نحو سردية جديدة للأدب المغربي: قراءة في كتاب “الأدب الأمازيغي الحديث بالمغرب: النشأة 1967-2000” للباحث الحسن زهور

محمد الأشهب *
شكَّل الأسبوع الماضي مناسبة طيبة للقاء الزميل الحسن زهور بمقهى “كابريس” الذي بات فضاءً ثقافياً يستضيف أنشطة رمضانية بإشراف الصديق لحسن باكريم. وفي هذه الأجواء الرمضانية الحميمية، أهداني الزميل السي الحسن نسخة من كتابه الموسوم بـ “الأدب الأمازيغي الحديث بالمغرب: النشأة 1967-2000 “.
جعلت من هذا الكتاب ملاذاً رمضانياً بامتياز، متخففاً من ثقل النصوص الفلسفية، ومنغمساً في قراءة عمل يسعى إلى قلب السردية السائدة عن الأدب المغربي. وبعد الفراغ منه، أجدني مدفوعاً إلى تقاسم بعض التأملات مع القراء، رغبة في تعميم الفائدة، وتحفيزاً على الاقتراب من هذا الجهد النقدي الذي يهدف إلى تغيير جذري في طريقة النظر إلى المشهد الأدبي المغربي.

- إعادة النظر في السردية الأدبية المغربية
لطالما ارتبط الأدب المغربي الحديث، في الأذهان والدراسات، بالنصوص الإبداعية المكتوبة بالعربية أو الفرنسية. غير أن كتاب الحسن زهور يأتي ليضع حداً لهذا الاختزال، مقدماً أطروحة واضحة: لا يمكن تصور المشهد الأدبي المغربي اليوم من دون الاعتراف بالإسهام الأمازيغي بصفته مكوناً أصيلاً وجوهرياً.
تستند دعوى المؤلف إلى حفرياته الدقيقة في النصوص المنشورة خلال الفترة التي اختارها حقلًا لدراسته (١٩٦٧-٢٠٠٠)، معتبراً إياها مرحلة تأسيسية بامتياز للأدب الأمازيغي الحديث. إنها حقبة حاسمة في تشكيل متن إبداعي يستحق، بجدارة، أن يوضع إلى جانب المتنين العربي والفرنسي، ليكتمل بذلك مثلث الإبداع المغربي.
- الوحدة في التنوع: مرتكز نظري ورهان وطني
ينطلق الباحث من فكرة “الوحدة في التنوع”، تلك العقيدة التي تتبناها الحركة الأمازيغية منذ “إعلان أكادير”، محولاً إياها إلى أداة منهجية ونظرية لقراءة الإبداع الأمازيغي. لا يكتفي زهور بتقديم عمل توثيقي محايد، بل يصوغ دفاعاً رصيناً عن الأدب الأمازيغي بصفته منتوجاً فنياً متكامل الأركان، يمتد ليشمل مختلف الأجناس الأدبية: الشعر، القصة، المسرح، السينما، الرواية، أدب الرحلة، وتدوين الحكاية الشعبية، الترجمة والتأليف المعجمي. وما يزيد في قيمة هذا العمل ذلك التنوع اللافت في الحروف التي كُتبت بها النصوص الموثقة: بين العربية، واللاتينية، وتيفيناغ. وهذا التنوع الخطي لا يشير إلى تشتت، بل يكشف عن حيوية اللغة الأمازيغية ومرونتها، وعن قدرتها على التعبير والإبداع في كل الأجناس، كما يشهد على انفتاحها على الترجمة من وإلى اللغات الأجنبية.
- دفاع عن العبقرية اللغوية وإثبات للتراكم
يستند الباحث إلى اطلاع موسوعي على ما نُشر من نصوص، ليقدم للقارئ صورة مقنعة عن حجم التراكم الذي حققه الإبداع الأمازيغي خلال عقود قليلة. غير أن الكتاب لا يكتفي باستعراض ما تم إنجازه، بل يتجاوز ذلك إلى توجيه نداء صريح، في مقاطع متعددة، للباحثين والمؤسسات الأكاديمية، يحثهم فيه على الانكباب أكثر على توثيق النصوص التي لم تتح له فرصة الوصول إليها. من وجهة نظري، تشكل الأعمال النقدية والأكاديمية في ميادين الأدب واللسانيات والدراسات الأنثروبولوجية والمعجمية اللبنات الأساسية لتطوير اللغة الأمازيغية الحديثة. فاللغة لا تنمو ولا تزدهر إلا بأبنائها وبالجهد العلمي الذي يُنزل إبداعاتها منزلة الدرس والتحليل والنقد.
- من الاعتراف السياسي إلى العدالة الأدبية
لقد تحقق الاعتراف السياسي مع دستور ٢٠١١ الذي جعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. غير أن هذا التكريس الدستوري يظل ناقصاً إن لم يتعزز بـ”ورش” ثقافي وأكاديمي كبير، يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية ودعم مادي سخي، قادر على نشر الأعمال الإبداعية الأمازيغية، وترجمة روائع الأدب العالمي إليها، والعكس. فتحقيق ما يمكن تسميته بـ “العدالة الأدبية” في السياق المغربي لا يعني انتقاصاً من المكونات الأخرى للهوية المغربية، بل هو ترجمة فعلية لعقيدة “الوحدة في إطار التعدد”، وتحويل للاعتراف الدستوري إلى واقع ثقافي ملموس. كتاب الحسن زهور، بهذا المعنى، ليس مجرد عمل توثيقي، بل هو لبنة في صرح هذه العدالة المنشودة، وخطوة واثقة على طريق سردية جديدة للأدب المغربي، تتسع للجميع، وتعترف بالجميع، وتحقق للجميع حضورهم اللائق في المشهد الإبداعي الوطني.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي