مخرجات كوفيد 19 إنسانية جديدة بقيم فردانية. تأويلية للزمن الكوروني.

أسامة حمدوش*
هذا عالم العلم وليس عالم الوجدان والعواطف والأيديولوجيات المدمرة لمستقبل البشرية، عالم يخضع لنور الفتوحات والكشوفات العلمية الحديثة، عالم ينطلق من أسئلة علمية كبيرة بغية تفسير السلوك الإنساني، فالقرن الواحد والعشرين فتح جديد في تاريخ الإنسانية قاطبة، وتنطلق فرادته من كونه تجاوز قلق الأسئلة والتخمينات والفرضيات التي أجبرتنا عليها في فترة من تاريخ البشرية وما تزال العلوم الانسانية بنسبيتها وغموضها المعقد، والذي لا حدود تحده، ليستبدلها قرننا الراهن بأسئلة تفوق العلوم الحقة إلى جوهرها الأسمى وهو الغزو الفضائي، بغية معرفة من يستوطن عالم الفضاء وتحديد طبيعة ساكنته.
بالطبع والأكيد أن هذه الكشوفات الجديدة لا تعتمد على الوجدان الخالص، بل على العقل والفكر والعلم والاجتهاد المنقطع النظير، الذي يتكئ على تاريخ العلوم والنظريات العلمية في العصر الحديث، والذي كانت له منطلقات وأسس متينة في العصور القديمة.
لقد شهد العالم في القرن الواحد والعشرين مرحلة قلقة ومتوترة في حياة البشرية، ولطالما عودنا التاريخ على ولادة وباء من الأوبئة على رأس كل مئة سنة، فالأوبئة والأمراض محرك من محركات التاريخ، وتاريخ البشرية لا يمكنه أن يظل جامدا يسير سيرا خطيا وتعيش فيه البشرية نفس المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية النمطية في كل العصور السابقة.
لعلنا في هذه المرحلة حديثة نحيى أزمة عالمية تتحاوز ماهو اقتصادي إلى تاريخ جديد هو تاريخ الأوبئة والأمراض الفتاكة والمدمرة، والتي أعجزت أعتى الأنظمة الاقتصادية جبروتا، حتى لو تعلق الأمر بأنظمة اقتصادية رائدة تدعي الكمال المطلق والجبروت والخلود وغريزة البقاء الأبدي.
لا نعلم إن كانت أزمة الأوبئة تحديا وجبروتا ساخطا وإنذارا ورسالة توبيخية من قوى السماء في حق قوى الأرض، التي كلما تَبَتَثْ أقدامها وتطور علمها واشتدت سواعدها، بتطورات واختراعات علمية وتقنية، طمحت إلى تجاوز محاولة إحكام السيطرة على الأرض، إلى تحدي العالم السماوي الغيبي.
ومن البديهي أنه في الواقع تعتقد بعض أنظمة العالم المتطورة أنها تستطيع صناعة حياة بشرية جديدة، سهلة يسيرة من خلال التقنية التي تطورت كثيرا كالروبوتات التي تنشد تعويض الكائن البشري وأداء أدواره في أيسر وقت من الزمن، وأيضا الآلات الخارقة التي تقوم مقام ما يفعله مئات البشر في وقت قصير جدا، فالآلة الواحدة قد تعمل عمل مئات الأشخاص في رمشة عين ووقت سريع.
هذا التطور الذي خطته الأنظمة الاقتصادية المهيمنة على العالم، أسهم في بزوغ غزو أرضي وجوي وفضائي، يطمح مساءلة الطبقات السماوية والغلاف الجوي المتعالي عن الزمان والمكان، لأجل البحث عن منفد لاكتشاف واختراق هذه البقع والعوالم الخفية والمدهشة في تكوينها، نحو غزوها وبناء مساكن فيها للاستقرار بغية فتح كشوف علمية جديدة.
إن الأنظمة الاقتصادية الجبارة كأمريكا والصين واليابان وألمانيا…وغيرها، يحدوها هاجس عظيم هو التخلي عن العالم الأرضي لصالح ما تراه عبيدا ورعاعا والترحال لعالم سماوي هو عالم الأسياد، والهدف هو التحكم في هذه العوالم من الأعلى والسيطرة على ساكنة الطبقة السفلى الأرضية، فإحكام القبضة على العالم يأتي بسلاح العلم والتطور التكنولوجي والتقني المبهر، وهو أهم عامل يخدم الاقتصاد العالمي برمته، فبواسطة التكنولوجيا والتقنية تربعت على عرش النظام العالمي دول على حساب دول أخرى.
إن العالم تغير وتجدد وهذه سنة الوجود، قد يكون زوال جائحة كورونا مسألة وقت فقط، لكن لا يختلف اثنان عن كونها خلفت آثار نفسية بليغة على الإنسان، إذ إن الأمر لا يتعلق بمرض يصيب الكائنات البشرية وينتهي بوجود علاج هو الخلاص الأبدي، فالأمر هنا يختلف مع فرض قوانين الحجر الصحي والعزل والفردانية والخوف والترقب، بعيدا عن جمالية الحياة الفسيحة ومتعها وملذاتها المتنوعة.
ومن البديهي أنه مع فرض العزل الصحي تعرضت البشرية لنكسات نفسية واجتماعية متعبة، مما سيجعل الحياة البشرية بعد نهاية الجائحة صعبة ويغزوها الخوف وانعدام الثقة، وقد نفسر العزلة أو الحجر الصحي بأنه نوع من الفردانية القاتلة، ورغم أن هذا العزل صحي في مصلحة الجميع خوفا من تزايد عدد المصابين والوفيات، لكن هذا خلق ترسبات كثيرة من نوازع وفواجع الأنانية وتمرير شعار من شعارات الرأسمالية المتوحشة: “أما وبعدي الطوفان”.
فهل يعني الحجر تمرير قيم الفردانية والرأسمالية الفتاكة؟! وهل يمكن أن يكون العزل الصحي الذي مررنا به علمنا معنى الأنانية وخدمة المصالح الفردية؟! ولماذا لا يكون هذا العزل بمثابة قتل رمزي لقيم الجماعة والاشتراكية وتفكيكا أسريا وقتلا للعلائقية والصداقات التي هي محور الأخلاق والقيم الأصيلة التي من الممكن أن تنتج لنا مجتمعات حديثة واعية متحضرة مساندة لبعضها البعض؟!! ولم لا يكون العزل الصحي صناعة لإنسانية جديدة تؤمن بالشر والعزلة والحقد الدفين، بشرية همها الوحيد ترسيخ قيم شوفينية فتاكة لقيم التعايش الإنساني والتواصل الحضاري البناء، هذه كلها تخمينات وتأويلات مفتوحة على مالانهاية من التأويل الممكن لغد ومستقبل الكائن البشري، وهي تأويلات قد تصح وقد لا تصح لكنها من سمات وملامح زمننا الكوروني المتسم بقيم جديدة فرضتها أقدار العصر.
باحث من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي