جائزة القصة القصيرة بالأردن لعام 2025

في احتفالية أدبية مميزة، أعلنت رابطة الكتاب الأردنيين قبل أيام عن نتائج “مسابقة الأديب الراحل فخري قعوار للقصة القصيرة”، والتي تُصنف كواحدة من أرفع الجوائز الأدبية المتخصصة في هذا الجنس الأدبي في المملكة. وقد توجت المسابقة بفوز الأديب الأردني الأستاذ رشاد جودة رداد، تقديراً لتميزه السردي وبصمته الإبداعية الخاصة.
ويُعد القاص والروائي والشاعر رشاد رداد قامة إبداعية فاعلة في المشهد الثقافي الأردني؛ فهو عضو بارز في رابطة الكتاب الأردنيين، ومؤسس وعضو الهيئة الإدارية في جمعية “منتدى نقش للثقافة والفنون”. يمتلك رداد رصيداً غنياً من المؤلفات التي تتنوع بين الشعر والرواية والقصة القصيرة، كما سجل حضوراً لافتاً في العديد من الندوات والمهرجانات الثقافية، وحصد جملة من الجوائز في مسابقات أدبية محلية وعربية.
واحتفاءً بهذا الفوز، نقدم لكم واحدة من قصصه المميزة بعنوان “اللوحة”، والتي تعكس جانباً من عالمه السردي وقدرته على تطويع اللغة لرسم التفاصيل الإنسانية:
تقدم قصة “اللوحة” نموذجاً سردياً مكثفاً يغوص في سيكولوجيا الفنان الذي يواجه خريف العمر وعزلة الذات. تبدأ الحكاية بانتظار “صوت” أنثوي عبر الهاتف، وهو الصوت الذي يفتح على البطل (الفنان الخمسيني) أبواب الندم والمساءلة أمام المرآة، حيث يكتشف فداحة السنوات التي سُرقت في “غياب الألوان الصامتة”.
في “اللوحة”، يتحول الفعل التشكيلي من مجرد فن إلى محاولة يائسة لترميم الكينونة؛ فاللوحة البيضاء تصبح هي “الحبيبة” وهي “الخلاص” وهي “الفخ”. وببراعة لافتة، ينقلنا رداد من سكون الغرفة إلى ضجيج الصراع الداخلي، وصولاً إلى تلك اللحظة التراجيدية حيث ينقطع الصوت الهاتفي، وتسيل الألوان على جسد الفنان الملقى صريعاً، لتتشكل في النهاية “لوحة تشكيلية يصعب فهمها” تختصر مأساة الإنسان بين الرغبة والعدم.
اللوحة – رشاد جودة رداد
صار ينتظر صوتها القادم من الهاتف كل مساء، لم يكن يعرفها لكنها تعرفه وتتابع جنونه التشكيلي ، جلس على كرسي جلدي، وراح ينظر في لوحاته المعلقة على الجدران بشكل مهمل ، لم تعجبه لوحة واحدة ، علّق لوحة وبدأ يعبث بها ، لكنه تراجع وراح يتأمل الهاتف ، ويتخيل صاحبة الصوت المسائي ( رجل مثلي تجاوز الخمسين ، لا يمتلك ذلك الجمال العبقري لنصب فخاخه للحسناوات ، ولا ثراء يلبّي رغبات الفتيات الطامحات ، مجرد فنان يغازل اللوحات بقلبٍ بارد ، ويحدّق في الأشياء برغبة ميتة ، لكنه أحسّ بخيط دافئ يتسلل إلى قفص قلبه المتيبس.
صار يدقق في وجهه أمام المرآة ، ويقول لقد جاء الصوت متأخراً جداً ، وكيف سُرقت هذه السنوات من عمري مرة واحدة ، كنت أنظر للمرآة كل يوم لكنها المرّة الوحيدة التي أحسّ بها بخسارةٍ فادحة .
من أطفأ لهيب الرغبة والحياة في دمي !!! ، وهذه التجاعيد لم يُشكّلها قلق القلب ولا خفافيش الأحلام .
امتدت أصابعه الغارقة بالألوان إلى الهاتف الرابض أمامه كقط أليف ، تحسّسه ، أحسّ برعشة غريبة . بمطر تساقط فجأة على جسده الهرم العاري .وأخذ يتمتم بقهرٍ مذل ..كم كنت سخيفاً ومغفلاً ، الأعذار انتهت في هذا الوقت الحرج ، كنت مطعوناً بغياب الألوان الصامتة عندما كان جرس العزلة يدق.
عاد إلى لوحته البيضاء مرة أخرى ، بدأ يتدفق على مخيلته تفاصيل وجه حبيبته ، يتخيل ويرسم . العاشقة أتعبته ، أحسّ بأن كل شيء حوله يتغير ..والصور تزدحم في رأسه ، بدأ يحسّ أنه سوف يفتقدها ذات مساء كما افتقد عمره الخائب .
( إنني بحاجة لها ، أو لأي شيء أسوّي به عزلتي ، من فتح عليّ باب هذا الوجع الثقيل ، قرر أن لا يترك اللوحة حتى يكملها ، يريد أن يخلص من هذا الضغط الهائل ، لكنه كلما حاول أن يرسم شيئاً يتردد ، ترتعش يداه ، يتوه في ضبابها ، وكلما حاول أن يترك اللوحة تشدّه بِصمتِها ، أصبح المكان أكثر وحشة وأكثر سكوناً وقلقاً ، ضاق صدره ، راح يسبح في فضاءات واسعة يجري مكبلاً بأشياء قديمة ..والماضي صور تحوم حوله ، مثل طيور خرافية وثمة بؤر سوداء تلاحقه تخترق جسده العاري ورأسه ، أحسّ كأنه في قاع محيط .
عاد للوحته ، لحبيبته وبلا وعي أكمل لوحته دفعة واحدة بتوتر وجنون .
انتظر جرس الهاتف ، لكنه لم يرن ، وفي اليوم التالي لم يرن ، جلس أمام لوحته يتأملها يعيد صياغتها ، فجأة رنّ جرس الباب ، قفز نحوه ،فتحه لم يجد أحداً …رنّ جرس الهاتف ركض باتجاهه بجنون ..آلو ..آلو جاء الصوت حزيناً ..أرجوك سأرحل اليوم و ..أغلقَ الهاتف بانكسارٍ مذل ، لم يحتمل الصدمة ، انتابه فزع شديد ، حضن اللوحة ، تأملها بعيون مرتجفة ، لمحها بيضاء صامتة ، شعر بالأرض تنزلق من تحته ، وبالسقف يتفسخ من فوقه ، خرّ صريعاً على الأرض فيما اختلطت الألوان وراحت تسيل على جسده الملقى نقطةً نقطة ، راسمة لوحة تشكيلية يصعب فهمها .
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي