أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / درس التأويل واللامحدود – علاء حمد

درس التأويل واللامحدود – علاء حمد

 درس التأويل واللامحدود

 علاء حمد*

 

إنّ موضوع الغوص في منطقة اللامحدود وعلاقاته المتشعّبة من الموضوعات المهمّة في الدرس اللغوي من جهة، وفي الدرس الدلالي وتعدّد الدلالات من جهةٍ ثانية. لذلك فالتأويل يمتلك المعنى المضمر من خلال علاقاته النصّية، من هذه العلاقات يكون حضور الكتابة اللامألوفة والتي تنتمي إلى اللامألوف، فيكون للوحدات الدلاليّة مساحة واسعة في موضوع الفهم. (التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة فهم يحدث من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ من جهة علاقاته الداخليّة وأيضاً علاقاته بالعالم والذات؛ كما يعد في هذه الفلسفة اللحظة الجوهريّة في الحياة الإنسانيّة، حيث تتميّز الكائنات الإنسانية بامتلاكها الفهم ذاته للعالم وللآخرين.1).

من خلال التأويل وامتلاكه للمعنى، نلاحظ أنّ الكتابة تمنح النصّ عدّة قراءات أو عدّة اتجاهات لدلالة المعنى، فالركون والمراوغة في أرضيّة النصّ تُلغى، لذلك، فهو نسق من العلامات الدالة في نظام داخلي ينتج تلك الدلالات التي أشرنا إليها. فيعدّ التأويل من أعمق الأفعال المعرفيّة وكيفية استخدامها ضمن ثقافة النصّ والثقافة الذاتية اللتين تلتحمان في منطقة اللامحدود، فمفهوم النصّ وحضور أحد عوالم المعرفة النصّية تجعلان الأشياء الصامتة ذات روحية متحرّكة؛ ومن هنا كلّ معنى، عند ظهوره يفتح أفقاً جديداً للتأويل. فيرتبط التأويل بمنطقة اللامحدود لأنّ المعنى لا ينغلق في صيغة نهائية، بل يظلّ قابلاً للانفتاح والتواصل الامتدادي.

تقودنا كتابة اللامحدود إلى سلطة نصّية، وهذا يعني أنّ هناك علاقة تأويليّة بينه وبين النصّ الأدبي، حيث يكوّن التأويل علاقات مع المفردات المعجميّة والقاموسيّة ويعمل على انزياحها، وطالما ذكرنا موضوع الانزياح، فهناك الانزياح التركيبي والانزياح الاستبدالي. (إنّ الوظيفة الرئيسة التي أكثرت الدراسات الأسلوبيّة من نسبها إلى الانزياح، إنّما هي “المفاجأة”. وغني عن البيان أنّ مفهوم المفاجأة مرتبط أصلا بالمتلقي، وهو الذي أولته الأسلوبيّة وغيرها من المدارس النقديّة عناية خاصّة، بل أدخلته ضمن دائرة الإبداع، بعد أن لم يكن له في العصور السالفة كبير اعتبار. 2).

لا نبتعد عن العالم الواقعي، حيث أن المعالجة التي نحن بصددها، إرساليّة النصّ المحمّل بأكوان دلاليّة وهي مأخوذة من العالم الواقعي المتعلق بالذات الحقيقيّة، وعلاقته، علاقة أستطيقية وخصوصاً عندما يكون في مناطق اللامحدود الكتابيّة.

هناك عدة علاقات نطرقها بين التأويل واللامحدود، وهي استنتاجات نصّية محمولة في منطقة النصّ الأدبي، الذي يعتبر ديمومة حيث يشارك الجوهر الجمالي في الخلق النصّي.

اللغة وأفق اللامحدود:

من خلال الطبيعة اللغوية تكمن جذور اللامحدود، وللطبيعة اللغويّة عدّة طبائع متعلقة بالنصّ وطبيعة كتابته، كأن تكون طبيعة رمزيّة أو سرياليّة أو أدائيّة أو سرديّة.. إلخ، فتحمل اللغة نظامها المتعارف عليه وعلاقاته مع عناصر النصّ؛ فاللغة ليست نظاماً مغلقاً من العلامات ذات الدلالة الثابتة، بل يعتبر شبكة من العلاقات والإيحاءات والمراوغة والاختلاف (اللغوي)، فالكلمة الواحدة من الممكن أن تحمل طبقات من المعاني، وتتغيّر دلالتها حسب السياق والزمن والتجربة النصّية.

وهذا يعني أنّ النصّ الحديث لا يمتلك مركزاً واحداً نهائياً للمعنى. وكلّما دخلت اللغة بسياقات جديدة، ولدت معاني أخرى، وفي هذه الحالة تكون اللغة حركيّة وغير جامدة، فإذا توقفت حركة اللغة، تثبت بإعطاء ميزة المعنى الواحد. ومن هنا يظهر اللامحدود خارج الفوضى الدلالية، بل يكون متسع الأفق الذي يسمح بحركة اللغة السياقيّة وتواصلها وتجدّد المعاني. (ويشمل السياق اللغوي كلّ العلاقات، وهي كلّ العلاقات التي تتخذها الكلمة داخل الجملة. وهذه العلاقات الأفقيّة Syntagmatic relations على عكس العلاقات الجدوليّة Paradigatic relations وهي العلاقات الاستبداليّة التي تتخذها الكلمة مع كلمات أخرى يمكن أن تحلّ محلّها. 3)

انفلات المعنى في مساحة اللامحدود:

إنّ المعنى الأساسي والمعنى السياقي لا يتراكبان؛ فالمعنى السياقي هو المعتمد في مساحة اللامحدود، وهذا لا يعني أن يبقى على وتيرة واحدة، فلكلّ باقة من المعاني انفلاتاتها، لذلك فاللامحود في النصّ الحديث ليس لتوفير المعنى، بل استحالة اكتماله، فالقيمة الفنية للألفاظ تظهر من خلال السياق. وتعتبر مساحة اللامحدود إدراكاً فلسفياً كما أنّ الدلالة لا تبلغ حدّها أبداً، وذلك لأنّ اللغة انزلاق دائم بين العلامات.

يعتبر القول التوضيحي مدغما من خلال هذه المساحة، وهو القول الحامل للمعاني، ولكن هذا لايعني بأنّه ينبت من خلال الحقيقة، بل هو تجربة تعتني بالغائب، وهو ذو علاقة مع القولين؛ القول الآني والقول المتقدّم، حيث تشكّل هذه العلاقة رزمة من تعدّد القراءات ووسائل بلوغها.

النصّ هو في واقع التخييلي والخيال:

كما ذكرنا سابقاً، ونذكر الآن بأنّ النصّ هو واقع خيالي، فالطرقة النصّية تتمّ عبر التخييل الذاتي حيث يعتبر النصّ مرجعاً وكينونة خارج ذاته، أي أنّه ينتمي لواقع خارج المباشرة وخصوصاً النصوص الشعريّة، فالذات هي التي تترك الأثر التخييلي في النصّ؛ ومن هنا يعتمد النصّ على المضامين المعرفيّة المخزنة في الذات الحقيقية، وحقيقة الذات هي الوجود، وليست كشيء مادي من الممكن طرقه أو نسيانه، لذلك فهي كائن حركي تعيش معنا، وهي القادرة على تأسيس الخيال الذاتي لغرض الخلق النصّي. (ولكن الذات، وإن كانت بسيطة وموحّدة، تظهر على هيئات كثيرة بحسب وظائفها وأحوالها ولحظاتها الزمنيّة، ومع ذلك فإنّها تبقى هي هي، وهي تبقى نفسها حتى وإن ظهرت على نحو الالتباس المقصود، “كالممثل” المسرحي الذي يقوم بدور ما. إنّ الالتباس يكون عند المدرِك لا في الذات، والازدواجيّة تكون في الوظائف لا في الكيان. 4).

من خلال ثلاثية العناصر بين الواقع والتخييلي والذات الحقيقـيّة، يتكئ النصّ على عالم من التجارب الواقعيّة من جهةٍ، والخلق الذاتي التخييلي من جهةٍ ثانية؛ لذلك عندما ننقل المفردات الواقعيّة فإنّها تفقد ميزتها المباشرة، ويكون المعنى ملازما للسياق الجديد الذي أسّسته الذات بحقيقتها الواقعيّة وعلاقتها الخياليّة. ويكون كلّ عنصر من العناصر المساهمة في النصّ المكتوب ذا علاقة مع ثلاثيّة العناصر بعلاقات بعضها تجريديّة وبعضها ينتمي إلى الواقع لإعادة إنتاج النصّ.

نقصان النص:

عندما نقول إنّ النصّ الأدبي يشوبه نوعاً من النقصان، فهذا لا يعني أنّه النقص من الناحية النحويّة وانسجام الكلمات والجمل مع بعضها، بل هناك النقص الحاد في فعلي الخيال والإثارة، ومن هنا يكون العمل ويكون التأكيد على تجانس العناصر وحركة النصّ، وخصوصاً عنصر الإثارة الذي يعدّ المحرّك الرئيسي للنصّ. ويتبيّن النصّ وأحداثه من خلال الثقافة النصّية، لذلك فالمشهد النصّي عادة ينتمي إلى: المنطق وثقل الإثارة والبلاغة الجديدة “الحجاج” والتأويل)، حيث يقودنا النصّ إذا كان شعريّاً إلى المناطق الرمزيّة، وإذا كان سردياً إلى مناطق الإثارة والتأثير، وتكون للعلاقات القوّة والحركة مع فعل الإثارة؛ يقول تودوروف ( أريد في الواقع أن أقرر أمراً مفاده أنّ هناك تضامناً بين الرمز اللغوي والتأويل “وهذا مايفعله ريكور أيضاً” اللذان هما بالنسبة إليّ مجرد وجهين “الإنتاج والتلقي” لظاهرة واحدة. ومن هنا، فإنني لا أعتقد أنّ الفصل بينهما في الدراسة يمكن أن يكون أمراً مرغوباً به أو حتى ممكناً. فالنصّ أو الخطاب يصبح رمزياً ابتداء من اللحظة التي نكتشف له فيها، بفضل جهد تفسيري، معنى غير مباشر. 5).

المصادر

1-د. محمد ولد سالم الأمين – حجاجيّة التأويل – ط1 لسنة 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا – ص.23

2- د. محمد أحمد ويس – الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبيّة – ط1 لسنة 2005م، المسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان – ص 156.

3- د. محمد فهمي حجازي – مدخل إلى علم اللغة – طبعة جديدة مزيدة ومنقحة صادرة عن دار قباء للطباعة والتوزيع، مصر – ص 159 “للتواصل أكثر على الصفحات: 159، 160، 161”.

4- د. عزت قرني – الذات ونظرية الفعل -ط1 لسنة 2001م، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة – ص 36.

5- تزفيتان تودوروف   – الرمزية والتأويل – ترجمة وتقديم: د. إسماعيل الكفري – ط1 لسنة 2017م، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، سورية، دمشق – ص 43.

ناقد من العراق

 

 

 

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً