الكتاب والذات

سعاد السبع*
كانت الجدران البيضاء لبيتها تتحدث بصمت، كل زاوية تحمل صدى الوحدة التي عاشتها سنوات طويلة.
صمتٌ ثقيل، ليس بسبب غياب الكلمات، بل لأن الكلمات لم تجد من يسمعها، ولم يكن هناك من يبادلها الاهتمام أو المشاركة.
كل يوم كان يشبه الآخر، كأنه صفحة فارغة في كتاب لم يُكتب بعد.
وفي لحظة، أدركت أن الصمت يمكن أن يكون بوابة، لا حجرة سجن.
فتحت كتابًا قديمًا، ورقة ورقة، صفحة بعد صفحة، وعثرت على عوالم لم تعرفها، على أصوات لم تسمعها، على أفكار كانت تنتظر أن تُكتشف.
كانت الكتب، بل وحتى الكلمات المكتوبة بصمت، نافذة إلى الحرية، إلى الذات، إلى العالم الذي كان يختبئ خلف جدران صمتها.
بدأت تقرأ كل يوم، تتأمل، تفكر، تحلل، وتسائل نفسها عن كل شيء حولها.
القصص والمقالات، الشعر والفلسفة، التاريخ والعلوم… كلها أصبحت مرآة تعكس ما هو مخفي بداخلها، وتمنحها القوة لتكون أكثر وعيًا، أكثر حضورًا.
مع كل صفحة جديدة، شعرت بأن صمتها الطويل يتحول تدريجيًا إلى حكاية، إلى قوة داخلية، إلى إدراك أنها قادرة على العيش بكرامة، بلا انتظار من أحد أن يسمعها، أو يعترف بها.
ومع الوقت: أصبح المنزل الذي كان يومًا صامتًا، مكتبة حية، مليئة بالكتب والدفاتر والملاحظات، وحياتها اليومية مليئة باللحظات الصغيرة التي تمنحها شعورًا بالتمكين والحرية.
بدأت تتحدث أكثر، لكنها لم تعد بحاجة إلى أن يسمعها أحد.
فالصوت الذي اكتشفته في داخلها أصبح كافيًا، الصمت الذي كان يثقل قلبها أصبح الآن لغة متكاملة، ممتلئة بالوعي والفهم العميق للذات.
وفي إحدى الليالي، جلست بجانب النافذة، تنظر إلى المدينة التي لم تهدأ،
الأنوار تتلألأ، الأبواب تغلق وتفتح، والناس يسرعون الخطو في حياتهم، غير مدركين أن هناك امرأة كسرت صمتها بصمت آخر، عاشت داخليًا آلاف الحكايات، واكتسبت قوى لا يراها أحد إلا هي.
ابتسمت لنفسها، هادئة، مطمئنة، عارفة أن العالم الكبير لم يعد مصدرًا للانتظار، بل منصة للإبداع، للتعلم، للاكتشاف، للحياة التي لم تبدأ إلا حين عرفت كيف تتحرر من صمتها الطويل.
الكتب لم تمنحها مجرد معرفة، بل منحتها وعيًا ذاتيًا، اكتفاءً داخليًا، وسلامًا صامتًا، أقوى من أي كلمات يمكن أن يطلقها الآخرون.
كانت تعرف أنها لم تعد وحيدة، فالذات التي اكتشفتها أصبحت رفيقتها، والحياة التي صنعتها بأفكارها، أصبحت عالمها الحقيقي، عالم يضم كل ما حلمت به، دون أن تحتاج لأن يعترف بها أحد.
وفي النهاية، أدركت أن الصمت الذي عاشته لم يكن خمولًا، بل رحلة نحو الحرية الداخلية، وساحة لبناء الذات، ومفتاحا لفهم الحياة بطريقة لم تستطع الكلمات وحدها أن تصنعها.
قاصة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي