ومقادير أجرامها ونسب بعضها إلى بعض، ومقادير أبعاد بعضها من بعض”[9]. في حين يفحص ثانيها عن “حركات الأجسام كم هي وعما يحدث عن جميع أصناف حركاتها”[10]. أما ثالثها فيفحص “في الأرض عن المعمورة منها وغير المعمورة”، وعن توزيع ساكنتها، وانتشارها في المساكن والأقاليم، وما يلحق هذه الأقاليم والمساكن من تحولات جغرافية[11]. وهو العلم الذي سَيَتَطَوَّرُ فيما بعد إلى علم مستقل يحمل اسم علم “الجغرافيا البشرية”.

لكن مسألة الأبعاد والمقادير والنسب والتوزيع أو الانتشار، وما إليها، لا تهم فقط الكائنات العددية أو الهندسية أو المناظرية، أو الكائنات الفضائية مثل الكواكب والنجوم، بل تهم أيضا الألحان والإيقاعات. لذلك فقد اختص علم من العلوم التعاليمية لفحص أوضاعها، وهو العلم الذي يسمى “علم الموسيقى”. وفي هذا الإطار يمكن   اعتبار ما كتبه أبو نصر الفارابي حول الموسيقى كعلم وفن وممارسة، تراثا إنسانيا لا يضاهي في تاريخ الفكر الفلسفي برمته. ومن مؤلفاته في صناعة الموسيقى يمكن ذكر المدخل في الموسيقى[12]، إحصاء الإيقاعات[13]، صناعة الموسيقى[14]، وكتاب الموسيقى الكبير[15]، حيث يرجع له الفضل في صناعة معجم متكامل لصناعة الموسيقى في اللغة العربية، سيصبح مصدرا ومرجعا لكل من اهتم بعلم الموسيقى في الثقافة العربية الإسلامية، لا سيما من خلال مؤلفه الضخم كتاب الموسيقى الكبير. ويتحدد معنى “علم الموسيقى” لدى الفارابي، بشكل عام، في كونه ذلك العلم الذي يقوم بفحص ودراسة الألحان على ثلاثة مستويات يمكن التمييز بينها كما يلي: مستوى فحص أصنافها وأنواعها، ومستوى البحث في تأليفاتها، وهو مستوى البحث في مادة ذلك التأليف وهدفه ومنهجيته، أو بلغة الفارابي هو مستوى البحث في “ما منه تُؤلف، وما له أُلفت، وكيف تؤلف”[16]، ومستوى البحث في كمالاتها وكيفية بلوغ أهدافها على الوجه الأكمل، أو بلغته مستوى البحث عن الأحوال التي “يجب أن تكون حتى يصير فعلها أنفذ وأبلغ”[17]، ويخضع علم الموسيقى لنفس المعيار الذي يخضع له تصنيف أغلب العلوم، وهو القسمة إلى العملي والنظري، حيث ينقسم هذا العلم بدوره إلى علمين: أحدهما “علم الموسيقى العملية”، وثانيهما “علم الموسيقى النظرية”. ويُحدد الفرق بينهما كما يلي: وعلم الموسيقى العملية: وهو العلم الذي يتكفل بتجسيد الألحان محسوسة في الآلات المناسبة لها، طبيعية كانت أم صناعية[18]. وعلم الموسيقى النظرية: وهو الذي يتخصص في فحص الألحان معقولة مجردة “لا على أنها في مادة، بل على الإطلاق”[19]. وينقسم هذا العلم إلى خمسة أجزاء أو فروع: أولهما يفحص عن المبادئ وأوائل علم الموسيقى النظرية، وثانيها يفحص عن أصولها، وثالثها يبحث في “مطابقة ما بين في الأصول بالأقاويل والبراهين على أصناف الآلات الصناعة التي تعد بها وإيجادها كلها فيها ووضعها منها على التقدير والترتيب الذي تبين في الأصول”[20]، ورابعها متخصص في: “القول في أصناف الإيقاعات الطبيعية التي هي أوزان النغم”[21]، وخامسها ينظر في كل ما يتعلق ب “تأليف الألحان” بشكل عام. ويختم أبو نصر تصنيفه العلوم التعاليم وتعريفه بها بعلمين تقنيين لهما مكانة في الحياة العملية للإنسان وهما “علم الأثقال” و “علم الحيل” أولهما ينظر في الأثقال من جهتين: جهة أنها “تقدّر أو يقدر بها”، وجهة أنها “تحرك أو يحرّك بها”[22]. ويسمى النظر الأول فحصا “عن أصول القول في الموازين”[23]، أي عن قوانين وزن الأثقال بالمعنى الفيزيائي للكلمة.

أما النظر الثاني فيسمى فحصا “عن الآلات التي ترفع بها الأشياء الثقيلة، وتنقل من مكان إلى آخر”[24]، أي عن قوانين رفع الأثقال. أما بالنسبة لعلم الحيل فيذهب الفارابي إلى أن مفهوم “الحيل” المضاف لهذا العلم يعني مناهج تدبير وتطبيق مبادئ وحقائق علمية محددة في مجال الطبيعة. وهي بالذات الحقائق الرياضية المبرهنة، ومن ثمة يمكن القول بأن “علم الحيل” كما يعرفه الفارابي، هو علم الرياضيات المطبقة في الطبيعة. لذلك قال: ” وأما علم الحيل فإنه علم وجوه التدبير في مطابقة جميع ما يبرهن وجوده في التعاليم التي سلف ذكرها بالقول والبرهان، على الأجسام الطبيعية، وإيجادها ووضعها فيها بالفعل”[25]. وهذا، طبعا، يتطلب ذكاء خاصا، ومهارات دقيقة، و “حيلا” علمية مقرونة بمرونة وتلطف في التفكير (صياغة القوانين)، وفي التدبير (القدرة على استنباط سبل تدبيرها عمليا)، لذلك كان علم الحيل بالنسبة إليه هو العلم القادر على إعطاء “وجوه التدابير والطرق والتلطف”[26]لإيجاد وإظهار الحقائق الرياضية المجردة في الأجسام الطبيعية المحسوسة المحددة، ويطبق علم الحيل هذا في عدة مجالات. لذلك سينتقل من الحديث عن علم الحيل بالمفرد العام إلى الحديث عن علوم الحيل المتخصصة، حيث يركز كل علم منها على مجال من تلك المجالات، وهي مجالات سبق وأن اهتم بكل منها علم من العلوم التعاليمية المذكورة، مثل “العدد” و “الهندسة” والمناظر“. وهكذا نُصبح مقابل ذلك أمام “حيل عددية”، وأخرى “هندسية”، وأخرى “مَنَاظِرِيّة”، لكل منها خصوصياته يميز بينها الفارابي كما يلي:

  •  الحيل العددية: والمقصود بها الحيل المرتبطة بالمجال العددي، “وهي على وجوه كثيرة منها العلم المعروف عند أهل زمننا بالجبر والمقابلة وما شاكل ذلك”[27].
  •  الحيل الهندسية:وهي الحيل المرتبطة بمجال الهندسة، وهي كثيرة منها صناعة رياسة البناء، ومنها الحيل في مساحة أصناف الأجسام ومنها حيل في صنعة آلات نجومية وآلات موسيقية، وإعداد آلات لصنائع كثيرة عملية مثل القسي وأصناف الأسلحة”[28]
  •  الحيل المناظرية:وهي الحيل المختصة بالمجال المناظري، والتي يتم التخصص بمقتضاها في “صناعة آلات تسدد الأبصار نحو إدراك حقيقة الأشياء المنظور إليها البعيدة منها، وهي صناعة المرايا”[29].

ويشير أبو نصر إلى أن مجال استخدم علوم الحيل مجال متنوع لا نهاية له، لأنه مرتبط بالحاجات المتجددة للإنسان وهكذا فمن بين هذه الحيل، يقول إن، هناك ما يرتبط “بصناعة أوانٍ عجيبة وآلات لصنائع كثيرة”[30].

ومن ثمة تظهر الأهمية العملية لعلم الحيل بشكل عام في حياة الإنسان المدنية، كيف لا وهي تقدم في نظر أبي نصر “مبادئ الصناعات المدنية العملية […] مثل الصنائع في الأبنية والنجارة وغيرها”[31]، بالإضافة إلى أهميتها العملية التي تتجلى بوضوح في تطوير المعرفة بالظواهر الطبيعية والمناظرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك[32].

ومن خلال تعريفه بالعلوم التعاليمية الأخيرة، أحسسنا بأن هذه العلوم تقترب من الطبيعة وظواهرها شيئا فشيئا، لينتقل بعد ذلك إلى التعريف بالعلم المتخصص في دراسة علل هذه الظواهر وأسبابها وهو “علم الطبيعة”، الذي يعرفه بأنه ذلك العلم الذي “ينظر في الأجسام الطبيعية، وفي الأغراض التي قوامها في هذه الأجسام، ويُعَرّف الأشياء التي عنها، والتي منها، والتي لها، توجد هذه الأجسام والأغراض التي قوامها فيها”[33]. وعندها يتحدث عن الأجسام هاهنا، فهو يتحدث عنها بإطلاق مميزا في إطارها بين “أجسام صناعية”، وهي “كل ما كان وجوده بالصناعة وبإرادة الإنسان”[34]، ” وأجسام طبيعية، وهي التي وجودها لا بالصناعة ولا بإرادة الإنسان”[35]. لكن، ورغم ذلك فبين هذين النوعين من الأجسام تَشابُه ما، يكمن في أن وجود كل منهما منشرط بمبادئ يسميها الفارابي “مبادئ الأجسام”، يقصد بها “المادة التي منها وُجِدَت وصورها وفاعلها، والغايات التي لأجلها وُجدت”[36]، ونظرا لذلك فمهمة العلم الطبيعي بالأساس، تكمن في أن “يُعَرّفَ من كل جسم طبيعي مادتَه وصورتَه وفاعله والغايةَ التي لأجلها وُجْد ذلك الجسم”[37]. وإذا كان من الْبَيّن أن المبادئ التي تحكم الشيء تحكم أعراضه، فإن تعريف أبي نصر للعلم الطبيعي سيتسع ليشمل مبادئ أعراض الأجسام الطبيعية إلى جانب مبادئ تلك الأجسام. حيث يقول: “إن العلم الطبيعي هو العلم الذي يُعطي مبادئَ الأجسام الطبيعية ومبادئَ أعراضها”[38]. وللقيام بهذه المهمة المعرفية، فقد قسم هذا العلم إلى ثمانية أجزاء أو مباحث كبرى متخصصة. حُصرت مجالات كل منها وحُددت مبادئها ومنهجية مقاربتها لتلك المجالات وما تتضمنه من ظواهر كما يلي:

علم المبادئ المشتركة للأجسام الطبيعية بإطلاق، وميدان تخصصه هو “الفحص عما تشترك فيه الأجسام الطبيعية كلها”[39]. وهو العلم المدون في كتاب يسمى “كتاب السماع الطبيعي”.

علم السماء والعالم، ومهمته الفحص عن الأجسام السماوية البسيطة وأجزائها، وخلاصة ذلك في كتاب معروف باسم “كتاب السماء والعالم”.[40]

علم تكون الأجسام الطبيعية وفسادها، ومهمته “الفحص عن تكون الأجسام الطبيعة وفسادها على العموم”[41]

علم الآثار العلوية، وهو علم متخصص في “الفحص عن مبادئ الأعراض والانفعالات التي تخص الأسطقسات وحدها دون المركبات عنها”[42]. ومبادئ ذلك العلم موجودة في “كتاب الآثار العلوية”.

علم المركبات عن الأسطقسات، ومهمته ” النظر في الأجسام المركبة عن الأسطقسات”[43]. ويلاحظ أن الفارابي لم يحدد لهذا التخصص كتابا مستقلا ومذكورا بالاسم، ولعله من كتبه المفقودة، وما أكثرها.

علم المعادن: وهو علم يختص ب “النظر فيما تشترك فيه الأجسام المركبة والمتشابهة الأجزاء التي ليست أجزاء المختلفة الأجزاء وهي الأجسام المعدنية”[44]ومرجعه هو الكتاب المسمى “كتاب المعادن”.

علم النبات: ومهمته دراسة العالم النباتي انطلاقا من “النظر فيما تشترك فيه أنواع النبات ما يخص كل واحد منها”[45] والكتاب المرجعي المنظم لمقتضيات هذا العلم هو “كتاب النبات”.

علم الحيوان: وهو علم يختص في “النظر فيما تشترك فيه أنواع الحيوان، وما يخص كل واحد منها”[46]ومنطلقات هذا العلم مسطرة في “كتاب الحيوان”.

من خلال تتبعنا لتعريف الفارابي بالعلم الطبيعي يمكن تسجيل ملاحظتين عامتين هما: إن هذا الإحصاء جاء متدرجا حسب تدرج موضوعاته، من الموضوعات المرتبطة بالظواهر الطبيعية العامة، إلى الظواهر الطبيعية الخاصة أو الدقيقة. وهو تدرج ترتبط فيه كل ظاهرة بسياقاتها ارتباطا سببيا. كأن يرتبط عالم الحيوان بعالم النبات، وأن يرتبط هذا الأخير بعالم المعادن، وعالم المركبات عن الأسطقسات بالأسقطسات وطبيعة انفعالاتها، وكأن ترتبط هذه بجدلية الكون والفساد، انطلاقا من حركة الأجسام السماوية، ونظام الأجسام والظواهر الطبيعية بشكل عام.

يلاحظ من جهة أخرى وجود قاسم مشترك بين كل جزء من أجزاء العلم الطبيعي، أو علومه الفرعية، ويتجلى ذلك في أن فحص كل منها لمستوى من مستويات الظواهر الطبيعية، التي يدرسها، ويتم انطلاقا من البحث في أسبابها الأربعة (العلة الصورية، والعلة المادية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية) وما يرتبط بها من أعراض، وهذا بَيِّنٌ من قول الفارابي: “يعطي العلم في كل نوع من هذه الأجسام مَبَادِئَها الأربعة وأعراضها التابعة لتلك المبادئ”[47].

غير أن هناك علما آخر، ينظر، من بين ما ينظر فيه، في هذه الظواهر، لكن بجهة أكثر عمقا وتجريدا، وذلك هو العلم الذي سماه الفارابي ب “العلم الإلهي”. فبماذا يتميز هذا العلم إذن عن العلم الطبيعي؟ ما هي طبيعة مقاربة فيلسوفنا لقضاياه؟ وما هي فروعه ومباحثه الأساسية؟

بعد العلم الطبيعي في الترتيب يأتي العلم الإلهي في الترتيب الاسمولوجي لأبي نصر الفارابي وهو العلم الذي ينظر في المبادئ القصوى سواء منها المتعلقة بالوجود أو المعرفة أو عالم الربوبية. وهو ينقسم بحسب كل نوع من أنواع هذه المبادئ إلى ثلاثة أجزاء أو علوم فرعية وهي:

علم الوجود أو “الانطولوجيا”: وهو علم يبحث في مبادئ الوجود انطلاقا من فصحه “عن الموجودات والأشياء التي تعرض لها بما هي موجودات”[48].

علم مبادئ العلوم الجزئية ومفاهيمها: وهو جزء من العلم الإلهي، يعرفه الفارابي بأنه العلم الذي “يفحص عن مبادئ البراهين في العلوم النظرية الجزئية، وهي التي ينفرد كل علم منها بالنظر في موجود خاص، مثل المنطق والهندسة والعدد، وباقي العلوم الجزئية الأخرى التي تشاكل هذه العلوم […] ويلتمس تصحيحها وتعريف جواهرها وخواصها”[49].

علم مبادئ كائنات عالم الربوبية أو “علم اللاهوت”: وهو علم ينقسم إلى قسمين: أحدهما معرفي وثانيهما نقدي. فهو بمقتضى الشق الأول “يفحص عن مبادئ الموجودات التي ليست بأجسام ولا هي أجسام”[50]. وهي طبعا كائنات عالم الملكوت والربوبية. بحيث سيبحث في ترتيبها من حيث الكمال، إلى أن يصل إلى أرقاها وأكملها مرتبة على الإطلاق، هو الله سبحانه وتعالى، ويُبين صفاته وأفعاله في الموجودات، وكيف حدثت هذه الأخيرة عنه، وفق ترتيب ونظام محددين[51]. أما بمقتضى الشق الثاني، فإنه يَطَّلِعُ بمهمة “إبطال الظنون الفاسدة التي ظنت بالله عز وجل في أفعاله بما يدخل النقص فيه وفي أفعاله وفي الموجودات التي خلقها، فيبطلها كلها ببراهين تفيد العلم اليقين”[52]. وبعد التعريف بالعلوم ذات الطابع النظري ينتقل الفارابي إلى التعريف بنوع آخر من العلوم له علاقة وطيدة بالحياة المدنية والعقائدية للإنسان، مثل العلم المدني، وعلم الفقه، وعلم الكلام. فكيف عرف بكل علم من هذه العلوم؟

في البداية الجواب عن هذا السؤال ملاحظتين هامتين هما:

ـ كون الفارابي قد قدم كلا من علم الفقه وعلم الكلام في لائحة العلوم.

ـ وكونه قد ربطهما معاً بالعلم المدني في فصل واحد من كتاب الإحصاء، فماذا يعني هذا وذاك؟

يبدو من خلال التعريف الإجمالي الذي يقدمه الفارابي بالعلم المدني، أن هدف هذا الأخير هو التأسيس النظري لكل ما من شأنه أن يؤهل الإنسان، أفرادا وأمما، لحياة مدنية يسودها التوازن، وتحكمها قيم الخير والفضيلة والحق. وبالتالي كل ما يهم حياة الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية. ويحقق في هذه الحياة قيمة “المدنية” أو “التمدن”. لذلك فقد عرفه بأنه العلم الذي “يفحص عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية، وعن الملكات والأخلاق والسجايا، والشيم التي عنها تكون تلك الأفعال والسنن، وعن الغايات التي لأجلها تفعل، وكيف ينبغي أن تكون موجودة في الإنسان”[53]. وهي “أفعال” و “سنن:” لا تتمثل أهميتها لدى الإنسان من حيث هو فرد فحسب، بل وبالأساس من حيث هو كائن اجتماعي متداخل مع باقي أفراد مجتمعه، في نسق من العلاقات، التي يجب أن تكون هذه “الأفعال” و “السنن” التي تحكمها فاضلة. ولا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت “موزعة في المدن والأمم على ترتيب، وتستعمل استعمالا مشتركا”[54]، وهو ما يعكس التصور التكاملي للفلسفة السياسية الفارابية للعلاقات الإنسانية في المجتمع المدني

ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بوجود رآسة فاضلة تحكم المجتمع وتوجهه نحو الخير، وتترسخ بوجوده “تلك الأفعال والشيم والملكات والأخلاق في المدن والأمم”. وإذا تحقق ذلك ف “المدن والأمم المنقادة لهذه الرآسة في المدن والأمم الفاضلة”[55]. لهذا فالقول في أصناف الرآسات والمدن، والتمييز بين الفاضل منها وغير الفاضل، يعتبر مهمة من مهام “العلم المدني” ومن ثمة، فهذا العلم ينقسم إلى جزئين يقول الفارابي: “جزء يشمل تعريف السعادة […] وإحصاء الأفعال والسير والأخلاق والشيم والإرادية الكلية التي شأنها أن تتوزع في المدن والأمم، وتميز الفاضل منها من غير الفاضل”[56]. وهذا جزء يرسي الأسس النظرية لمدينة الفاضلة، أما الجزء الثاني ف “يشتمل على وجه ترتيب الشيم والسير الفاضلة في المدن والأمم، وعلى تعريف الأفعال الملكية التي بها تمكن السير والأفعال الفاضلة وترتب في أهل المدن”. ومن ثمة فهو جزء يرصد الأوضاع التطبيقية العملية الممكنة للأسس النظرية التي سبق أن صنفها في الجزء الأول.

أما علم الفقه فيعرفه أبو نصر بأنه صناعة تُقْدِرُ الإنسان على القيام بعمليتين فكريتين متكاملتين هما الاستنباط والتقدير. فالاستنباط آلية منطقية تقوم على أوليات، أما التقدير فهو آلية تقريبية تقوم على غايات. بمعنى أن الاستنباط هو اشتقاق أحكام غير مصرح بها في الشريعة في أمور عملية بناء على سند شرعي، أما التقدير، فهو تقدير دلالاتها انطلاقا من رابطة قياسية تربطها بغرض واضع تلك الشريعة، ورابطة المصلحة التي تتطلبها الحاجة العملية للاستنباط ذاته. لذلك قال في تعريفه بهذا العلم: “وصناعة الفقه هي التي بها يقتدر الإنسان على استنباط شيء مما لم يصرح واضع الشريعة بتحديده عن الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير، وأن يتحرى تصحيح ذلك على حسب غرض واضع الشريعة بالملة التي شرعها في الأمة التي لها شرع”[57].

كل ذلك في إطار معادلة أساسية هي معادلة النظري والعملي، الآراء والأفعال. هكذا ف “كل ملة فيها آراء وأفعال”[58].

والآراء هي كل ما يتعلق بثوابت ومعتقدات هذه الملة وتصورها لله والعالم بشقيه الدنيوي والأخروي. والأفعال هي “التي يعظم بها الله عز وجل […] والتي بها تكون المعاملات في المدن”[59]، أي كل ما يتعلق بالمجال العملي. لذلك ينقسم علم الفقه إلى قسمين أو جزئين: “جزء في الآراء وجزء في الأفعال”[60]

في حين يعرف علم الكلام من حيث الهدف بكونه العلم الذي يستهدف تحديد عدد من الوسائل الحجاجية المناسبة للدفاع عن الملة التي ترتبط بها عقائديا. ومن ثمة فهو علم دفاعي وملكة حجاجية. لذلك عرفه أبو نصر بأنه “ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحددة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل”[61]. والقسمة التي أجراها الفارابي، كما رأينا من قبل، على الملة اثناء تعريفه بها، هي نفسها التي أجراها على “علم الكلام”. فبما أن الملة تنقسم إلى أراء وأفعال، فعلم الكلام شأنه شأن الملة ينقسم كذلك إلى جزئين “جزء في الآراء وجزء في الأفعال”[62]. وهي قسمة سوف يخضع لها أيضا تعريفه لعلم الفقه. وهذا النظر العلمي المنقسم إلى نظر في الآراء وآخر في الأفعال، هو تخصص في بناء النظرية الموجهة للسلوك من جهة، وفي النظرية المراقبة لمدى مطابقة ذلك السلوك للمنطلقات النظرية التي تؤطره. وذلك تمشيا مع أطروحته المؤكدة على أنه لا أهمية لعلم بدون عمل، ولا معرفة صحيحة بدون أخلاق، ولا لفلسفة نظرية بدون فلسفة عملية مطبقة لمقتضياتها. لكن ما الذي يبرر ذلك الترابط بين علم الكلام وعلم الفقه في علاقتهما بالملة؟

إذا كان القاسم المشترك بين علم الكلام وعلم الفقه في نظر أبي نصر الفارابي هو ارتباط كل منها بالملة، فإن هنالك فرقا في طبيعة هذا الارتباط، فارتباط علم الفقه بالملة، هو ارتباط استنباطي؛ لأن مهمة الفقيه بالنسبة للفارابي هي ـأن “يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مُسَلّمَةً، ويجعلها أصولا، فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها”[63]. أما ارتباط علم الكلام بها فهو ارتباط دفاعي، لأن مهمة المتكلم هي أن “ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها أشياء أخرى”[64]. غير أن أبا نصر يقر بإمكانية أن يجمع المفكر الواحد بين عملية استنباط الأحكام من الشريعة والدفاع عن أصولها، وذلك إذا كان يجمع بين كونه فقيها ومتكلما في الوقت نفسه. وهو هنا يشير طبعا إلى فقهاء المعتزلة وكذا فقهاء أهل السنة من الأشاعرة الذين كانوا يطلعون بالوظيفتين الفقهية والكلامية في الوقت نفسه. ويعمق الفارابي تعريفه لعلم الكلام بتحديد منهجيته في نصرته للملة؛ إذ يرى أن دفاع هذا العلم عن آراء الملة ونصرته لها، يتخذ خمسة وجوه، يحددها كما يلي:

  • وجه نصرتها بالمنقول ذاته. فما دامت الملة “مأخوذة من وحي إلهي[…]وفيها أسرار إلهية تضعف عن إدراكها العقول الإنسية ولا تبلغها”[65] فلا حاجة لأن “تمتحن بالآراء والروية والعقول الإنسية، لأنها أرفع رتبة منها”[66]. فالملة تتضمن في داخلها دفاعها عن نفسها، ووجه نصرتها بالمحسوسات والمشهورات والمعقولات، وجه نصرتها بإبراز عيوب خصومها،[67] ووجه نصرتها باستخدام أساليب ترهيب الخصم أو تخجيله في حالة العجز عن رده بالحجج والبراهين[68]، ووجه نصرتها بأي أسلوب اتفق، بما في ذلك “الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة، إذا كان المناصر قليل المعرفة بالملة أو ضعيف العقل”[69]. ترتيب الفارابي لوجوه نصرة الملة، بالشكل الذي رتبت به، هو ترتيب متدرج من الوجه الأسمى والأكمل، حسب الرتبة المعرفية لعلم الكلام، إلى الوجه الأقل كمالا، إلى أن يصل إلى أنقص وجوه تصرفها، ومن المعلوم أن الرتبة المعرفية لهذا العلم لا تتجاوز النظر الإقناعي الخطابي. وهذا ما يوضحه الفارابي في الاستنتاج التالي: إذا كانت الملة “إنما تُعَلِّمُ الأشياء النظرية بالتخييل والإقناع” [70]، فظاهرٌ أن “صناعة الكلام التابعة للملة […] لا تصحح شيئا منها إلا بطرق وأقاويل إقناعية”[71]، وأخرى خطبية تعتمد المشهورات ومبادئ الرأي المشترك للجميع، والضمائر والتمثيلات. ومن ثمة فعلاقة صناعة الكلام بالفلسفة تماثل علاقته بالملة.

بتعريف الفارابي لعلم الكلام، ينتهي معجم العلوم لديه، أو إحصاؤه وتصنيفه لها. فما هي الخلاصات والملاحظات التي يمكن الخروج بها، من خلال تتبعنا لمكونات هذا المعجم ومواده، سواء على مستوى العرض أو على مستوى الترتيب، في ضوء تصور أبي نصر الفارابي للمعارف العلمية ولدلالاتها المختلفة؟

بهذا الصدد، يمكن تسجيل أربع ملاحظات، نراها أساسية. تتعلق الملاحظة الأولى بطبيعة العلوم التي شملها تعريفه بتلك العلوم. والثانية بالعناصر التي صيغ منها ذلك التعريف، ومدى فعالية أسلوبه. والثالثة بالمنطق الذي تَحَكّم في ترتيبه لها، وترتيب فروعها بالشكل الذي رتبت بها لديه. والرابعة بتقاطب العملي والنظري في هذا التصنيف.

  1. إن العلوم التي طالتها تحديدات أبي نصر هي العلوم التي وصفها بأنها “العلوم المشهورة”. لكن السؤال الذي قد يثور بوجهنا ها هنا هو أنه إذا كانت هذه العلوم مشهورة ومعروفة، فما الداعي إلى التعريف بها؟ ألا يكون هذا التعريف بالمشهور المعروف من باب تحصيل الحاصل المألوف، أو الزائد الفضل الغير مرغوب فيه؟

في هذا الإطار، لا أعتقد أن فيلسوفا حكيما، ومعلماً حصيفاً بحجم الفارابي، يتحكم في كل تعاليمه الهاجس التربوي الهادف، كان يريد بمعجمه العلمي ذاك تحصيل الحاصل. ولا أخاله بنعته تلك العلوم بالمشهورة، أن مخاطبيه يعرفونها بالوجه الذي عَرَّفها به. ومن ثمة بقي أن يكون قصده بصفة العلوم “المشهورة” تلك معنيين متمايزين بتمايز كل صنف منها عن الصنف الآخر، نفرق بينهما كما يلي: فهي مشهورة أولا، بمعنى أنها العلوم المشهورة في تاريخ الفلسفة ولدى المشتغلين بها. وهي علوم الحكمة كما صاغ أركانها المعلم أرسطو، ويعرفها الفارابي من بعده، وفق سياق آخر. وهي علوم المنطق والعلوم التعاليمية الطبيعية والميتافيزيقية والمدنية. وهذه كلها بالنسبة لوسطه الثقافي كانت علوما جديدة. وكان الاهتمام بها لا زال في بدايته. ونظرة الناس إلى الفلسفة بشكل عام كانت مختلفة ومتناقضة، كما عبر عن ذلك الفارابي نفسه في كتاب الحروف[72]. فكان من الضروري إذن تقديمها للناس تقديما يبرز دلالتها وفوائدها النظرية والعلمية بالنسبة لحياة الإنسان العقلية والمدنية، بغض النظر عن أصلها. فكأن الحكمة عموماً لا وطن لها، وهي حق بالنسبة للإنسان في كل مكان وزمان، ووسيلة تمكنه من تحقيق الكمال المخول له من حيث هو إنسان؛ وهي مشهورة، ثانيا، بمعني أنها علوم بيِّنَةٌ ومعلومة في وسطه الثقافي، مثل علم اللسان، وعلم الفقه، وعلم الكلام، ولكن رغم ذلك فالفارابي يريد – باعتباره فيلسوفا – صياغة تعريف متميز لها ومُؤَسِّس نظريا، في إطار نظريته العامة حول نشأة اللغة وحدوث الصنائع، كما تبعنا ذلك في كتابنا الموسوم “من فلسفة اللغة إلى لغة الفلسفة لدى أبي نصر الفارابي”[73]، فيرتقي بها من المقاربة العامية التجزيئية المحددة، إلى المقاربة الخاصية التركيبية النسقية المجردة.

2 ـ إن تعريفه بكل علم من تلك العلوم، ولكي يحقق الهدف المنشود منه، قد جاء تعريفا شاملا من جهة، ومعرفيا من جهة أخرى، وتتجلى شموليته في إحاطته بهذا العلم أو ذاك من مختلف المستويات والعناصر المحددة له. أما معرفيته فتتجلى في كون أن تعريفاته للعلوم قد قامت على تحديد أهدافها وموضوعاتها ومناهج تحصيلها لمعلوماتها، أو بلغته طريقة فحصها، ورتبتها في سلم البرهان والوثاقة، وعلى التمييز بين أجزائها أو فروعها، وعلاقة تلك الأجزاء ببعضها وعلاقتها بغيرها من العلوم، مبرزا نقط التقاطها أو اختلافها في إطار هذه العلاقة. كل ذلك بأسلوب تعليمي تتخلله أمثلة تقريبية ومقارنات توضيحية، مثل مقارنته اثناء تعريفه بالمنطق، بين هذا الأخير وعلم النحو، ومثل تشبيهه للعلم الذي يجب أن يتقدم عن غيره بتقدم الرئيس المستعمل للخادم على الخادم، والمستعمل لآلة على الآلة[74].

3- إن تصنيف المعلم الثاني لهذه العلوم وتعريفه بها، يلتقي مع تصنيف المعلم الأول في أمور، ويتميز عنه في أمور أخرى. فالفارابي قد استوعب تصنيف أرسطو وتجاوزه في نفس الوقت إلى منظور أكثر تركيبية وذلك بحكم انفتاحه على ثقافة وعلوم عصره. بحيث نجد في منظوماته العلمية، إلى جانب علوم المنطق والرياضيات وعلوم الطبيعة وما وراء الطبيعة والعلم المدني، وعلوم أخرى مثل علم اللغة وعلم الفقه وعلم الكلام. وهو يؤسس تعريفه بهذه العلوم وفق ترتيب يسميه “الترتيب الصناعي”[75]. وهو ترتيب يتحدد بمقتضاه كل علم بسابقه ويتحدد به لاحقه. لذلك فقد كانت البداية بعلم اللغة، ثم جاء بعده علم المنطق. ثم علوم التعاليم، فالعلم الطبيعي والإلهي، فعلوم الإنسان، وهي التي تشمل لديه العلم المدني وعلم الفقه، وعلم الكلام. وهذا الترتيب يقوم على أسس معلومة واضحة: فعلم اللغة تم ترتيبه في البداية لأنه علم تسديد اللسان، لأن اللسان شرط الفكر، الذي هو بدوره شرط المعرفة والعلم. وهذه حقيقة ابستمولوجية وفي الوقت نفسه تاريخية. وذلك منسجم مع التصور الفارابي للمسار التاريخ لنشأة الصناعات. فالبداية كانت بحدوث الحروف، تم حدوث الألفاظ، فحدوث أصناف الأقاويل، ثم أصناف العلوم؛ وفق ترتيب يقتضيه مستوى نمو المهارات اللسانية والعقلية للإنسان، وقد فصل القول في ذلك في كتابه الموسوم ب:” الحروف” المشار اليه أعلاه. وهكذا وبعد علم تسديد اللسان يأتي في الترتيب علم تسديد العقل بالميزان (أي المنطق أو الأرغانون كما سماه أرسطو). والعلم الأول في نظر الفارابي مدخل ضروري للعلم الثاني، وبالتالي لكل العلوم لأنه هو العلم الذي ينتج ويسدد ألفاظها ومعجم هذه الألفاظ، لذلك فقد ألف العديد من الرسائل التي أبرز فيها أوجه العلاقة بين اللغة عموما وعلم من علومها الفرعية وهو علم النحو، وعلم المنطق. وصناعة المنطق سابقة على العلوم، فالمنطق “أرغانون العقل” وأداة اشتغاله، وبالتالي أساس المعارف والعلوم. لذلك “يلزم ضرورة أن تكون العناية بهذه الصناعة تتقدم العناية بالصنائع الأخرى”[76]. فعلى أساس سداد اللسان والتعبير إذن ينبني سداد العقل والتفكير. وهو سداد يتخذ أرقى صوره في الرياضيات. لذلك تأتي علوم التعاليم مباشرة بعد علم المنطق. وعندما تبلغ الآلة النظرية للإنسان الحد الممكن لها من الكمال يبدأ النظر في حقيقة العالم وأحواله، فتكون البداية بعالم الطبيعة، لأنه الأقرب إلى الإنسان، بل هو مجاله الحيوي أو مجال وجوده. لذلك فقد جاء علم الطبيعة في الرتبة الموالية لعلم الرياضيات. ثم تأتي مرحلة النظر في عالم ما بعد الطبيعة، لأن أُسُسَه موجودة في العلوم السابقة، ولأن من مهامه النظر في أوائل الموجودات وكذا في أوائل المعرفة، وحيث يكون العقل الإنساني آنذاك قد امتلك من وثاقة البراهين ما يُمَكّنُهُ من النظر بأمان في مبدأ المبادئ كلها وعلة كل الموجودات، وهو الله عز وجل. وعلى أساس هذه المعرفة سيمكن للإنسان أن يرسم أسس المعرفة بوجوده الخاص، ونظام حياته المدنية، لذلك يأتي العلم المدني في الرتبة الموالية للعلم الإلهي؛ لكي يأتي بعده علم الفقه ثم علم الكلام. وهما علمان أساسيان في علوم الملة من حيث تأطير مشروعها العملي.

لكن لماذا يأتي كل من علم الفقه وعلم الكلام في آخر قائمة العلوم لديه؟ إن سبب ذلك يأتي، بدون شك استجابة لمقتضيات نظريته العامة حول نشأة العلوم أولا، وحول العلاقة بين الفلسفة والملة ثانيا. فلقد سبق أن قال بالأسبقية التاريخية للفلسفة على الملة في تلك النظرية. فمن الطبيعي إذن أن تكون علوم الفلسفة سابقة على علوم الملة. ومن ثمة قوله: “إن صناعة الكلام والفقه متأخرتان عن الملة، والملة متأخرة عن الفلسفة”[77]. والنتيجة المنطقية لذلك طبعاً هي أن علم الفقه وعلم الكلام متأخران عن الفلسفة بكل علومها. وهو تأخر تاريخي وفي نفس الوقت ابستمولوجي. فقد سبق أن رأينا كيف صنف أبو نصر طرق التفكير والمفكرين في سلم العامة والخاصة. فالنسبة إليه يكون الخاصة على الإطلاق هم الفلاسفة، لأن نظرهم أشمل وبراهينهم أوثق؛ وهم بذلك خاصة الخاصة. ويليهم في الخصوصية الجدليون ثم السفسطائيون، ثم واضعو النواميس، ثم الفقهاء، فالمتكلمون فأصحاب الصنائع العملية، إلى أن يصل إلى العوام والجمهور وهم العموم[78].

إن منهج التدرج الذي تَحَكَّمَ في ترتيب الفارابي للعلوم، بشكل عام سيتحكم أيضا في ترتيبه لفروعها، حيث أن كل فرع علمي من تلك الفروع يتحدد بسابقه ويُحَدِّدُ لاحقَه. وهو تدرج من البسيط إلى المركب، لا تفرضه الضرورة التاريخية فقط بل الضرورة التعليمية كذلك. وهكذا ففي علم اللسان مثلا، نلاحظ أن علم الألفاظ المفردة يسبق علم الألفاظ المركبة. وهذان العلمان يسبقان في الترتيب علم القوانين المتعلقة بهما، لأنه لا يمكن صياغة القوانين قبل تأمل الظواهر. ونلاحظ أيضا أن علم الكتابة سابق في الترتيب على علم القراءة. كما نسجل أن علم الأشعار يأتي في آخر لائحة علوم اللسان، لأن الشعر تتويج إبداعي للممارسة اللغوية.

وإذا تأملنا الصنائع المنضوية تحت صناعة المنطق، فإننا سنجد ترتيبها أيضا خاضعاً لنفس المنهج الإبستمولوجي، بحيث تكون البداية بمعرفة المقولات، ثم يتم الانتقال إلى المعرفة بالعبارة، فالقياس، فالبرهان. وهو تدرج لا يمكن فيه حرق المراحل أو تخطي بعضها، فضلا عن كونه نفس المنطق الذي يحكم تراتب العلوم الفرعية داخل علوم التعاليم أو علوم الطبيعة.

4- كما لا حظنا من جهة أخرى، إن تصنيف الفارابي لهذه العلوم، قد تخلله تعالق وتقابل بين العملي والنظري فيها. فقد رأينا كيف أن المعرفة لديه تتدرج في حدوثها من المعرفة بالمحسوسات المحددة إلى المعقولات المجردة، ومن المعرفة العلمية المحددة إلى المعرفة النظرية المجردة. فالنظري دائما يأتي تتويجا للعلمي ومن ثمة بعده. ففي علم اللسان رأينا كيف أن مرحلة صياغة القوانين اللغوية تأتي بعد مرحلة رصد وحصر وإحصاء وترتيب وتدوين المادة اللغوية. وفي المنطق لاحظنا كيف أن صناعة البراهين تأتي لاحقة على المعرفة بكل مكوناتها. وفي علوم التعاليم يبدو التقابل واضحا بين العملي والنظري، مثل ذلك التقابل بين علم العدد العملي وعلم العدد النظري، والهندسة العملية والهندسة النظرية، وعلم الموسيقى العملية وعلم الموسيقى النظرية. وهكذا يأتي علم العدد العملي والهندسة العملية وعلم الموسيقى العملية لاحقا على علم العدد النظري والهندسة النظرية وعلم الموسيقى النظرية. كما لاحظنا في “العلوم الإنسانية”، مثل العلم المدني وعلم الفقه وعلم الكلام، وجود نفس التعاليق والتقابل، ولكن بصيغة أخرى وهو التقابل بين “علم الأفعال” و “علم الآراء”.

غير أنه إذا كان التدرج في ترتيب الفارابي للعلوم ينطلق من العلوم العملية لينتهي إلى العلوم النظرية، وأن النظري يأتي تتويجا للعملي، فإننا نلاحظ من جهة أخرى أن النظري يأتي سابقا أو أساسا لتطوير الممارسة العملية، وبالتالي يكون أداة لتنظيمها، لذلك فالحكمة كلها والعلوم كلها تسعى لغاية واحدة، وهي تحقيق سعادة الإنسان، وتقدم نفسها باعتبارها أداة لتنظيم وجوده الخاص والكمال المُخَوَّل المناسب لذلك الوجود. ولعل هذا هو سبب تواجد العلوم المرتبطة مباشرة بتنظيم ذاك الوجود (العلم المدني، علم الفقه وعلم الكلام في المرتبة الموالية للعلوم النظرية، وتتأسس على أهم نتائجها وخلاصاتها). كل ذلك إذن من أجل غاية كبرى محددة يسعى الإنسان لاكتسابها وتتمثل في تسديد لسانه وعقله ورؤيته للعالم وسلوكه المدني، الشيء الذي يجعلنا نعتقد، بدون مبالغة، أن أفكار الفارابي ورهاناته ترقى إلى مستوى الكونية، ولا تزال لها راهنيتها، إذ أن كل الفلسفات والسّياسات اليوم تسعى إلى تحقيق ذلك السداد اللساني التواصلي، والمنطقي والفكري، والسياسي المدني، الذي كان يؤسس له المعلم الثاني بكل ما تيسر لديه من حكمة وبعد نظر، من أجل اكتساب الحرية التي هي أساس تدبير الوجود، والسعادة التي هي كمال هذا التدبير.

 

[1]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم”  نفسه ، ص:102

[2] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم”  نفسه ، ص:102

[3]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم”  نفسه ، ص:102

[4] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم”  مصدر سبق ذكره ، ص:103

[5] _ الفارابي، نفسه ، ص:103

[6] _ الفارابي،: مقالة فيما يصح و ما لا يصح من أحكام النجوم، حققه و قدم له و علق عليه د جعفر آل ياسين ضمن: رسالتين فلسفيتان. دار المناهل للطباعة و النشر بيروت ط 1 .1987.

[7]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:103

[8] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم”  نفسه ، ص:103

[9]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:104

[10] _ الفارابي،  نفسه ، ص:104

[11]  _ الفارابي، نفسه ، ص:104

[12]  _ الفارابي، مدخل الموسيقى، د حسين محفوظ ود جعفر آل ياسين، مؤلفات الفارابي، مطبعة الآداب البغدادية، بغداد 1975، ص: 188و342.

[13]  _ الفارابي، إحصاء الإيقاعات، تحقيق د محسن مهدي، ضمن نصوص فلسفته. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1976، ص: 69.

[14]  _ الفارابي، صناعة الموسيقى د حسن محفوظ وجعفر آل ياسين، مؤلفات الفارابي المرجع السابق ص330.

[15]  _ الفارابي، كتاب الموسيقى الكبير، تحقيق وشرح غطاس عبد المالك خشبة. مراجعة وتصدير محمود أحمد الحنفي، دار الكتب العربي للطباعة والنشر – القاهرة بدون تاريخ.

[16]  _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:105

[17]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم “نفسه، ص:105

[18]  _ يقصد الفارابي بالآلات الطبيعية: الحنجرة واللهاة والانف؛ وبالآلات الموسيقية الصناعية المزامير، والعيدان وغيرهما (كتب إحصاء العلوم، مصدر سبق ذكره ص105)

[19] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:107

[20] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:107

[21] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:107

[22] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:107

[23] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:107

[24] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق دكره ، ص:108

[25] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:108

[26]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:108

[27]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:109

[28]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مرجع سبق ذكره ، ص:109

[29]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:110

[30]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:110

[31]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:110

[32]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:110

[33]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مرجع سبق ذكره، ص:111

[34]  _ الفارابي، كتاب نفسه ، ص:111

[35]  _ الفارابي، كتاب نفسه ، ص:111

[36]  _ الفارابي، كتاب نفسه ، ص:116

[37]  _ الفارابي، كتاب نفسه ، ص:116

[38]  _ الفارابي، كتاب نفسه، ص:116

[39]  _ الفارابي، كتاب، نفسه ، ص:118

[40]  _ الفارابي كتاب ، نفسه، ص:118

[41]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:118

[42]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:118

[43]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:119

[44]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:119

[45]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:119

[46] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص:119

[47]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:120

[48]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص:120

[49]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:121

[50]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:122

[51]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:122

[52]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:123

[53]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:124

[54]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:125

[55]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:125

[56]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:127

[57]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص:131

[58]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:131

[59]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:131

[60]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:131

[61]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:131

[62]  _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:131

[63]  _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص:132

[64]  _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص:132

[65]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:132

[66]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم “نفسه، ص:132

[67]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:136-137

[68]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:137

[69]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص: 137-138

[70]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:132

[71]  _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:132

[72]  _ يقول الفارابي في ص 156 من كتاب الحروف “أما الفلسفة فإن قوما منهم حنوا عليها، وقوم أطلقوا فيها، قوم سكتوا عنها، وقوم نهوا

عنها…”.

[73] عبد الله الطني، من الفلسفة الى لغة الفلسفة لدى ابى نصر الفارابي، مطبعة سجلماسة مكناس المغرب 2011.

[74]  _ يقول أبو نصر الفارابي موضحا هذه الأطروحة: ” والملة تتقدم على الكلام والفقه على مثل ما يتقدم الرئيس المستعمل للخادم الخادم المستعمل للآلة الآلة”. كتاب الحروف مصدر سبق ذكره س132.

[75]  _ الفارابي، التنبيه إلى سبيل السعادة، حققه وقدم له وعلق عليه د جعفر آل ياسين، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ط1 1985 ص84.

[76]  _ الفارابي، التنبيه إلى سبيل السعادة، نفسه ص78.

[77]  _ الفارابي، كتاب الحروف، مصدة سبق ذكره ص 132.

[78]  _ الفارابي، كتاب الحروف، نفسه ص 134.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً